Monday, January 15, 2018

تغلغل العرب في سوريّا قبل الإسلام: كنعانيّون وآراميّون وعبرانيّون



لا مجال لإنكار الخطوط العريضة لرواية العهد القديم، على الأقّل في الفترة التالية للخروج، وهذا بغضّ النظر عمّا إذا كانت الشخصيّات المذكورة في التوراة (موسى وإبراهيم) تاريخيّة أم وهميّة، ودون التعرّض لأقاصيص أو أساطير التكوين والطوفان وفلك نوح والعبور. يعود السببُ بكل بساطة إلى وجود مصادر خارجيّة تعزّزها وهذا ما ركّزَ عليه Dussaud في الفصل الأخير مِن دراستِهِ الكلاسيكيّة. 

ارتأى العالِم الفرنسي أنّ قصّةَ ترحالِ إبراهيم إلى أرض كنعان طبيعيّةٌ، تتّفق مع السياق التاريخي وانتقال سكّان الصحراء من البداوة إلى الاستقرار، وبالتالي أكثر مصداقيّةً بكثير من قصّة يشوع الذي فتح "الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً" بحدّ السيف، ودون أي دليل تاريخي يستحقّ الذكر خارج الكتاب المقدّس. اقتفى العبرانيّون في نهايةِ المطاف نَفْسَ طريق الكنعانييّن والآرامييّن وغيرهِم بالتغلغل في سوريّا وتبنّي لغةٍ محليّة وآلهةٍ محليّةٍ عُدِّلَت فيما بعد.

أقدمُ ذكرٍ تاريخي لإسرائيل في لوحة أو شاهدة مرنپتاح التي اكتُشِفَت في طيبة (مصر) عام ١٨٩٦. تعود هذه الشاهدة إلى أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتَكْمُنُ أهميّتُها في ذكرٍ مُخْتَصَر مفادُهُ أنّ "إسرائيل دُمِّرت" في إحدى حملات الفرعون. مع ذلك لدينا معضلة وجود فجوة في السرد التوراتي بين عهد الآباء Patriarchs من جهة، ودخول العبرانييّن إلى أرض الميعاد كما جاء في العهد القديم من جهةٍ ثانية. المعلوماتُ المتوافرة عن سوريّا الجنوبيّة عموماً ودمشق الآراميّة وبني إسرائيل خصوصاً خلال القرون الفاصلة بين انحطاط الإمبراطوريّتين الفرعونيّة والحثيّة حوالي ١٢٠٠ ق.م. وصعود الآشورية في القرن التاسع في المصادر غير الدينيّة شِبْهُ معدومةٍ. ما الحلّ؟

تتلاشى هذه الصعوبة في رأي Dussaud، إذا قبلنا أنّ الهيكسوس كنعانيّون، وأنّ العبرانييّن قبيلةٌ كنعانيّة دَخَلَت مصر مع الهيكسوس (١) وطُرِدَت مِنْها مَعَهُم (٢)، وما قصّة يوسف إلّا صدى للوجود الكنعاني في مصر؛ يترتّبُ على هذا التحليل أنّ تغلغل بني إسرائيل في أرض كنعان بعد طرد الهيكسوس كان بمثابةِ دخولِهِم الثاني إلى أرض الميعاد.   

سبقت الإشارة أنّ اللغةَ العبريّةَ كنعانيّةُ الأصل، ليس ذلك فحسب: حتّى الديانة اليهوديّة تطوّرت من عبادة إيل إلى يهوه في إسرائيل (٣)، وحتّى طقوس التضحية العبريّة كنعانيّة المنشأ. تمايز العبرانيّون عن الكنعانييّن بالنتيجة وكان الفرقُ بالدرجةِ الأولى جغرافيّاً (٤) وزمنيّاَ (٥).

عزّزت معطيات التنقيب في أوغاريت استنتاجات Dussaud، وتبيّن من نصوص رأس شمرا (٦) أنّ "يهوه" أقدم من العهد المفترض لموسى، وهنا تتوجّب الإشارة إلى كونِ لغة أوغاريت (٧) الكنعانيّة أقرب اللغات الساميّة إلى العبريّة؛ كتاباتُ العهد القديم إذاً أقدم بكثير ممّا اعتقدنا. 

