Tuesday, March 21, 2017

إليسييف، المنجّد، وابن عساكر



يعود الفضل لابن عساكر الدمشقي، الإمام العالم الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي، (١١٠٥ ـ ١١٧٦ للميلاد) في  تأليف أوّل دليل طبوغرافي معروف لمدينة دمشق، ولا يزال كتابُهُ أساسَ كلّ الدراسات الطبوغرافيّة لها ولمعالمِها كما كانت في القرون الوسطى؛ استقى منه ابن شدّاد بعد مائة عام، والنعيمي (وفيّات ١٥٢١) في مطلع القرن السادس عشر. 

"تاريخ مدينة دمشق" الكامل لابن عساكر عملٌ هائل توزّع على ثمانين مجلّداً استغرق تحقيقُها عشرات السنوات، وهي اليوم متوافرة ورقيّاً وإلكترونيّاً (التحميل مجّاني). هذه الموسوعة، بالدرجة الأولى، تراجم biographies، وموضوع البحث هنا لا يتجاوز الجزء الثاني المتعلّق بمدينة دمشق تحديداً، كما حققّه صلاح الدين المنجّد، ونشره المجمع العلمي العربي للمرّة الأولى عام ١٩٥٤.  

شهد عام ١٩٥٩ نشر ترجمة "الخطط"، أي الجزء الثاني من "التاريخ"، إلى الفرنسيّة على يد المستشرق الألمعي  Nikita Elisséeff  (١٩١٥ ـ ١٩٩٧)،  مِن قِبَل المعهد الفرنسي في دمشق Institut Français de Damas. يقتضي العدلُ التنويهَ أنّ إسهام إليسييف تجاوز بكثير نقل هذه العمل الذي لا يقدّر بثمن بأمانةٍ ومهنيّة، ليغنيهِ بالشرح والإيضاح والحواشي والتعليقات التي تعرّضت لأدقّ التفاصيل. ليس من السهل اليوم الحصول على نسخةٍ من الطبعة الأصليّة، ولحسن الحظّ أُعيدَ طبعُ الكتاب عام ٢٠٠٨، بمناسبة اختيار دمشق عاصمةً للثقافةِ العربيّة. 

يمكن اختزال نهج ابن عساكر بكلمتين: "التعداد والإسناد". توخّى الحافظ غايةَ الحرص في ذكرِ مصادِرِهِ التي فُقِدَت بالكامل تقريباً؛ يعود أقدمُ هذه المصادر - المقصود هنا الطبوغرافيّة منها خصوصاً - إلى القرن التاسع الميلادي. التوكيد على هذه النقطة شديد الأهميّة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ ابن عساكر تعرّضَ لأحداثٍ أقدم من ذلك بكثير، وعلى سبيل المثال بناء الجامع الأموي في مطلع القرن الثامن. للتوضيح تاريخ ابن عساكر أقرب ما يكون إلى ترديد ما سمعه شفهيّاً عن محدّثين، وليس مؤرّخين، سمعوا بدورهم من محدّثين قبلهم، على طريقة صحيح البخاري ومسلم وغيرها من "الصحاح". تجدر الإشارة هنا أنّ الإسناد، بمقاييس القرون الوسطى، لا يقلّ أهميّةً إطلاقاً عن المَتْن (النصّ) وأحياناً يفوقَهُ أهميّةً. بعبارةٍ ثانية، كلّما دقّق الكاتب وأسهب في الإسناد، كلما زاد رصيدُهُ كضليعٍ ومتبحّر في علوم ذاك الوقت. 

