18 Juin 1926.
18 Juin 1926.
الإثنين التاسع عشر من تشرين أوّل أكتوبر عام ١٩٢٥.
الحريق يتأجّج في حيّ الشاغور ويمتّد باضطراد مع دويّ كلّ انفجار جديد. الاستعار على أشدِّهِ في موقِعٍ مجاورٍ لم نستطع تحديدَهُ تماماً كوننا سجناءٌ في حيّنا (١) عاجزينَ عن معرفة ما يجري في المدينة في الوقت الراهن ولم نجدُ أحداً بإمكانِهِ أن يشرح لنا. علّ اللهب يتصاعد من بيت العظم؟ (٢) بدلالة ألسنةِ نارٍ بلون الدماء على مئذنة الجامع الكبير الجنوبيّة الشرقيّة (٣). لربّما كان المُسْتَهْدَف الجنرال Sarrail الذي يقطن فيه حاليّاً (٤). حاوَلْتُ أن أخرجَ في جولةٍ محدودة بهدف الاستطلاع مَرَرتُ خلالهها أمام بطركيّة الروم الأورثوذوكس التي بَدَت بمثابة ملاذٍ مُحْكَم الإغلاق ومنيعٍ على المهاجِمين. تجلّت النظافةُ والنضارة في بلاط البناء الذي عرَّشَت فوقَهُ الكروم حيث تجمّعت حشودٌ من اللاجئين من الفلّاحين المسيحييّن وحتّى المسلمين ممّن احترقَت قراهم تحت حماية غريغوريوس الرابع، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، العالِم باللغة والثقافة العربيّة والحائز على احترام جميع مثقّفيّ البلاد. سَهِرَ المذكور على تأمين الملجأ والغذاء للمنكوبين من الرجال الحمر العيون المعتمرين بالحطاطة والعقال الجالسين في الباحة إلى جانب بقجهم (صرر ملابسهم وأمتعتهم) الهزيلة التي رَبَطوها وحَزَموها على عجل بينما تجمّعت النساء من حوران في باحةٍ ثانية حيث تراهنّ يجلسن القرفصاء قربَ أطفالِهِنّ. تميّزت هاته الفلّاحات بوشمهنّ الأزرق وثيابهنَّ السوداء المزيّنة بأشرطة لازورديّة اللون. يخالُ المرءُ أنّه أمامَ مشهدٍ من القرون الوسطى (٥) في حمى جدران الدير المنيعة على الانتهاك أو ضمن أسوار مدينةٍ محصّنة يلعب الأسقف فيها دور المدافع عن الضعفاء والمعوزين.
(١) باب توما.
(٢) قصر العظم.
(٣) مئذنة عيسى.
(٤) مقرّ المندوب السامي في بيروت ولكنّه كان ينزل في قصر العظم لدى مجيئه إلى دمشق.
(٥) في أوروپّا طبعاً.
19 octobre 1925.
السادس عشر من حزيران يونيو ١٩٢٦.
ليلةٌ في منتهى الهدوء استأنفنا بعدها الزحف باتّجاه الحدود السوريّة - الشرق الأردنيّة منذ الفجر. تميّز الصباح بالبرد ثمّ ارتفعت الحرارة إلى أن رزحنا تحت وطأتها اعتباراً من الساعة العاشرة. مرّت هذه المرحلة دون حَدَثٍ يذكر ولم نصادف إنساناً في حقول القمح والشعير المنبسطة على مدى البصر. وصل الرتل بالنتيجة إلى العانات وهي آخر نقطة مياه قبل صحراء شرق الأردنّ. خَفَقَت الأعلام البيضاء فوق البيوت أمّا عن السكّان فلم يبق منهم في القريةِ إلّا ثلاثة من المسنّين.
أتى أربعة عشر من أرباب العائلات إلينا بعد الظهر، نيابةً عن أهالي العانات، بغرض الاستسلام بيد أنّهم لم يجلبوا معهم أسلحتهم. شَرَحنا لهم وجوب تسليم بنادقهم إذ أرادوا لنا أن نقبل بادرَتَهم. أكّد القرويّون لنا حسنَ نيّتهم وأنّهم يرومون السلام ويتبرّأون من شيخهم سلامي الأطرش، الذي أعطى ولائه لسلطان. أضافوا أنّ بنادقهم حاليّاً في مغارة خارج الحدود وأنّهم سيذهبون ويأتون بها إلى صلخد خلال بضعة أيّام. تمّ الاتّفاق أن نحتفظ بثلاثةٍ منهم رهائناً ريثما تصبح كامل أسلحتهم في حوزتنا.