____________

١. أسماء الهيكسوس إمّا كنعانيّة بالكامل أو مستعارة من مصر. 
٢. هذا لا يعني أنّ جميع الهيكسوس - الكنعانييّن تركوا مصر.
٣. بينما تطوّرت إلى بعل لدى الكنعانييّن. 
٤. انتشَرَ الكنعانيّون شمالاً إلى لبنان وأرواد وأوغاريت، بينما بقي الإسرائيليّون في "أرض كنعان" أو ما يسمّى حاليّاً إسرائيل أو فلسطين.
٥. تأخّر العبرانيّون عن الكنعانييّن في الانتقال من البداوة إلى التحضّر.
٦. في كتابات أوغاريت الكثير ممّا يطابق أدبيّات وقوانين الكتاب المقدّس، علاوةً على تشابه ملحوظ مع المزامير بالذات.
٧. دُمِّرَت أوغاريت حوالي ١٢٠٠ قبل الميلاد. 



تغلغل العرب في سوريّا قبل الإسلام: آلهةُ قريش والآيات الشيطانيّة



سوريّا بحدودها السياسيّة الحاليّة خليقةُ فرنسا والنصف الأوّل من القرن العشرين، بيد أنّ سوريّا الجغرافيّة، أو بلاد الشام، قديمةٌ قِدَم التاريخ، تارةً شكّلت إقليماً (أو أقاليماً) في إمبراطوريّة، وطوراً مجموعةً من الدويلات المتنافسة إن لم نقل المتناحرة والمتقاتِلة. اعتَقَدَ Dussaud أنّ هدفَ السورييّن لم يكن يوماً وحدةً سياسيّة، وأنّ صراعَهُم مع رومية وبيزنطة كان بالدرجةِ الأولى دينيّاً، وفي نهاية المطاف انتصرت الآلهةُ السوريّةُ على الرومانيّة واعتنق الرومان المسيحيّة. 

ليس الدينُ الإسلامي صحراويّاً، على الرغمِ من بداياتِهِ العربيّة واعتمادِهِ التقويم الهجري القمري (١)، ويعلم جميع من دَرَسِ تاريخَ الإسلام أنّ مركزَ ثقلِ الدين الجديد كان دوماً في المدن، والكبرى منها خصوصاً بدلالة المساجد والمدارس والزوايا والأربطة وأماكن إقامة العلماء والفقهاء. تأخّرت أسلمةُ الأرياف وساهَمَ في ذلك عدّةُ عواملٍ اقتصاديّة وثقافيّة وتراثيّة.

المعلوماتُ المتوافرة عن آلهة قريش قبل الإسلام محدودةٌ ،أغلبُها من مصادرٍ إسلاميّةٍ لاحقة. أحد أهمّ وأشهر هذه المصادر "كتاب الأصناملابن الكلبي (وفيّات ٨١٩ للميلاد). استنتجَ Dussaud من استقراءِ المراجع أنّ رسالة محمّد لم تكن توحيديّةً بالكامل منذ البداية، وأنّها مرّت من الشرك Polytheism إلى التوحيد Monotheism مع احتمال عبورِها لمرحلة Henotheism (٢) بينَهُما. ذكرت النصوص الصفائيّة الله قبل الإسلام بخمسة أو ستّة قرون (٣)، ولكن لا دليل أنّ الصفائيّين أو غيرهم مثّلوه بصنمٍ، وإن أثار المؤلِّف احتمال كون الحجر الأسود في الكعبة رمزاً لله bétyle لدى البعض، وعلّ هذا يفسّر الاهتمامَ الخاصّ الذي أحاط به محمّد والمسلمون هذا الحجر. 


بالرجوع إلى ترتيب آيات القرآن حسب تسلسلِها الزمني، بناءً على دراسات المُسْتَشْرِق الألماني Nöldeke، استنتجَ البعضُ أنّ إصرارَ محمّد على عبادة الله وحْدَهُ (٤) جاءَ في مرحلةٍ لاحقة؛ يتعيّن في هذا السياق الإشارة إلى الآيتين ١٩ و ٢٠ من سورة النجم "أَفَرَأَيْتُمُ اڵَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ"، والفقرة اللّاحقة المحذوفة "تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى". إذا قَبِلْنا هذه "الآيات الشيطانيّة"، فهذا يعني أنّ محمّداً وضع اللّات، مع أقانيمِها العزّى ومناة، في مرتبةٍ تحت الله، ولكن مع الاعتراف بألوهيّتها أو على الأقلّ قدسيّتِها. غنيٌّ عن الذكر أنّ الغالبيّة الساحقة من كَتَبَة الإسلام يرفضون الاعتراف بهذه الإضافة على النصّ المقدّس، ولكنّها مذكورة في الواقدي والطبري وابن سعد، مصادرٌ تجاوزَ عُمْرُها ألفاً من الأعوام.