هذا عن الإسناد فماذا عن التعداد؟

هنا لا نملكُ إلّا أن ننحني احتراماً للجهود التي بذلها المؤلّف، بوسائلٍ بدائيّة، في توثيقِ معالم مدينَتِهِ ميدانيّاً على أشملِ وجهٍ ممكن: من دور العبادة، ومنازل عليّة القوم، وأقنية، وحمّامات، وأبواب، ومقابر، بدايةً بالمعالم الواقعة ضمن سور المدينة، ونهايةً بأرباضِها والقرى المحيطة بها. تمثّل أسلوب ابن عساكر في اتّباع اتّجاه معيّن (في حال الجوامع مثلاً انطلاقاً من الغرب وباب الجابية)، وتغطيتِهِ بالكامل، قبل أن ينتقل إلى التالي. بإمكاننا إذاً أن نرافِقَهُ، إذا جاز التعبير، ولو بالخيال، في مسارِهِ حول المدينة للتعرّف على حاراتِها وأزقّتِها والمعالم المطلّة على دروبِها. 

هاك على سبيل المثال أسلوب الكاتب في توثيق جوامع دمشق: لا توجد، من الناحية العمليّة، معلوماتٌ تذكر عن أي معبد أو مبنى (باستثناء الأموي)، ولا يتجاوز ما كتّبَه ابن عساكر عن أي جامع عادةً أسطراً معدودة (٢ ـ ٣) تذكر اسم المسجد، والحارة التي تواجد فيها، والمبنى أو المباني المهمّة والأسواق المجاورة، وما إذا كان له وقف وإمام ومؤذّن وإذا كان فيه سبيل للمياه (سقاية)، أو كان على مستوى الأرض (سفل).  

من نافل القول أن الغالبيّة العظمى من هذه المعالم اندثرت إلى غيرِ عودة أو تغيّرت جذريّاً، وأنّ أسماءَ العديدِ من الدروبِ والحارات والأسواق والقرى تختلف اليوم، اللهمّ إن كانت لا تزالُ موجودةّ، عمّا كانت عليه قبل ثمانية قرون. مع هذا تمكّن صلاح الدين المنجّد، استناداً إلى وصف ابن عساكر، من تصميم خريطة طبوغرافيّة مبسّطة للمدينة، استند عليها إلسييف بدورِهِ ليضع، مستعيناً بدراسات الألمانييّن Wulzinger و Watzinger، خريطةّ طبوغرافيّةً عالية الدقّة لدمشق كما كانت في القرن الثاني عشر للميلاد، وتحديداً في عهد الأتابك نور الدين زنكي. في زعمي أنّ هذه الخريطة أهمّ إضافات إليسييف إلى تحقيق المنجّد على الإطلاق. 

أرفقُ مع هذه الأسطر صورة غِلافيّ الطبعتين الأولى والثانية لترجمة إليسييف. 

Saturday, March 18, 2017

جان سوڤاجيه وقلعة دمشق



المؤلَّفات عن قلعة دمشق قليلةٌ، رغم أنّها أحد أهمّ المعالم الأثريّة داخل سور المدينة وأكبر هذه المعالم على الإطلاق، بمساحة ٣٣٠٠٠ متر مربّع (١٥٠ في ٢٢٠). للمقارنة مساحة جامع بني أميّة الكبير (١) أقلّ من النصف (١٥١٣٢ متر مربّع أي جداء ٩٧ في ١٥٦).

لدينا عددٌ من المقالات عن القلعة، علاوةً عن فصولٍ تعالجها ببعض التفصيل متناثرة هنا وهناك في كتب التاريخ والعمارة، بيد أنّ الكُتُب المكرّسة لها أقلّ بكثير من الموجود عن الجامع الأموي، أهمّ أوابد دمشق من أكثر من ناحية وبلا منازع. لا مبالغة بالقول أنّ القلعة ثاني أهمّ معالم دمشق وأنّها تستحقّ المزيد من الدراسات. أتعرّض في الأسطر التالية إلى مساهمة مبكّرة للمستشرق الفرنسي Jean Sauvaget (١٩٠١ - ١٩٥٠) في مقالين نَشَرَتهما مجلّة Syria عام ١٩٣٠ (الرابطان أدناه).

