Wednesday, May 18, 2016

تاريخ سوريا الحديث حتى عام 1970


عنوان الكتاب ببساطة "سوريا " لمؤلفته تابثا بتران وهي صحفية أمريكية من مواليد المكسيك أقامت في العالم العربي منذ عام 1957 وكانت تحيا في بيروت عندما صدر كتابها موضوع بحث اليوم عام 1972 للميلاد



يستهل الكتاب بتعريف جغرافي لسوريا وأن اليونان كانوا أول من إستعمل هذه التسمية بينما أطلق العرب على نفس المطقة إسم "بلاد الشام" أي بلاد الشمال نسبة لمكة ثم ننتقل إلى استعراض مكونات الشعب السوري الدينية والإثنية. بعد لمحة سريعة عن تاريخ سوريا عبر القرون تنتقل السيدة بتران إلى القرن التاسع عشر والذي هبت على سوريا فيه رياح الحداثة والتغيير مع حملة محمد علي والتنظيمات العثمانية وما تلاها من بدايات "الوعي السياسي" حسب تعبيرها.

تاريخ الحرب العالمية الأولى و "الثورة العربية الكبرى" ومراسلات حسين مكماهون معروف و تتبنى الكاتبة وجهة النظر التقليدية ألا و هي "خيانة" الإنجليز للعرب (لا مناص من التذكير هنا أن وعود بريطانيا كانت للهاشميين وليس "للعرب" وأنها كانت غامضة بحيث يمكن تفسيرها إيجابياً أو سلبياً وأن إنجلترا كانت عموماً كريمة مع أجراءها عندما وهبت فيصل العراق وأخيه عبد الله شرق الأردن). جاء العهد الفيصلي (تشرين أول 1918 إلى تموز 1920) بعد أن وضعت الحرب أوزارها ومن ثم عهد الإنتداب الفرنسي وتزامن هذا الأخير مع تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. قصة نكبة 1948 أطول من أن تدرج في سياق مراجعة سريعة لكتاب يتناول بالدرجة الأولى سوريا كما رسمت حدودها فرنسا.
تجار حلبيون في مقهى قرب القلعة
بدأت الإنقلابات بعد سنوات قليلة من الإستقلال و تحديداً عام 1949. هناك مؤلفات أفضل لمعالجة الفترة بين 1945-1958 و تكفي هنا الإشارة بشكل سريع إلى عودة الحكم البرلماني بعد سقوط الشيشكلي عام 1954 ثم تصفية الحزب القومي السوري بعد مصرع المالكي عام 1955 وصعود اليسار وكيف تحول التعاون بين البعث والشيوعيين إلى منافسة أدت مع عوامل أخرى إلى الوحدة السورية المصرية عام 1958 والتي كرست بروز نجم عبد الحميد السراج الساعد الأيمن لعبد الناصر في سوريا وحليفه في الصراع ضد الهاشميين و حلف بغداد.

تتكلم الكاتبة مطولاً عن أخطاء الوحدة و استغلال المصريين الإقتصادي لسوريا وتهميشهم للجيش السوري والضباط السوريين وكيف بدأ الخلاف مبكراً بين البعث وعبد الناصر عندما رفض هذا الأخير اقتراح أن تحكم الجمهورية العربية المتحدة لجنة مكونة من ستة أشخاص ثلاثة منهم سوريون ألا وهم عفلق والبيطار والحوراني، ومن البدهي أن يتردد عبد الناصر في قبول البعث كممثل وحيد لجميع السوريين.
حلب الشهباء
جاء الانفصال مع إنقلاب عبد الكريم النحلاوي في أيلول عام 1961 وعودة اليمين إلى سدة الحكم بمباركة و دعم من ملك الأردن حسين و السعوديين و أيد أكرم الحوراني و صلاح الدين البيطار العهد الجديد على الأقل في البداية و كذلك أيدته "اللجنة العسكرية" التي تشكلت سراً في مصر عام 1959 من مجموعة من الضباط السوريين (صلاح جديد، حافظ الأسد، محمد عمران، حمد عبيد، سليم حاطوم، عبد الكريم الجندي، أحمد سويداني و هناك خلاف على عضويتها). بالنتيجة إختلف البعث مع أكرم حوراني وطرد هذا الأخير من الحزب في المؤتمر الخامس عام 1962. كان عهد الانفصال حافلاً بالإنقلابات وبعيداً عن الإستقرار وسهل هذا انقلاب 8 آذار 1963 والذي ساهمت فيه ثلاث مجموعات من الضباط: بعثيين و ناصريين وقوميين عرب وكان منفذ الإنقلاب زياد الحريري (وهو صهر الحوراني) من هذه الزمرة الأخيرة. كانت هوية الإنقلاب غامضة في البداية ول هذا ساعد على نجاحه إذ إعتقد زيد أن عمراً يعمل لصالحه والعكس بالعكس و كان رد فعل السوريين عموماً أنه إنقلاب كغيره وأنها دوال دولته مسألة وقت ليس إلا.