الحدود بين سوريّا وشرق الأردن نظريّة وتقع على بعد أربعة كيلومترات إلى الجنوب من العانات. لم يكن بإمكان رتلنا التقدّم في هذا الاتّجاه أكثر من ذلك وهكذا عاد إلى امتان في السابع عشر من حزيران ومنها إلى ملح - قريةٌ كبيرةٌ في المقرن الجنوبي - في اليوم الذي يليه.
الصورة الملحقة عن الصديق العزيز الأستاذ وضّاح الحجلي الذي لفت نظري مشكوراً أنّ سانا (الوكالة العربيّة السوريّة للأنباء) نشرت صوَرَهُ دون الإشارة للمصدر. لئن كان هذا مستهجناً من مستعمليّ وسائل الاتّصال الاجتماعي فهو أكثر استهجاناً عندما تفعلُهُ مؤسّسةٌ رسميّة.
16 juin 1926.
١٤ حزيران ١٩٢٦.
امتان تجمّع سكّاني كبير يقارب عددُهُ الأربعة آلاف تحت الظروف الطبيعيّة. الماءُ وفيرٌ في القرية وبيوتُها - على ما يبدو - مريحةٌ تمتدّ حقول القمح والشعير حولها في كلّ الاتّجاهات. الإقليمُ غنيٌّ يورّدُ القمحَ لسكّان الجبل وقبائل البدو في الصحراء.
اليوم لا شيء يتحرّك في القرية وليس في بيوتها إنسان ولا في حظائرها حيوان. شوارعها خَلَت حتّى من الكلاب أمّا الناس فقد لاذوا بأذيال الفرار إلى ما وراء الحدود (١).
صديق الطيّارين الفرنسييّن
شيخُ القريةِ، علي بك الأطرش، يتيم يبلغ من العمر ثلاثة عشر ربيعاً وهو بالتالي أصغر من أن يدير بنفسِهِ ثروته التي لا يُستهانُ بها. يعيش هذا اليافعُ تحتَ وصايةِ عمِّهِ سلامي وهذا الأخير مؤيّدٌ متحمّسٌ للثورة ومعجبٌ بسلطان الأطرش إلى أبعد الحدود. ضَرَبَت الأسرة مخيّمها على الأراضي الشرق أردنيّة حيث عاملتها السلطات المحليّة بكثير من الاعتبار.
أنقَذَ علي بك، عندما كان التمرّدُ لا يزال في بدايتهِ، إثنين من طيّارينا هبطا اضطراريّاً بالقرب من قريته بسبب عطل في المحرّك عندما تجمّع الناس حولَهما وأوشكوا على مهاجمتهما. أخذ علي بك الطيّارَين تحتَ حمايته في بيته حيث يستطيعان، بفضل أعراف الضيافة الدرزيّة، المكوث في مأمن من الخطر كائناً ما كان.
لم يقتصر فضل علي بك على مقاومة تعصّب القروييّن بل بلغ الأمر فيه تحدّي أوامر سلطان الأطرش الذي طالَبَ ابنَ عمِّهِ عدّة مرّات أن يسلّمه الطيّارَين وعاد مبعوثوه في كلّ مرّة بخفّي حنين. عُومِلَ الطيّاران - رتبة صفّ ضبّاط - بالحسنى وسهر علي بك على أمنهم وأودعهم في غيابه رعاية أخواته اللواتي حرصنَ ألّا يدخلُ إنسان إلى غرفتهما. جرى تبادل الطيّاريَن بعد شهرين لقاء بعض المتمرّدين الدروز ممّن أسَرَتهم قوّاتُنا.
لم تقصف طائراتنا قرية امتان أبداً، اعترافاً بجميل علي بك وتأثّراً بحسن ضيافته. يعسكر رتلُنا اليوم في القرية وأُعْطيت الأوامر للجنود باحترام البيوت رغم كونها مهجورةً.
لم يتورّع المتمرّدون من ناحيتهم عن نهب القرية وتخريبها وذبح كلاب ودجاج علي بك وسرقة محتويات دارِهِ إلى أن أجبرتهم قوّاتنا الرديفة على الهروب. في هذا دليلٌ أنّ سلطان لم يغفر للشيخ الشابّ أبداً دماثَتَهُ في التعامل مع الطيّاريَن الفرنسيّيَن.
دفَعَنا سلوك الثوّار هذا إلى تحرير رسالةٍ إلى علي بك نعلِمَهُ فيها أنّنا لسنا من عاثَ فساداً في دارِهِ وأنّ المسؤولين عن ذلك هم المتمرّدين من الدروز. قمنا أيضاً بطمأنة الشيخ أنّ الفرنسييّنَ أصدقاءٌ له اليوم وعلى الدوام عرفاناً بما فعَلَه لإثنين منهم.
(١) إمارة شرق الأردنّ.
14 juin 1926.