أخيراً هناك حالة الإله هُبَل وهو صنم على شكل إنسان دَخَلَت عبادتُهُ من شرق الأردن إلى مكّة في القرن الثالث الميلادي لتنافس العبادة الأقدم للحجر الأسود. اندثرت عبادةُ هُبَل مع انتصار الإسلام ولا يزال الحجرُ الأسود موضعَ احترامٍ إلى اليوم.

للحديث بقيّة.

____________

١. التقويم القمري غير مناسب للمجتمعات الزراعيّة والريف تحديداً. 
٢. الإيمان بإله قبلي واحد مع التسليم باحتمال وجود إله أو آلهة غيره كما في حالة موسى والعبرانييّن. 
٣. الله = بل أو ربّ السماوات بعلشمين
٤. عوضاً عن الاكتفاء بتمجيدِهِ ورفعِهِ فوقَ بقيّة الآلهة. 


Sunday, January 14, 2018

تغلغل العرب في سوريّا قبل الإسلام: الأنباط والتدمريّون



نتابع قصّة هجرات القبائل العربيّة (١) من شبه جزيرة العرب إلى الهلال الخصيب (٢) كما رواها المستشرق الفرنسي Dussaud، وهنا يتوجّب التنويه أنّ الموضوع قيد البحث ليس تاريخ الأنباط ولا التدمرييّن، باستثناء القسم المتعلّق بعمليّة انتقالِهِم من البداوةِ إلى الاستقرار مع تركيزٍ على بعض خصائصهم، خصوصاً لغتهم وآلهتهم.

تكفي نظرةٌ إلى الخريطة الملحقة لنرى أنّ سوريّا ما هي إلّا امتداد جغرافي لشبه الجزيرة العربيّة، أمّا لماذا كانت الهجرات من الجنوب إلى الهلال الخصيب وليس العكس، فالسبب بكل بساطة غياب مغريات الاستيطان في جزيرة العرب في عهد لم يعرف النفط، باستثناء بعض المناطق كاليمن السعيد مثلاً، وحتّى هذا الأخير كان جبليّاً وبعيداً ومكلفاً للغاية للفاتحين من الرومان إلى العثمانييّن. تناسَبَ الانتقالُ من البداوةِ إلى الاستقرار طرداً مع استتباب الأمن وقوّة الدولة كما في العهد الروماني، وعندما ضَعِفَ المركز وتكاثرت الصراعات المحليّة والغزوات الأجنبيّة (٣) حَصَلَ العكس، وهَجَرَ الفلّاحُ أرضَهُ ليصبح بدويّاً متنقّلاً. 

____________

تعاظمت قوّة الأنباط مع انحطاط الدولة السلوقيّة، وضمّ ملكُهُم الحارثة الثالث دمشق عام ٨٥ قبل الميلاد وتطوّر في المدينةِ حيٌّ نبطي شرق شارع باب توما الحالي. امتدّت دولة الأنباط في أقصى اتّساعِها من الحِجْر (٤) جنوباً مروراً بالعاصمة پترا (٥) إلى بصرى ودمشق شمالاً، وأوكَلَ إليهمُ الرومان مهمّة حراسة الصحراء (٦)، وسمح لهم Pompey (٧) بالاحتفاظ بدمشق لقاء جزية، وبالنتيجة اصطنع الإمبراطور Trajan إقليم Arabia (٨)، المتمركز على بصرى أو Bostra وانتهى استقلال الأنباط. 

الأنباطُ تجّارٌ تكلّموا العربيّة والآراميّة، وتبنّوا هذه الأخيرة واشتقّوا أبجديّتَهُم منها. الكتاباتُ النبطيّة مرحلةٌ انتقاليّةٌ إلى العربيّة، أمّا عن آلهة الأنباط فعلّ ذو الشرى أهمُّهُم. مع انحطاط الأنباط انتقلت مهمّة "پوليس الصحراء" إلى تدمر، ومن ثمّ الحيرة، وأخيراً الغساسنة. أصبحت اللغةُ العربيّةُ رسميّةً في عهد ملوك الحيرة (٩)، وإن احتفظ هؤلاء بالكتابة النبطيّة. تلاشت الكتابات العربيّة الجنوبيّة (١٠) بعد الفتح الإسلامي باستثناء الحبشيّة. 