حماة
تلى أحداث 8 آذار إعلان الأحكام العرفية و هنا تجدر الإشارة أن قيادة البعث (أي عفلق والبيطار) لم تشارك في الإنقلاب لا من قريب و لا من بعيد و لكن الضباط في اللجنة العسكرية كانوا بحاجة للجهاز التنظيمي للحزب و لو كواجهة على الأقل في البداية و هكذا قاموا بإستدعاء القيادة السياسية ومن بعدها جرى تدريجياً تطهير الجيش من الناصريين وجماعة زياد الحريري وبزغ نجم أمين الحافظ في الحزب الذي زادت قوته وثقته وإن إحتاج لاستعمال العنف بين الفينة و الفينة وعلى سبيل المثال عندما تمرد الناصريون تحت لواء جاسم علوان في صيف 1963 ولدى عصيان حماة عام 1964. تلى احتكار البعث للسلطة نزاع في داخل الحزب بين اليمين أو "القوميين" بقيادة أمين الحافظ واليسار أو "القطريين" أو "البعث الجديد" بقيادة صلاح جديد وانتهى الأمر بانتصار جديد في انقلاب دموي في شباط 1966 انتهى معه دور القيادات المدنية التقليدية للبعث في سوريا إلى غير رجعة.

الفرات ودير الزور
شهدت الستينات صراع البعث مع عبد الناصر على قيادة اليسار و"القوى التقدمية" في العالم العربي و حفل بمزودات البعث على الزعيم المصري في قضية تحويل مياه نهر الأردن و "تحرير فلسطين" فمثلاً قام ممثلو سوريا في مؤتمر القاهرة كانون ثاني 1964 بالمطالبة (بدعم من الجزائر) "بحرب تحرير شعبية" على غرار النموذج الجزائري لمواجهة الصهاينة. لا داعي للدخول في التفاصيل التي قادت لكارثة 1967 و لكن من المفيد هنا التعرض إلى حادث قام فيه الفكر اليساري (والذي كان في أوج قوته في هذه المرحلة مع شعاراته الطنانة "كالإشتراكية العلمية" و"حرب التحرير الشعبية") بجس نبض الشارع السوري عن طريق مقال نشر في مجلة "جيش الشعب" في 25 نيسان من هذا العام ومن جملة ما ورد فيه الدعوة إلى التخلص من تقاليد الماضي ووضع "الله والدين والإقطاع والرأسمالية والاستعمار" في "متحف التاريخ". تلت نشر المقال موجة من الإضرابات والاصطدامات مع عناصر الأمن و بالنتيجة تم توقيف الكاتب والمحرر والحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة وإن جرى إطلاق سراحهما "بهدوء" فيما بعد

الآليات الإسرائيلية تزحف في الجولان حزيرن 1967
من جملة "إصلاحات" البعث بعد الهزيمة كان تأميم المدارس الخاصة في أيلول 1967 وأدت إجراءات البعث الاقتصادية في جملة ما أدت إليه إلى هروب رؤوس الأموال من سوريا وعل أهم ما حدث بين 1968 و 1970 كان الصراع على السلطة بين الأسد وجديد والذي سعى فيه الأسد إلى تعزيز نفوذه في الجيش بينما ركز جديد على الحزب. نفذ الأسد إنقلابه الأول (أو "حركته التصحيحية الأولى" إذا أردنا) في 25 شباط 1969 عندما إحتلت دباباته مواقعاً إستراتيجية في دمشق و إستولى على الإذاعة و طرد رؤساء تحرير البعث والثورة ليعين محلهم أنصاره وردت القيادة السياسية بإدانة تمرد الجيش ضد الحزب ودعت إلى مظاهرات واضرابات ولم يكن الأسد في هذه المرحلة يملك القوة الكافية للسيطرة على الحكومة وبالتالي كان لا بد له من الوصول إلى اتفاق مع صلاح جديد و لو إلى حين و لكن جديد خرج من الأزمة أضعف موقفاً واضطر أنصاره إلى نشر مقالاتهم في جريدة "الراية" من لبنان بعد أن أغلقت الصحافة المحلية أبوابها في وجوههم

نازحون من القنيطرة 1967
استمرت ازدواجية السلطة حتى خريف 1970 عندما قام الأسد بنقل ما تبقى من أنصار صلاح جديد في الجيش ورد جماعة هذا الأخير في المؤتمر القومي الاستثـنائي العاشر (30 تشرين أول إلى 12 تشرين ثاني) بطرد الأسد وحليفه مصطفى طلاس من مناصبهما في الحكومة والجيش وكانت ردة فعل الأسد سريعة إذ قامت وحدات الجيش بالاستيلاء على مكاتب الحزب والمنظمات الشعبية و إيداع عدد من القيادات السياسية والضباط الموالين لجديد في السجن دون الحاجة إلى سفك الدماء.

No comments:

Post a Comment