عدد صفحات المقالين الإجمالي ٧٤، يتخلّلُها العديد من الصور الضوئيّة بالأبيض والأسود، الملتقطة في عشرينات القرن الماضي. يحسنُ هنا التنويه بكثرة العقبات التي واجهت العالم الفرنسي، منها تقنيّة الإنارة السيّئة، واستعمال أقسام من المبنى كسجن، وصعوبة دراسة الجدار الغربي الذي حجَبَهُ سوق الخجا القديم (٢).

استطاع Sauvaget، مع ذلك، أن يرسِمَ صورةً معقولةً لهذا الكنز الوطني. أكتفي، في الأسطر التالية، ببعض رؤوس الأقلام بهدف التعريف ليس غير:

تحتلّ القلعةُ الزاويةَ الشماليّةَ الغربيّة من دمشق داخل السور، وتأخُذُ شكلَ مستطيلٍ على وجه التقريب، باستثناء زاويتِها الشماليّة الغربيّة التي تتبع مجرى فرع نهر بردى (بانياس - العقرباني). اعتقد المؤلّف، دون دليلٍ مادّي، أنّ حصناً رومانيّاً castrum، شَغَلَ هذا المكان أو كاد (٣)، وأضاف أنّ قلعةً سلجوقيّةً شغلت نفس الموقع وأنّ صلاح الدين مات ودُفن بها قبل أن يُنْقَل رفاتُهُ إلى الضريح المعروف شمال الجامع الأموي. تعود القلعةُ الحاليّة إلى مطلع القرن الثالث عشر الميلادي وعهد الملك العادل، شقيق صلاح الدين.

احتفظت قلعة دمشق بمنشئاتِها الأيوبيّة بحالةٍ جيّدة، خلافاً لقلعة حلب التي لم يبق فيها من العهد الأيّوبي إلّا مدخلها وجامعها، بينما يعود سورها إلى العهد العثماني. حالة قلعة حمص أسوأ، أما قلعة حماة فقد اندثرت أو كادت. خضعت قلعة دمشق بالطبع للترميم أكثر من مرة خلال تاريخها الطويل خاصّةً في أعقاب حملات المغول والتتار. أُجْرِيَت معظم هذه الترميمات في العهد المملوكي، وإن لم تعدّل أو تغيّر الإطار الأيّوبي. لدينا أدلّة على ترميماتٍ هامّةٍ في العهود التالية: الظاهر بيبرس، المنصور قلاوون، محمّد ابن قلاوون، نوروز الحافظي (مطلع القرن الخامس عشر)، وقانصوه الغوري. الترميمات في العهد العثماني لا تستحقّ الذكر وعلّ ذلك عائد لفقدان القلعة أهميّتها العسكريّة في العصور الحديثة.

_______________________________________________________________


الوصف باختصار شديد:

عدد أبراج القلعة ١٢. البرج الذي يتوسّط السور الشمالي (مدخل القلعة من خارج المدينة) في حالةٍ سيّئة. بُنْيَ المدخل، البالغ الأهميّة من الناحية الدفاعيّة، متعرّجاً. يحتوي هذا البرج (المدخل) على باب الحديد، والضريح المفترض أو بالأحرى مقام ومسجِد أبي الدرداء. يرى Sauvaget أنّ الطارمة rotonde (نوع من المقصورة) توّجت هذا البرج، ومنها أشْرَفَ السلطان أو النائب على العروض العسكريّة تحت سور المدينة، في موقع سوق الخيل. اعتقد البعضُ أنّ الطارمة كانت في البرج الشمالي الغربي.

أطلّ باب القلعة الشرقي (ولا يزال) على سوق العصرونيّة داخل سور المدينة. هذا الباب (خلافاً للباب الشمالي المتقشّف) غني بالنحت والمقرنصات الجميلة. يمكن هنا الإشارة إلى باب ثالث سُمّيَ باب السرّ، يعتقد أنّه كان في سور القلعة الغربي (٤) وأنّ المماليك استعملوه لمغادرة القلعة والدخول إليها بعيداً عن الأنظار.

