Friday, September 13, 2019

أنطون بولاد وإسهام مبكّر للمسيحييّن في ترميم الجامع الأموي


لجامع بني أميّة الكبير مكانة خاصّة في قلوب السورييّن عموماً والدمشقييّن خصوصاً بغضّ النظر عن دينهم ومذهبهم بل يمكن القول أنّه معلم تراثيّ بالغ الأهميّة للإنسانيّة جمعاء. 

تتّفق كافّة المصادر الغربيّة التي قرأتها حتّى الآن أنّ حرم الأموي كان محظوراً على غير المسلمين حتّى حرب القرم (١٨٥٣-١٨٥٦) ولكنّ على ما يبدوا كانت هناك استثنائات لهذه القاعدة -على الأقلّ فيما يتعلّق بالحرفييّن المهرة- بدلالة  النصّ التالي المترجم عن الإنجليزيّة من الصفحة ٢٦-٢٧ لمقال بقلم الفنّان العالم Phené Spiers نشر في مجلّة مهندسي العمارة البريطانييّن في عددها الصادر عام ١٨٩٧ (الرابط أدناه). يشير هذا النصّ إلى ترميم سابق لوصف المبشّر الإيرلندي Josias Leslie Porter في كتاب "خمسة سنوات في دمشق" الطبعة الأولى عام ١٨٥٥. 

يقول السيّد Porter أنّ "السيّد أنطون بولاد زوّده بأغلبيّة القياسات التي بنى عليها خريطته (١)  وأنّ بولاد حصل على هذه المقاسات من شخص مسيحي عمل في ترميم داخل الجامع لحساب السلطات قبل بضعة سنوات وأنّ هذا الأخير قام بقياس كل دعامة وكل عضادة في المكان نظراً لعدم رضاه عن المخطّط العامّ الموجود."

رغم كلّ هذه العناية أظهرت الصور الفوتوغرافيّة لاحقاً عدّة أخطاء في التفاصيل أمّا عن Porter فقد اعتمد في وصفه على مخطوطة مؤرّخ دمشق الشهير ابن عساكر السابقة لعام ١١٩٨ (٢) وعلى ابن كثير وهو أيضاً من مواليد المدينة وكاتب "البداية والنهاية" ١٣٩٦ (٣) وغيرهم من المؤلّفين المسلمين. 

١. خريطة Porter أقدم مخطّط دقيق للجامع.
٢. ابن عساكر مات ١١٧٦ للميلاد.
٣. خطأ. ابن كثير مات ١٣٧٣. 





Thursday, September 12, 2019

محراب ومنبر الجامع الأموي


موضوع الأسطر التالية المحراب الرئيس لجامع بني أميّة الكبير مع المنبر قبل حريق ١٨٩٣ وهي مترجمة عن الصفحة ٢٣٩ لكتاب "العمارة بين الشرق والغرب" الصادر عام ١٩٠٥ لمؤلّفه Phené Spiers (يمكن الرجوع للروابط أدناه وفي أحدها استعراض سريع للمحاريب الأربعة): 

يعود المنبر إلى القرن الخامس عشر ومن المحتمل أن يكون من أمر بتنفيذه قايتباي نظراً للشبه بينه وبين المنابر القاهريّة ومن المعروف أنّ الفضل في بناء المئذنة الجنوبيّة الغربيّة يعزى إلى هذا السلطان. يبدوا المحراب الرئيس أو محراب مكّة أقدم عهداً ويماثل تصميمه محراب جامع قلاوون في القاهرة (١٢٨٧ للميلاد) بينما تشبه الأعمدة القورنثيّة على جانبيه نظيرتها في جامع السلطان حسن (١٣٦١). دمّرت هذه العمدان في حريق ١٨٩٣. من المثير للفضول أنّ هذا المحراب يقع في تجويف الباب الغربي للمعبد الروماني (*). تزيّن المحراب طبقات منضّدة فوق بعضها بعضاً من أقواس الرخام الصغيرة المرصّعة بالصدف والفسيفساء والصفّ السفلي يماثل الطراز البيزنطي إلى درجة توحي بكونه محراب الوليد الأصلي الذي رمّم بعد حريقيّ ١٠٦٩ و ١٤٠٠-١٤٠١.  

* الكلام عن بقايا البوّابة الرومانيّة في جدار الجامع الجنوبي. 



