Tuesday, April 17, 2018

تحصينات قلعة دمشق




يعودُ الفضلُ في أوّلِ دراسةٍ جديّة لقلعةِ دمشق إلى الألمانييّن Wulzinger و Watzinger وكتاب "دمشق المدينة الإسلاميّة" الصادر عام ١٩٢٤. الدراسةُ الثانية فرنسيّة للمستشرق Jean Sauvaget في مقالينِ (هنا و هنا) في مجلّةِ Syria عام ١٩٣٠، وشائت الأقدار أن تأتي الدراسةُ الثالثة، موضوعُ اليوم، بالإنجليزيّة عام ١٩٥١، في العدد الرابع والتسعين من مجلّة Archaeologia (١)بقلم David Cathcart King، أخصّائي في القلاع التاريخيّة وخبير مدفعيّة. كافّةُ هذه المصادر متوافرةٌ للقراءة والتحميل بالمجّان لمن يهمّه الأمر. 

____________

تجاوز طولُ دراسة King الأربعين صفحة من القطع الكبير، ممّا يعادل بسهولة أربعة أو خمسة أضعاف هذا العدد من صفحاتِ كتبِنا العربيّة. يحتوي المقال على العديد من الرسوم الفنيّة والمخطّطات، مع بضعةِ صورٍ تاريخيّة جيّدة النوعيّة، وخريطة مطويّة كبيرة للقلعة، وجدولٍ شديد الأهميّة للنقوش الكتابيّة التاريخيّة اعتمد المؤلِّفُ فيهِ بالدرجة الأولى على Sobernheim


يقتصرُ هذا المقال، على طولِهِ، على تحصينات القلعة، أي أسوارها وبوّاباتها وأبراجها، دون التعرّض لبنيتها الداخليّة إلّا إذا دعت الضرورة وضمن أضيق الحدود. إضافةً إلى وصف تحصينات القلعة الأيّوبيّة، يتعرّضُ المقالُ إلى آثارِ القلعةِ السلجوقيّةِ الأقدم والأصغر مساحةً، مع وصفٍ لأعمال الترميم اللاحقة في العهود المملوكيّة والعثمانيّة رافقَتهُ لمحةٌ تاريخيّةٌ وجيزة. 

____________

حافظت القلعةُ على أهميّتِها العسكريّة حتّى القرن الثامن عشر، وتدهور وضعُها لاحقاً ليس فقط نتيجةً للإهمال، وإنّما أيضاً لتحويلِها إلى استعمالاتٍ ثانية (۲) وتشويهِ بنيتِها الأصليّةِ بإضافاتٍ إسمنتيّة، وإحاطتِها بمبانٍ وأسواقٍ غطّتها أو كادت (٣) إلى درجة أنّ المارّ بجوارها يكاد لا يدرك وجودَها، خاصّة وأنّها (٤) تقعُ على مستوى المدينة. ظلّ هذا الوضع سائداً حتّى أواخر القرن العشرين، وصعّبَ مهمّةَ الباحثين إذ تعذّرَ عليهم، لفتراتٍ طويلةٍ، زيارةُ الكثيرِ من مكوّناتِها التي أُغْلِقَت في وجهِ الزوّار والأكاديمييّن على حدٍّ سواء. 

لم تثبّط هذه العقبات الكأداء عزيمةَ المؤلّف الذي أجرى دراسةً منهجيّة لا تزالُ مرجعاً أساسيّاً للطلّاب والمعلّمين حتّى اليوم. قامَ King بجولةٍ حول القلعة من الغرب ثمّ الجنوب عكس عقارب الساعة، واصفاً كلّ ما صادَفَهُ في طريقِهِ من النواحي البنيويّة، محلّلاً عناصِرَهُ حسب عمرِها كما قدّره وكما أشارت إليه النقوش الكتابيّة والنصوص إن وجدت (٥)، مع معاينةِ وضعِها الحالي. عدد أبراج القلعة ١٢ كما يتجلّى من المخطّط الملحق، وإن كان هناك ما يدعو للاعتقاد بوجودِ برجٍ ثالث عشر في منتصف الجدار الغربي قديماً. تتفاوت حالةُ هذه الأبراج والبدنات (٦) إلى درجةٍ كبيرة، وحالة التحصينات الشرقيّة والجنوبيّة عموماً أفضل بكثير من الشماليّة والغربيّة، على اعتبار أنّ هذه الأخيرة معرّضةٌ للهجوم من خارج أسوار المدينة (٧). كانت التكنولوجيا في عهد المغول بدائيّةً نسبيّاً، بينما سبّبَ المملوكي محمّد بك أبو الذهب عام ١٧٧١ أضراراً جسيمةً بأسوارِ القلعةِ الشماليّة الغربيّة بواسطة مدفعيّته في زمن لم يعد فيه بردى، وفرعُهُ بانياس - العقرباني، قادرَيْن على توفيرِ حمايةٍ كافية من هذه الجهة. 


____________

١.صدر العدد الأوّل من مجلّة Archaelogia عام ۱۷۷۰، وتوقّفت عن الصدور عام ۱۹۹۱. 
۲. استُخْدِمَت القلعة مقرّاً للدرك وسجناً حتّى ثمانينات القرن العشرين. 
٣. أسواق العصرونيّة في الشرق والحميديّة في الجنوب والخجا في الغرب. 
٤. على العكس من قلعة حلب مثلاً. 
٥. سلجوقيّة كانت أم أيّوبيّة أم مملوكيّة أم عثمانيّة. 
٦. البدنة Curtain wall هي السور أو الجدار الواصل بين برجين. 
٧. مع ذلك استطاع المغول قصفَ القلعةِ بالمجانق التي نصبوها شرقاً في صحن الجامع الأموي، كما فعل غازان عام ١٣٠٠ وتيمورلنك بعده بمائة سنة. أحدث هذا الأخير أيضاً فجوةً في البرج الشمالي. 

No comments:

Post a Comment