____________

يعود ذكر تدمر لمطلع الألف الثاني قبل الميلاد. تبنّت المدينةُ (١١) الآراميّةَ (١٢) عوضاً عن العربيّة بهدف التجارة، واستعملت أيضاً اليونانيّة، أمّا عن آلهتها فمنها التدمريّة المحليّة ومنها السوريّة والعربيّة (١٣). أهمّ الأرباب ثالوث بل (بليرحبول - عجل بعل) وهو من وَحْيٍ بابلي ولا علاقة له مع بعل؛ هناك أيضاً ثالوث بعلشمين (بعلشمين - عجل بعل - ملاك بل). قصّة أذينة وأرملته زنوبيا ومحاولتها الاستقلال عن رومية وهزيمتها وتدمير المدينة عام ٢٧٣ للميلاد على يد Aurelian أكثر من معروفة ولا داعي لتكرارها في هذه الأسطر.

باختصار نَجَحَ الأنباطُ والتدمريّون (١٤) في الانتقال من البداوةِ إلى الاستقرار، لا بل وازدهرت مُدُنُهُم لفترةٍ طويلةٍ في قلبِ بادية الشام بفَضْلِ تجارتِها ومواقِعِها الاستراتيجيّة على طريقِ القوافل.


للحديث بقيّة. 

____________

١. أي التي لا تزال في مرحلة البداوة. 
٢. مصطلح "الهلال الخصيب" يعود إلى المؤرّخ والآثاري الأمريكي James Breasted.
٣. كما في عهد الانحطاط العبّاسي وما تلاهُ. 
٤. مدائن صالح (بين المدينة وتبوك).
٥. اكتشف السويسري Burckhardt پترا عام ١٨١٢. 
٦. أي حماية الحضر من البدو. 
٧. فَتَحَ أو ضمّ Pompey سوريّا إلى الإمبراطوريّة الرومانيّة عام ٦٤ قبل الميلاد. 
٨. المقاطعة العربيّة أو الپتراء العربيّة عام ١٠٦ للميلاد. 
٩. اللخمييّن أو المناذرة. 
١٠. الصفائيّة مثلاً. 
١١. شأنها شأن دمشق والأنباط. 
١٢. بالأبجديّة التدمريّة. 
١٣. اللات مثلاً. 
١٤. هناك أمثلةٌ أقلُّ شهرةً. 

تغلغل العرب في سوريّا قبل الإسلام




لربّما كان هذا الكتاب آخر أعمال René Dussaud الذي وافته المنيّة عام ١٩٥٨ بعد عمرٍ قارَبَ التسعين عاماً أمضى القسم الأعظم منه في الدراسات  التاريخيّة المتعلّقة بالشرق الأدنى عموماً وسوريّا خصوصاً. يمكن اعتبار Dussaud دون مبالغة عميد علماء الآثار السوريّة الذي استشهد به الكثيرون من البحّاثة اللاحقين، سواءً وافقوا على مطارحاتِهِ أم نبذوها. Dussaud غزير الإنتاج كمّاً ونوعاً وإن كانت كتبُهُ ومقالاتُهُ صعبةَ المتناول للقارئ العادي كونه أكاديمي يكتب بالدرجة الأولى للأخصّائييّن وطلّاب علوم الآثار والنقوش القديمة (مقارنةً مع فيليپ حتّي الذي كَتَبَ للجميع بأسلوبه "السهل الممتنع"). يترتّب على ذلك أنّ كتب Dussaud أقلّ تداولاً وأعسَرَ مطالعةً وأغلى ثمناً (باستثناء الموجود بالمجّان الكترونيّاً على الشبكة) من نظيرِهِ اللبناني - الأمريكي. 

صدر كتاب Dussaud "العرب في سوريا قبل الإسلام" عام ١٩٠٧، أمّا "تغلغل العرب في سوريا قبل الإسلام" فقد رأى النور عام ١٩٥٥، ويمكن اعتباره تتمّةً للأوّل وتوّسعاً في الموضوع أو المواضيع استناداً على اكتشافاتٍ بين الزمنين، أهمّها أوغاريت وماري. أدّت هذه الاكتشافات إلى قراءةٍ جديدة للمعطيات القديمة، ليس فقط الملموسة منها كبقايا المنشآت القديمة والنقوش والكتابات بمختلف الأبجديّات المستعملة في الماضي، وإنّما أيضاً نصوص الكتب المقدّسة كالقرآن وكتاب العهد القديم.