Wednesday, September 11, 2019

بوّابة معبد دمشق الروماني الخارجيّة الغربيّة


تقع هذه البوّابة على بعد حوالي ٥٦ متر غرب باب البريد ولا زالت عليها آثار النعم رغم مرور أكثر من ألف وخمسمائة عام على بنائها. الرسم أعلاه والمعلومات التالية مأخوذة عن الفنّان المهندس Phené Spiers في محاولة منه لتصّور هذا المدخل الفخم propylaeum لمعبد المشتري الخارجي peribolos.



توحي نحوت التيجان القورنثيّة والعارضة architrave والإفريز بالنماذج النمطيّة لأعمال Apollodorus الدمشقي (٥٠-١٣٠ للميلاد) ولكنّ القوس المركزيّة أحدث من عهده وأقدم المعروف منها قصر Diocletian (٢٨٤-٣٠٥ للميلاد) في Spalato كرواتيا ولو كانت البوّابة من إنجازات Apollodorus (التي شملت جسر الدانوب وساحة forum الإمبراطور Trajan في روما) لأمكن تحديد تاريخها التقريبي في مطلع القرن الثاني للميلاد. 

قصر ديوكليتيان





Tuesday, September 10, 2019

معبد دمشق السلوقي

الزاوية الجنوبيّة الغربيّة للجامع الأموي وهي الأقدم في هذا الصرح

الأسطر التالية ترجمة للصفحات ٢٢٣-٢٢٥ من كتاب "العمارة بين الشرق والغرب" الصادر عام ١٩٠٥ للفنّان المهندس Phené Spiers ولا تزال هذه المعلومات مقبولة ومنطقيّة حتّى اليوم خصوصاً في ضوء الكتابة العائدة للعهد السلوقي في البنية التحتيّة للمئذنة الغربية والتي أشار إليها Ernst Herzfeld في عدد مجلّة الفنون الإسلاميّة الصادر عام ١٩٤٨. 

البناء الأقدم في الموقع هو الامتداد porticus الذي يشكّل الآن الجدار الغربي المحيط بالجامع بطول ٣١٤ قدم (حوالي ٩٦ متر) مع استمرار متعامد عليه بعمق ٣٤ قدم (عشرة أمتار وثلث المتر) في الضلعين الشمالي والجنوبي. هذا الجدار بقي بشكل أو بآخر سليماً باستثناء فجوة تقدّر بحوالي ٣٥ قدم (عشرة أمتار وثلثيّ المتر) في المركز تشغلها حاليّاً أقواس البوّابة المثلّثة (أي باب البريد) التي بناها الخليفة الوليد مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بقايا العارضة architrave والطنف cornice محفوظة فقط في القسم الذي تعلوه المئذنة الجنوبيّة الغربيّة.

هذا الجدار سابق للعهد الروماني وينتمي إلى النموذج السوري-الإغريقي المتناثر في أرجاء فلسطين ولكن من المتعذّر تحديد تاريخه بدقّة وإن أمكننا الافتراض أنّ بانيه أنطيوخوس التاسع (ملك ١١٦-٩٦ قبل الميلاد) على اعتبار أنّه كان أوّل الملوك السلوقييّن في اتّخاذ دمشق عاصمة له وإقامة المنشئات فيها بينما كان أخوه أنطيوخوس الثامن يعمل على جعل عاصمته أنطاكيا مدينة منافسة.

 تزيّن حائط هذا الامتداد الغربي أعمدة جداريّة pilasters بارتفاع ٣٤ قدم و ١٠ بوصات (حوالي عشرة أمتار ونصف) وبروز يتراوح بين ٧-٩ بوصات (حوالي ١/٥ متر) محمولة على قاعدة تبرز ٦ بوصات (١٥ عشير المتر أو سنتمتر) أمام العمود الجداري أمّا عن المسافة بين هذه الأعمدة الجداريّة فتبلغ وسطيّاً ١١ قدم و ٣ بوصات (حوالي ثلاثة أمتار ونصف). 