ارتأى Sauvaget أنّ قصر السلاطين الأيوبييّن احتلّ الزاوية الجنوبيّة الغربيّة للقلعة.

لا مجال في هذه العُجالة للدخول بالتفاصيل التقنيّة والمعماريّة لأسوار وأبراج القلعة، بَلْهَ نقوشِها الكتابيّة الكثيرة، وإن وجبت الإشارة أنّ الوظيفة الدقيقة التي توخّاها البُناة لكل برج وكل ممرّ وكل بهو لا تزال إلى اليوم بعيدةً عن الوضوح، ناهيك عن زمن الانتداب الفرنسي وSauvaget.

__________________________________________________________________


(١) يوافق الجامع الأموي على وجه التقريب القسم الداخلي من حرم هيكل المشتري الهائل الاتّساع (حصرت أسوارُهُ الخارجيّة ١١٧٠٠٠ متر مربّع)، بدلالة بقاياه شرق وغرب الجامع.
(٢) هُدم سوق الخجا في ثمانينات القرن العشرين بهدف كشف جدار القلعة الغربي وشقّ شارع الثورة.
(٣) استند Sauvaget هنا في افتراضَهُ بتواجد حصن روماني يعود إلى عهد Dioclétien على Wulzinger و Watzinger، إلى أن غيّرَ رأيه في مقالٍ نشَرَهُ عام ١٩٤٩ (صفحة ٣٣٣). 
(٤) أطلّ بال السرّ الغربي هذا على السنجقدار وعلى الأرجح تواجد باب سرّ آخر في الجنوب أدّى إلى دار السعادة (مقرّ النائب أو الوالي). 



Jean Sauvaget. La citadelle de Damas (premier article). Syria T. 11, Fasc. 1 (1930), pp. 59-90. Jean Sauvaget. La citadelle de Damas (deuxième article). Syria T. 11, Fasc. 3 (1930), pp. 2I6-24I.

Saturday, February 18, 2017

تاريخ سوريّا من الأزمنة القديمة إلى ١٩٢٣



كتابٌ صدر بالفرنسيّة عام ١٩٢٤ عن "المكتبة الدولية للدراسات الاجتماعية" للأديب التركي اليهودي سليم ناسي. 

الكتاب من القياس الصغير (١٤ في ٢٢ من عشيرات المتر)، موزّعٌ على ١٧٠ صفحة، أضف إليها ٤٢ لوحة متواضعة الدقّة والتقنيّة خارج النص، وخريطة لسوريّا تشمل لبنان ولواء اسكندرون. الكتاب مؤلَّفٌ من ١٥ فصل، أوّلها يقدّم بشكل مبتسر سوريا ما قبل التاريخ، وآخِرُها يتناول البلاد في فجر الانتداب الفرنسي. يتلو كل فصل ملخّص لأهمّ النقاط فيه، وعلى ما يبدوالكتاب مدرسي، أو حسب المؤلِّف "مطابق للبرامج الرسميّة"، ولكنّه لا يتطرّق للتفاصيل وبالتالي يتعذّر تحديد مكان التدريس: هل هو فرنسا أم سوريّا، أو المستوى التعليمي للطلّاب المعنييّن بهذا المُقَرّر. 

تعرّض الكتاب بالطبع إلى العهود اليونانيّة والرومانيّة والأمويّة والعباسيّة، بيد أنّهُ ركّز على الفترةِ الصليبيّة ولبنان تحت المعنييّن والشهابييّن، ثمّ القرن التاسع عشر والحرب العظمى (العالميّة الأولى) التي انهارت مع نهايتها الإمبراطوريّة العثمانيّة ودخلت فرنسا إلى ّسوريا بعد فاصل قصير (١٩١٨ ـ ١٩٢٠)، عُرِفَ لاحقاً بالعهد الفيصلي. يستنتج القارئ من خلال النصّ، دون عناء، أنّ الكاتب فرنسيّ الهوى، أو أنّه كتَبَ بتوكيلٍ خاصّ من فرنسا. تكفي هنا بعض الأمثلة:

أولاً: العهد الصليبي كان إجمالاً عهداً ميموناً لجميع الأطراف المعنيّة؛ علاوةً على استفادة الأوروپييّن ثقافيّاً وتجاريّاً من الاحتكاك مع المشرق، َشِهَد هذا الأخير نهضةً عمرانيّةً تحت الحكم اللاتيني، وترك الإفرنج حريّة العبادة ليس فقط للطوائف المسيحيّة المحليّة المارونيّة والنسطوريّة واليعاقبة وغيرها، وإنّما أيضاً للمسلمين واليهود الذين مارسوا مِهنَهُم ومعتقداتِهِم دون قيود. يزيد المؤلف فيقول أنّه حتى بيزنطة، ورغم استباحة الصليبيّين للقسطنطينيّة عام ١٢٠٤، استفادت بشكل عامّ من الغزاة الأوروپيين الذين أضعفوا الأتراك وعرقلوا لمدّة قرنين من الزمن جهودهم التي تكلّلت بالنتيجة بسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة (من الملفت للنظر أنّ ناسي كان "وطنيّاً تركيّاً" حتّى نهاية العقد الأوّل من القرن العشرين).

ثانياً: تدافع الشباب السوريّون من كل حدب وصوب عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، لتأييد فرنسا وردّدوا بكل حماس أنّ لديهم وطنين، سوريّا وفرنسا التي افتخر كثيرون منهم بالقتال تحت راياتها مما حدى هذه الأخيرة إلى تشكيل "الفيلق الشرقي" في تشرين ثاني ١٩١٦، الذي ضمّ جنوداً من "الأرمن والسورييّن والعرب"، تطوّعوا بمحض اختيارِهِم للحرب ضد تركيّا؛ أثنى الفرنسيّون بدورِهِم على "وطنيّة هؤلاء وقيمتهم العسكريّة".

ثالثاً: بعد سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة، تنازلت فرنسا، كرماً منها،  للأمير فيصل عن وادي البقاع، بيد أنّهُ حجد جميلها وأوعزَ إلى عملائه بإثارة الفتنة وتحريض الأهالي ضدّ فرنسا، وبلغت به الصفاقة حدّ إعلان نفسِهِ ملكاً على سوريّا في الثامن من آذار ١٩٢٠. عيل بالنتيجة صبر الجنرال غورو فأرسل إنذارَهُ الشهير مطالباً فيصل كعربونٍ لحسن نواياه، بالسماح بحريّة استعمال خطّ حديد حلب - رياق، ومعاقبة المسؤولين عن الاعتداءات على الجنود الفرنسييّن. كان ردّ فيصل - حسب المؤلّف طبعاً - بالرفض، وكانت ميسلون.

الكتاب متوافر للتحميل بالمجّان. 






                                                                                                                                                                                              

Tuesday, February 14, 2017

دليل الجمهوريّة السوريّة في خمسينات القرن العشرين



أملك نسختين من هذا الكتاب القيّم الصادر عن المديريّة العامّة للإعلام في دمشق، إحداهما تعود إلى العام ١٩٥٥والثانية إلى ١٩٥٧. لا أعلم متى صدرت الطبعة الأولى، ولا إذا كان الكتاب دليلاً عُدِّل ونُقِّح  سنويّاً، ولا متى صَدَرَت طبعَتُهُ الأخيرة، بغضّ النظر عن تحوّل التسميّة إلى الإقليم الشمالي للجمهوريّة العربيّة المتّحدة عام ١٩٥٨، ثمّ الجمهوريّة العربيّة السوريّة عام ١٩٦١. موضوع الحديث دليل سوريّا كما كانت، أو على الأقل كما بَدَت، في منتصف خمسينات القرن العشرين. عدد صفحاتِهِ مئتان ونّيف من القطع الصغير، قياسُها ١٨٥ في ١٣٠ من معاشير المتر، تتخلّلُها عشراتٌ من الصورالمتوسطة الجودة بالأبيض والأسود. أبدأ بتقديم المساهمين فيه:

السيد فؤاد الشايب المدير العام للإعلام. 
الدكتور عزّة النصّ أستاذ الجغرافيا في كليّة المعّلمين في الجامعة السوريّة.
الدكتور سليم عبد الحقّ المدير العام للآثار.
الدكتور جورج حداد أستاذ كرسي قسم التاريخ في كليّة الآداب في الجامعة السوريّة.
السيد شاكر مصطفى محاضر في التاريخ في كليّة المعلّمين.
السيد أنور رفعت محاضر في التاريخ.
الدكتور سامي الدهّان عضو مجمع اللغة العربيّة في دمشق. 
السيد موسى خوري محاضر في الإنجليزيّة ومترجم الكتاب (أفترض من ذلك وجود نسخة عربيّة). 
الدكتور يوسف سمارة أشرف على طباعة الكتاب.

سأضرب صفحاً عن القسم الذي يتعرّض لتاريخ سوريّا، فهو بشكلٍ أو بآخر لا يتعدّى ما يتعلّمه طلّاب المدارس من الكليشيهات المعروفة التي تخلط السموات بالأبوات، وتتبنّى مفاهيماً مطلقةّ عن الحقّ والعدالة والخير والشرّ، ولا تميّز الثورة عن العصيان، وتخلق صورةً خياليّةً عن ماضٍ مزعوم لا تشوبه شائبة، إلى أن أتى العدوان الغاشم ليسرق ثروات البلاد ويستعبد أهلَها ويستعمل سياسة "فرّق تسد"، وهلمّجرّا. لربّما كان من المجحف لوم المؤلّفين على ترديد ما سمعوه من معلّميهِم، وعلّهم لم يتمتّعوا بما يكفي من الحريّة للإفصاحِ عن آرائِهم الحقيقيّة.

المعلومات عن موارد البلاد وديمغرافيّتها أكثر إثارةً للاهتمام، وتعطي صورةً متفائلةً عن إمكانيّات ومستقبل سوريّا التي قُدِّرَ عددُ سكّانِها آنذاك بثلاثة ملايين وثلاثة أرباع المليون نسمة. من هذا المُنْطَلَق، اعتبر المؤلِّفون أنّ مواردَ البلاد كافيةٌ، إذا استُثْمِرَت كما ينبغي، لسدِّ احتياجات السكّان. قارن الكَتَبَةُ العلاقةَ بينَ هذه الموارد وعدد المواطنين بنظيرِهِ في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وتوصّلوا إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ الوضعين متشابهان!

لم يتجاوز عدد سكّان المدن وقتها ٣٠٪ من الإجمالي، أمّا أهل الأرياف فحوالي ٥٨٪، والباقي من البدو أو "أنصاف البدو". توزعّ البشر محكومٌ بطبيعة الحال بالموارد المائيّة؛ يترتّبُ على ذلك أنّ أكثر المحافظات كثافةً فيما يتعلّق بعدد المدن والقرى هي اللاذقيّة، تليها حلب. بالمقارنة احتلّت دمشق المركز السابع ودير الزور التاسع والأخير. 

تشير الأرقام التي أوردها المؤلّفون إلى توزّعٍ مشابهٍ في أعمار السكان لما هو الحال في مطلع القرن الحادي والعشرين. أكثر من نصف الأهالي كانوا تحت عمر ٢١ سنة في بلدٍ زراعي بالدرجة الأولى. بالنسبة للتوزّع حسب الأديان، قُدِّرَت نسبةُ المسلمين بحوالي ٨٥٪، والمسيحييّن نحو ١٤٪، والباقي من اليهود. لا يوجد توزيع طائفي أو مذهبي ولله الحمد، بيد أنّ المؤلّفين أوردوا الفئات اللغويّة وذكروا أن أكبر هذه الأقليّات هي الكرديّة ثم الأرمنيّة فالتركية (التركمايّة) فالشركسيّة.