الرقعةُ الجغرافيّة قيد الدراسة سوريّا، بما فيها كيانات لبنان والأردنّ وإسرائيل - فلسطين الحديثة العهد، ودون التعرّض لبلاد ما بين النهرين. بدأ المؤلِفُ بالأحدث (الأنباط والتدمرييّن وغيرهم) وانتهى بالأقدم (العبرانييّن والكنعانييّن والآرامييّن وهلمّجرّا). المقصود بالعرب القبائل في مرحلة البداوة قبل استقرارها، وهم ساميّون بالطبع مع التحفّظ أنّ المقصودَ "بالساميّة" هنا أسرةُ لغات، وليس عرقاً أو شعباً معيّناً. هناك تركيز خاصّ على العبادات المختلفة لهذه الأقوام وتطوّرها عبر العصور كما سنرى.

فلنبدأ بإلقاء نظرة سريعة ومبسّطة إلى حدٍّ كبير على عائلة اللغات الساميّة:

أوّلاً: المجموعة الشرقيّة وتشمل اللغة الأكّاديّة وإيبلا (لم تكن الأخيرة معروفةً لدى موت المؤلّف).

ثانياً: المجموعة الغربيّة ويمكن تقسيمها إلى:

 - شماليّة: عموريّة وكنعانيّة (أو فينيقيّة كما يسمّيها اليونانيّون ومنها اشتُقَّت العبريّة) وآراميّة والعربيّة الحديثة.

 - جنوبيّة: عربيّة قديمة (بما فيها الصفائيّة نسبة لتلول الصفا جنوب سوريا) وإثيوپيّة.  


للحديث بقيّة. 




Saturday, January 6, 2018

King Hazael of Damascus



This ivory panel, currently a valued possession of Aleppo's Museum, was discovered at ʾArslān Ṭāš (ancient Ḥadātū) in northern Syria near the Turkish border. According to Assyrian texts, it originally belonged to the treasure of Hazael, King of Aram-Damascus (844-812 BC), until his son, Ben-Hadad II (or Ben-Hadad III, depending on the source), was forced to hand it—as part of a substantial booty including a bed and a litter of ivory—to the Assyrian king Adad-nirari III to persuade the latter to abandon the siege of Damascus. This elaborate panel displays Syrian art with a marked Egyptian influence, as demonstrated by the two winged sphinxes crowned with pschents and facing a sacred plant.


René Dussaud , Paul DeschampHenri SeyrigLa Syrie antique et médiévale illustrée. Paris, Librairie Orientaliste Paul Geuthner 1931. 

Thursday, January 4, 2018

دمشق عشيّة السفر برلك



زار الأديب الإنجليزي Robert Hichens والفنّان الأمريكي Jules Guérin الشرق الأدنى بين الأعوام ١٩٠٨ (ثورة جماعة "تركيّا الفتاة") و ١٩١٠. شَهِدَ التاريخُ الأخير نشرَ كتاب "الديار المقدّسة" للمؤلِّفَيْن. بدأت الرحلة في بيروت ومنها إلى بعلبك فدمشق ثمّ بيت القصيد: فلسطين والقدس إبّان الاحتفال بعيد الفصح. الكلفة اليوميّة ١٥ دولار "آكل شارب نايم" مع المواصلات والأدلّة وهلمّجرّا. خصّ الكاتب بعلبك (أوّل ما وَصَفَهُ) بفصلٍ كامل، أمّا بيروت فلم تَنَل سطراً واحداً. يتوزّع الكتاب، الأقرب إلى المُصَوَّر، على سبعةِ فصول وثلاثمائة صفحة مُفْعَمة باللقطات الضوئيّة التاريخيّة مع لوحات للفنّان الأمريكي المذكور. الجملُ بما حمل متوافرٌ للمهتمّين بالمجّان.

احتلّت عاصمةُ الأموييّن فصلاً بعنوان "سحر دمشق" طولُهُ ٤٥ صفحة، علّه أكثر ما في الكتاب إثارةً للاهتمام من وجهة نظري عل الأقلّ. لا داعي للدخول في وصف المدينة فهناك مراجع أفضل بكثير لهذا أوّلاً، والكاتب لا يعرف الكثير عن تاريخ المنطقة ثانياً (ذَكَرَ على سبيل المثال أنّ سليم الأوّل بنى التكيّة السليمانيّة عام ١٥١٦)، كما لنا أن نتوقّع من إنجليزي متديّن اهتمّ بالدرجة الأولى بالمعالم المسيحيّة. تَكْمُنُ أهميّةُ الكتاب في وَصْفِهِ دمشق في المرحلة الإنتقاليّة القصيرة أواخر العهد العثماني قُبَيل نشوب الحرب العظمى (العالميّة الأولى).  