بقايا كتابات سلوقيّة وسلجوقيّة في جامع دمشق الكبير





Seleucid Damascus: The City Temple

The southwest corner of the Mosque of Damascus, the earliest work found

The following text is an excerpt from Phené Spiers'  magnum opus "Architecture East and West" pp 223-225:

The earliest building on the site is the porticus, which now forms the western enclosure wall of the mosque and its precincts, 314 feet long, with returns 34 feet deep on the north and south sides. With the exception of a break (1) of about 35 feet in the centre of west wall, filled with the triple archway built by the Khalif al Walid, it still remains more or less intact, except that the architrave and cornice only are preserved under the superstructure of the south-west minaret. Beyond the fact that it is pre-Roman, and belongs to that type of Syro-Greek work which is found throughout Palestine, it is impossible to fix a date for it, and we have assumed that it may have been erected by Antiochus Cyzicenus (2), because he seems to have been the first of the Seleucidae to make Damascus his capital, and is likely, therefore, to have carried out these important works there, especially as his brother Grypus was exerting himself to make his capital Antioch a rival town. The wall surface of this porticus is decorated or broken up with pilasters, 34 feet 10 inches high, 5 feet to 5 feet 6 inches wide, projecting from 7 inches to 9 inches, and carried on a plain plinth which projects 6 inches in front of pilaster, the inter-spaces averaging 11 feet 3 inches.

1. A reference to the west entrance of the Omayyad Mosque known as Bab al-Barid. 

2. Antiochus IX (reign 116-96 BC). 


Phené Spiers. Architecture East and West 1905.

Sunday, September 8, 2019

قبّة النسر


بالأحرى قباب النسر. 

لا خلاف حاليّاً أنّ المجاز المعترض في الجامع الأموي يعود لعهد الوليد بن عبد الملك وكما هو معروف تعلوه حتّى اليوم  قبّة النسر المحمولة على رقبة مصلّعة (لاحقة كما سنرى) تخترقها نوافذ. يرتأي المهندسان العالمان Archibald Campbell Dickie و Phené Spiers أنّ بناء هذه القبّة لم يكن في نيّة الخليفة في البداية وأنّ ما حمله على تنفيذها كان اجتهاد عمّال الفسيفساء البيزنطييّن المستوردين إذا ترابطت الفسيفساء في ذهنهم وأعرافهم بالقباب. إذاً حسب هذه الفرضيّة بني المجاز المعترض أوّلاً ثمّ تمّ سدّ نوافذه العلويّة clerestory لدى رفع الأقواس الحاملة للقبّة.

مقطع في المجاز المعترض وقبّة النسر من الغرب إلى الشرق


يفصّل Spiers في تاريخ قبّة النسر فيستنتج بناء على استقراء المصادر الأصليّة وجود أربع قباب مختلفة كما يلي:

١. القبّة الأولى أو قبّة الوليد:
انهارت القبّة الأصليّة بعد إنشائها في مطلع القرن الثامن بقليل وأعاد الخليفة بنائها. على الأغلب كانت حجريّة وذكرها المقدسي (٩٨٥ للميلاد) الذي ترك لنا أوّل وصف شامل للجامع الأموي. دمّرت هذه القبّة في حريق ١٠٦٩ أواخر العهد الفاطمي.  

٢. القبّة الثانية:
بنيت بين الأعوام ١٠٦٩-١٠٨٢ بدلالة كتابة بالخطّ الكوفي على إحدى دعائم المجاز المعترض تذكر اسم من موّل بناء المقصورة (القسم الجنوبي للمجاز) وزينة الجدران. ندين للرحّالة ابن جبير الأندلسي (زار دمشق عام ١١٨٤ للميلاد) بوصف هذه القبّة وتجدر الإشارة هنا إلى دقّة هذا الوصف المتناهية والمرجعيّة إلى درجة أنّ تجاوزها استلزم الانتظار حتّى القرن التاسع عشر وعهد المستشرقين والأكاديمييّن والتصوير الضوئي. ذكر ابن جبير ثلاث قباب مركزيّة في المجاز المعترض من الشمال إلى الجنوب. القبّتان الصغيرتان الشماليّة والجنوبيّة خشبيّتان والقبّة المركزيّة (أي قبّة النسر بيت القصيد)  مزدوجة تتكوّن من قبّة داخليّة خشبيّة وقبّة خارجيّة رصاصيّة تغلّفها وبينهما فضاء سبره الرحّالة المغامر الذي يعلمنا علاوة على ما سبق عن وجود رقبة تحمل القبّة المزدوجة المذكورة وهذه الرقبة على الأغلب لم تكن موجودة في قبّة الوليد المبنيّة على نماذج بيزنطيّة بينما الرقبة بدعة تعود للقرن التاسع للميلاد.    