تعرّض الكتاب كذلك إلى السورييّن المغتربين، فقدّر عددَهم بحوالي مائنتيّ ألف نسمة، ٦٩٪ منهم في أمريكا الجنوبيّة و٧٪ في الشماليّة، و٤٪ في الوسطى، والباقي موزّعٌ بين أوروپا (٧٪) وأفريقيا وآسيا.

أشاد المؤلّفون بالتقدّم الذي حقّقتهُ البلاد في القطاعات الزراعيّة والصناعيّة والتجاريّة، وجزموا بقدرتِها على استيعاب الزيادة المتوقّعة في عدد السكان. 

ختاماً استعرض الكتاب بعضاً من أشهر المعالم الأثريّة في إقليمٍ شديد الغنى بها. من البدهي أنّ حجمَ الكتاب وكثرةَ وتنوّعَ المواضيع التي حاول تغطيتَها، لا تسمح بأكثر من تعريفٍ سريعٍ لهذه المعالم، موجّه بالدرجة الأولى للسيّاح الأجانب.




Saturday, February 11, 2017

Gérard Degeorge



L'architecture est le meilleur bilan d'une société, révélant ses possibilités techniques, économiques et artistiques, comme l'état des esprits; elle est le témoin le plus éloquent du rapport des hommes à l'univers à un moment donné de leur histoire. Quand toute autre trace de leur activité a disparu, c'est vers les ruines de leurs édifices que l'archéologue et l'historien se tournent pour en reconstituer la trame. Ces monuments de l'esprit humain dédommagent de l'attention portée à l'histoire, cette longue suite de massacres qui n'ont cessé d'ensanglanter la terre.


D'après Gérard Degeorge. 

Saturday, February 4, 2017

The Treasures of the National Museum of Damascus


This 17 cm x 22 cm booklet is a reasonably concise introduction to the National Museum of Damascus. The copy in my possession is the second edition of an English translation by Dr. George Ḥaddād; the original work was composed in Arabic and French by Dr. Salīm ʿAbd al-Ḥaqq and published by the Directorate General of Antiquities and Museums in 1959.

The work is divided into two sections: a text of 40 pages followed by 70 photographic plates of an acceptable—though by no means outstanding—quality, mostly in black and white with quite a few in color. The samples selected span a wide variety of statues, panels, mosaics, frescoes, pottery, and much more.

I found the most interesting part to be the one relating the history of the museum. The beginnings were rather modest, and the restraints numerous: lack of expertise, limited funding, the international situation in the aftermath of the Great War… The first museum was founded in 1919 and was at the time directed, organized, and financed by the Arab Academy. It was housed in al-Madrasa al-ʿĀdilīyyā, an edifice completed at the beginning of the 13th century C.E.

Soon, it was realized that this venerable space was quite inadequate for the task in mind given the extraordinarily rich and ancient heritage of Syria. A modern and more spacious construction was therefore erected in 1936 at the southern bank of the Baradā River west of the at-Takīyyā as-Sulaymānīyyā. It was destined for the treasures and artifacts of the Classical (that is, Greco-Roman) period, whereas those antecedent to 500 B.C. were forwarded to the Aleppo Museum.

A major expansion took place starting in the 1950s with the addition of Qaṣr al-Ḥayr facade, followed by adding the Department of Oriental Antiquities in 1961 and another for Muslim Arts in 1962. Conclusion: the area of the original building had quadrupled by the time the guide was published.

The museum was subsequently divided into the following sections:

1. Department of Syro-Oriental Antiquities,
2. Department of Syrian Antiquities in the Greco-Roman and Byzantine periods.
3. Department of Arab and Muslim Arts.
4. Department of Modern and Contemporary Arts.