تعرَّضَ المؤلّف بسرعةٍ إلى الجامع الأموي الذي عاينَ فيه عدّةَ عيوبٍ في سقفِهِ وزجاجِهِ ومظهرِهِ الخارجي "الرخيص المبتَذَل"، ولم يوفرّ كنيسة حنانيا التي وجدها في "غاية القبح". أهمُّ من رأيِهِ، وصفُهُ للمقاهي المزوّدة بالفونوغرافات، والمسرح وممثّلاتِهِ اليهوديّات. فيما يلي بعض الملاحظات التاريخيّة الطريفة:

- عارض العديدُ من أهالي دمشق دخول الترام، لأنّهم "متعصّبون يكرهون التغيير" (لربّما اعتبر العلماء الترام "بدعةً")، "وهالَهُم" الدستور العثماني الجديد على اعتبار أنّ الكثيرين منهم يمقتون جماعة تركيّا الفتاة وكلّ ما يمتّ إليها بصلة.

- زار الكاتب بيت عبد الرحمن باشا اليوسف، أمير الحجّ وأحد أغنى أغنياء دمشق ذلك الحين. بيت (بالأحرى قصر) اليوسف مزوّدٌ بالكهرباء، اختلط فيه القديم (العبد السوداني المخصي) مع الحديث (الشوَك والسكاكين في صالة الطعام).

- عرّج المؤلّف على الحمّامات التي رَتَعَت على بلاطِها الرخامي البديع "صراصيرٌ ضخمةٌ حمراء وبنيّة"، وقَفَزَ جرذٌ بين وقتٍ وآخر من إحدى الزوايا. سادَ هذا الوضع كما يبدو في عدّة أمكنة، منها أحد حمّامات نابلس حيث "غطّت الصراصير الجدران". لا أعتقد بوجود الكثير من المبالغة هنا ولا تخلوا معظم البيوت الدمشقيّة إلى اليوم  من الصراصير رغم أننّا في عهد المبيدات الحشريّة "راڤين" و"هالِك"  و"شلتوكس" التي ربينا مع دعاياتها على التلڤزيون السوري، أمّا بالنسبة للقوارض فحيثما توجد فضلات الإنسان تسرح الجرذان والفئران وتمرح، وما أنسى لا أنسى مشهدَ جرذٍ ضخم تسللّ بين قدمي إحدى الحوامل في مشفى التوليد الجامعي في دمشق مطلع الثمانينات (بالكاد أجْفَلَت السيّدة التي كانت قاب قوسين أو أدنى من المخاض)، عن الجرذان في مطابخ الجيش الميدانيّة ومهاجع العسكر فحدِّث ولا حَرَج. 

ختاماً لغة الكتاب أدبيّة صعبة المنال وقديمة إلى حدٍّ ما، بيد أنّ المواضيعَ المطروقة أليفةٌ لقرّاء المنطقة، ويمكن في أسوأ الأحوال الاستمتاع بالصور. 

Monday, January 1, 2018

من الأمويّين إلى العلوييّن


كَتَبْتُ هذا المقال بالإنجليزيّة منذ ثلاث سنوات، ليس لأنّي أكثر طلاقةً بها منّي بلغتي العربيّة الأمّ، ولا لاعتقادي أنّ المعنيّين بِهِ أجانب، ولكن لأنّني بكل بساطة ولسنواتٍ كثيرة نَظَرْتُ إلى لوحة المفاتيح العربيّة نظرةَ خوفٍ وتوجّس. تغلّبت منذ حوالي العامين على هذه العقدة،  وأقوم اليوم بناءً عليهِ بتعريب المقال كرأي شخصي على هامش المأساة التي عاشتها وتعيشها سوريّا منذ سبع سنوات. الترجمة كما توخّيتُها أمينةٌ وليست حرفيّة، ويمكن الرجوع للرابط المرفق للاطّلاع على الأصل.

تمخّضَ عصرُ المعلوماتيّة ووسائل التواصل الاجتماعي عن ثورةٍ ثقافيّة بكلّ معنى الكلمة، وأصبح بإمكان أي إنسان أن يبحث على الشبكة عن شتّى المواضيع بمنتهى السهولة، وإذا شاءت الأقدار أن يتبنّى أحدُهُم وجهةَ نظرٍ معيّنة، فليس ثمّة ما هو أسهل من إسنادها عن طريق رابطٍ أو روابط يضغط عليها بالسهولة التي حكّ فيها علاء الدين مصباحَهُ السحري ليخرج منه الجنّي مع "شبّيك لبّيك عبدك بين إيديك". 