٣. القبّة الثالثة:
تعود للفترة اللاحقة لاستباحة تيمورلنك لمدينة دمشق ١٤٠٠-١٤٠١ (تحوّل سقف الحرم بعد هذه الكارثة من مسطّح كما وصفه ابن جبير إلى جملوني ولربّما كان ما قصده الرحّالة بالمسطّح جملوني منخفض). اختفت قباب ابن جبير الثلاث بما فيها القبّة المركزيّة المزدوجة وحلّ محلّها بنية حجريّة تتشكّل من قبّة مفردة محمولة على رقبة. لدينا عدد لا بأس به من الصور العائدة للقرن التاسع عشر والتي تغني عن وصف مفصّل لهذه القبّة.

٤. القبّة الرابعة والأخيرة:
بنيت بعد حريق ١٨٩٣ ولا تزال قائمة حتّى اليوم.


مقطع يبدي مئذنة العروس وتفاصيل المجاز المعترض





Saturday, September 7, 2019

عمارة جامع يني أميّة الكبير عبر التاريخ


ندين لكتاب خمس سنوات في دمشق (الطبعة الأولى عام ١٨٥٥) ومؤلّفها المبشّر الإيرلندي Josias Leslie Porter  بأوّل خرائط الجامع الأموي الجديّة (انظر أدناه) ولم تضف خريطة  phené Spiers أعلاه التي أتت بعدها بنصف قرن شيئاً يذكر من ناحية تحديد المعالم داخل أو خارج الحرم بل على العكس يمكن اعتبارها من هذه الناحية تقليد ناقص لمخطّط Porter إذ لا نعاين عليها المدرسة السميساطيّة ولا سوق العبيد (خان الحرمين أو خان الجوار). ماذا والحال كذلك كانت إضافة أو إسهام Spiers؟!



الجواب هو محاولة هذا الأخير تحديد عمر المكوّنات المختلفة للجامع وخصوصاً جدرانه التي صمدت لكثير من غوائل الدهر على مدى القرون ومع الأسف غياب الألوان في خريطته لا يساعد على التمييز بين الفترات وفي كلّ الأحوال بوّب الفنّان والمهندس مشاهداته واستنتاجاته كما يلي:

- الأعمال الوثنيّة: أقدم مكوّنات الحرم هي جداره الغربي الذي سبق العهد الروماني بينما ينتمي إلى هذا الأخير بوّابات propylaea المعبد الخارجي peribolos في الشرق والغرب وبوّابة الحرم الداخلي temenos الجنوبيّة.  

- الأعمال المسيحيّة (البيزنطيّة): البنية التحتيّة للمآذن الجنوبيّة (استشهاداً بابن الفقيه (مؤرّخ وجغرافي إيراني من القرن العاشر الميلادي وصاحب "مختصر كتاب البلدان") وعلى الأقلّ بعض الأروقة المعمّدة خارج الحرم.

- أعمال الوليد: المجاز المعترض (الذي اعتلته لاحقاً قبّة النسر) ومئذنة العروس والرواق الشمالي وحرم الصلاة (يختلف هذا الأخير عن العمائر الكنسيّة بتساوي عرض الممرّات الثلاث aisles بينما يكون الممرّ المركزي أعرض في دور العبادة المسيحيّة ويطلق عليه اسم nave).  

- أعمال لاحقة: المآذن الجنوبيّة وضريح النبي يحيى (القدّيس يوحنّا المعمدان)  وعديد من الأوابد على محيط الجامع كضريح صلاح الدين والمدرسة الظاهريّة وهلمّجرّا. 

الجامع بشكله الحالي محصّلة لعديد من الكوارث والترميمات التي تلتها ولئن حافظ على توزيعه وهيئته العامّة فقد درس الكثير من تفاصيله القديمة ليحلّ محلّها بدائل تطابق أو تخالف الأصل إلى درجات متفاوتة وقصّة تطوّره كتبت وأعيدت كتابتها عدّة مرّات على مدى العصور إلى أن أتى عهد التصوير الضوئي والتوثيق العلمي.