The lion's photo credit: James and Eleanor Moose Collection

Friday, February 3, 2017

دليل فندق سميراميس لزوّار دمشق



كتيّب عن دمشق باللغة الإنجليزيّة لمؤلّفِهِ الدكتور يوسف سمارة (*)، موجّه للسيّاح ، من منشورات فندق سميراميس زمن الوحدة. لا ريب أنّ عدداً لا بأس بهِ من النسخ بقي في حوزة الناشر بعد الانفصال، ومنه اللجوء الصبياني إلى شطب "العاصمة الثانية للجمهوريّة العربيّة المتّحدة" بخطّ اليد، لتصبح دمشق "عاصمة الجمهوريّة العربيّة السوريّة" . أبعاد الكرّاس ١٥ في ١١ من عشيرات المتر، وعددُ صفحَاتِهِ ٦٤، تزّينها ٣٦ صورة بالأبيض والأسود متواضعة النوعيّة. أضف إلى ذلك  خريطةً مطوية، لا بأس بها لزائر المدينة العابر، أبعادُها ٢٨ في ٤٠ من عشيرات المتر، عليها عددٌ من أهمّ معالم المدينة. كلّ هذا في متناول السائح لقاء ليرتين سوريّتين فضيّتين.

تعرّفُ مقدّمة الكتاب المدينة وغوطتها بشكلٍ مبتسر، ننتقلُ بعدها إلى ١٥ صفحة يختلط فيها التاريخ مع الأساطير مع البهارات التي تتخلّلها الكليشيهات المعهودة التي لا غنى عنها في الكتب المحليّة. لغة الكتاب الإنجليزيّة معقولة ومفهومة، وإن لم تخل من الأخطاء التي كان من الممكن تلافيها بالمراجعة والتدقيق. ينطبق هذا أيضاً على أسلوب صياغة الجمل.

يتناولُ مَتْنُ الكتيّب الأماكنَ الجديرة َبالزيارة في دمشق، بدايةً بالجامع الأموي، ويتعرّض إلى الشارع المستقيم وضريح صلاح الدين والمكتبة الظاهريّة وقصر العظم وخان أسعد باشا وكنيسة حنانيا وأبواب المدينة والتكيّة السليمانيّة وسوق الحميديّة والمتحف الوطني والقلعة وغيرها. المعلومات شديدة الاختصار، لا تشفي غليل الباحث المدقّق، بيد أنّها تفي باحتياجات النزلاء ومن لا يملك المزيد من الوقت والاهتمام والفضول.

يختم المؤلف بنبذةٍ عن صيدنايا ومعلولا ومعرض دمشق.

من البدهي أن هذا الكرّاس الصغير لا يرقى، لا في نَصِّهِ ولا صورِهِ، إلى المتوافر في الأسواق حالياً؛ ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار الزمن والثمن والجمهور المُسْتَهَدف، وأنّ النقدَ أسهلُ بكثيرٍ من الإبداع، وأنّه بالنتيجة كتابُ جيبٍ ليس غير، نتوصّلُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ "الحسنات يذهبن السيئات". لجيل آبائِنا الفضل، ومنّا الشكرُ والتقدير.


(*) لم أنجح في الحصول على أي معطيات عن الدكتور سمارة، بيد أنّ صديقي العزيز الدكتور بسّام ديّوب تلطّف فزوّدني بالمعلومات الآتية:

يوسف سمارة فنّان يحفر ويرسم، ودكتور في الاقتصاد، ورجل قانون وأدب، تولّى الإدارة الفنيّة لشؤون السياحة، وانتدب لحضور اجتماعات الجمعيّة العموميّة الخامسة للاتّحاد العربي الدولي للسياحة في الرباط حزيران - تمّوز ١٩٦٥، وكان لديه ترخيص لمجلّة اسمها المعرض. نُشِرَ له مقال بعنوان "قصّة الأبجديّة" عام ١٩٨٦. هناك ما يشير إلى علاقةٍ له مع الحزب القومي السوري.