المشكلة أنّ الكثير من هذه الروابط مضلّلة، إن لم تكن كاذبة أو على الأقلّ متحيّزة، يحتاجُ المرءُ إلى جرعةٍ لا بأس بها من المعرفة والتحليل وحتّى التشكيك ليفسّر المعطيات ويستعملها عوضاً عن السماح لها أن تستعمله وتستغلّه. أحد أهمّ مصادر المعلومات على الشبكة،  شئنا أم أبينا، الويكيبيديا. لست هنا في مَعْرِض التقليل من فائدتها فأنا أستعملها بكثرة مع الحذر، والحذرُ مطلوبٌ لا بل وجوهري خاصّة فيما يتعلّق بالمقالات التاريخيّة والسياسيّة.  

أذكر تبادلاً جرى بين أحد مستعملي الشبكة (أمريكي على الأغلب) وبيني بالإنجليزيّة على موقع هفنجتون بوست عام ٢٠١١ أو ٢٠١٢ عن التركيبة الطائفيّة للجيش السوري. جَزَمَ محدّثي بما لا يقبل الالتباس أنّ هذا الجيش في غالبيّته علوي، وعندما اعترضتُ على "إفادته" زوّدني على الفور برابط للويكيبيديا يؤيّد كلامَهُ ويثبت حجّتَهُ بالدليل "القاطع". الضربة الفنيّة القاضية كما يقولون. لم يكن في نيّتي الإفصاح لدعي لا يعرف عن سوريّا إلّا ما تردّده وسائلُ إعلامِهِ عن كوني سوريّ المولد، وأنّني خدمت سنتين ونيّف في هذا الجيش العلوي المزعوم. اكتفيت بالردّ أنّ الجيش السوري مؤلّفٌ من كافّة السورييّن، والسبب بكل بساطة يعود إلى وجود خدمة إلزاميّة تنطبق على جميع الذكور مع بعض الاستثناءات التي لا علاقة لها بالطائفيّة لا كثيراً ولا قليلاً. بالطبع أرفقتُ رابطاً يعزّز كلامي (ودون اللجوء لقرآن الويكيبيديا المنزل)، ولكن السيّد (أو السيّدة) المذكور(ة) لم يتنازل بالردّ، مَنْ أنا أمام موسوعة الإنترنت رقم واحد وأين الثرى من الثريّا؟ 

هناك بالتأكيد نقطةٌ هامّةٌ لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. الجيش السوري مكوّن من جميع السورييّن ما في ذلك من شكّ وهذا الأمر من البديهيّات لكل من يحيا في سوريّا، ومع ذلك لا مناص من التسليم بأنّ نسبة العلوييّن بين الضبّاط وصفّ الضبّاط أعلى من نسبتِهِم في الشعب السوري، وأنّ قياداتٍ علويّة تدير بعض القطعات المفتاحيّة، وأنّ هذا الوضع دام عشراتٍ من السنوات. ما السبب يا ترى؟ هل هناك سياسة متعمّدة لبناءِ جيشٍ طائفيّ الكوادر إن لم يكن طائفيّاً؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو الهدف من هذه السياسة؟ 

____________

يتعيّن علينا إذا أردنا فهم الطريق الذي أوصل العلوييّن إلى وضعهِمِ الحالي أن نعود بالزمن إلى الوراء على الأقلّ حتّى العهد العثماني. تعرّضت الأقليّات في سوريّا منذ مئات السنين إلى التمييز، وأحياناً إلى الاضطهاد، ولَعِبَ هذا الاضطهاد دَوْرَهُ في دفع ليس فقط العلوييّن، وإنّما أيضاً الدروز والموارنة والإثني عشريّة إلى الاعتصام بالجبال، الملجأ التاريخي للقضايا الخاسرة إذا جاز التعبير. اصطدمت طموحاتُ هذه الأقليّات (وأحياناً الأكثريّة السنيّة) مع مركز الإمبراطوريّة على بعد آلاف الكيلومترات، وتمثّل الخلاصُ للبعض، خاصّة في المدن والسهول المكشوفة، في الخضوع لإرادة السلطان والتعاون مع عمّالِهِ وجباةِ ضرائبِهِ. 

استقلّت سوريا رسميّاً عام ١٩٤٦، وعنى هذا الحاجةَ لبناء جيشٍ وطني عوضاً عن الاتّكال على حماية القسطنطينيّة أو پاريس، وفَتَحَ هذا الجيش أبوابَهُ لجميع السورييّن باستثناء اليهود (لا أعلم متى بدأ هذا التمييز). علاوةً على الخدمة الإلزاميّة، أتيح التطوّعُ لكلّ من رَغِبَ بِهِ، ولكن مَن اختار أن يتطوّع؟ يمكن طرح هذا السؤال في أي دولة وليس فقط سوريّا. 

ليست الخدمةُ العسكريّة في سوريا نزهةً حتّى في أوقات السلم. صحيحٌ أنّ بعض المتطوّعين يصلون إلى مناصب متنفّذة تسمح لمن لم يردعه وازعٌ أخلاقي بالثراء الغير مشروع، ولكن هذه الحالات هي الاستثناء وليست القاعدة. تعيش الغالبيّة العظمى من المتطوّعين حياةَ تقشّفٍ، ومن المتطوّعين من خَسِرَ يَدَهُ أو ساقَهُ أو حتّى حياتِهِ، ويسري هذا بالطبع على المجنّدين في حالة حرب. النتيجةُ باختصار أنّ الغني أو ابن الأغنياء، أو معظم من يملك خياراتٍ بديلة، لن يتطوّع بالجيش، وأنّ ما يجذب محدودي الإمكانيّات إليه هو الفرصة لتحسين وضعِهِم الاجتماعي والاقتصادي. الجيشُ "خيارُ" من لا يملك خياراتٍ أفضل، وهذا صحيح في كلّ العالم. يترتّبُ على ذلك أنّ السبب في كون نسبة العلوييّن في الجيش تتجاوز نسبَتَهم إلى إجمالي المواطنين، عائدٌ إلى كون نسبة الفقر بينهم تتجاوز (أو على الأقلّ تجاوزت) نسبَتَها في المجتمع السوري ككلّ. التطوّعُ بالجيش متناسبٌ طرداً مع شحّ الموارد وعكساً مع الدخل، وهناك استثناءات بطبيعة الحال. يمكن لمن يريد التوسّع في القراءة عن هذا الموضوع الرجوع إلى كُتُب حنّا بطاطو و Patrick Seale و Jacques Weulersse وغيرها. 

____________

نأتي الآن لعنوان المقال وبيت القصيد: هل ظاهرة "حكم الأقليّات" جديدة؟ هل هي وليدة القرن العشرين؟ هل نَجَمَت عن رحيل الاستعمار؟ تاريخ سورّيا موغلٌ في القدم ومع ذلك سأختار القرن السابع الميلادي كبداية، على اعتبار أنّ جميع السورييّن عمليّاً يعرفون جيّداً تاريخَهُم منذ الفتح الإسلامي، أو يعرفون خطوطَهُ العريضة على أقلّ تقدير.

كانت ولا تزال السرعة التي انتشر بها الفاتحون المسلمون من الجزيرة العربيّة، والسهولة التي هزموا بها الجيوش الساسانيّة والبيزنطيّة، مثيرةً للدهشة، ويمكن اعتبارُها شكلاً مبكّراً للحرب الصاعقة أو الخاطفة blitzkrieg (تعبيرٌ استعمل لوصف توسّع الجيوش الألمانيّة البالغ السرعة في أربعينات القرن العشرين). كان الشرق الأدنى وقتها لا يزال مسيحيّاً في غالبيّتِهِ العظمى، واللغات السائدة فيه الآراميّة في الريف واليونانيّة في المدن. النتيجة المنطقيّة أنّ العرب الفاتحين وقتها كاتوا أقليّة لغويّة ودينيّة، شكلّت نخبةً عاشت على الضرائب (جزية وخراج) التي دفعتها الأكثريّة لإعالة الغزاة المحاربين وذويهم، خاصّة وأنّ العرب يربأون عن مهنة الزراعة وإن شجّعوا ومارسوا التجارة. لم يقم الأمويّون بالذات بأي محاولة جديّة لتغيير دين رعاياهم، بل فضّلوا بقاء "أهل الذمّة" على مُعْتَقَدِهِم كونه أكثر مناسبةً للفاتحين من الناحية الماديّة. للإنصاف كان الأمويّون متسامحين، وعلّ معاوية أكثرهم تسامحاً (بالمقابل عمر بن عبد العزيز أكثرهم ورعاً وبالتالي تمييزاً ضدّ الذمييّن). لهذا التسامح أسبابٌ عمليّة، منها أنّ الدولة الفتيّة كانت بعيدةً عن الاستقرار وأنّ المسلمين كانوا ضعفاء عدديّاً. 

لفظت الدولة الأمويّة آخرَ أنفاسِها في حمّامِ دمٍ على يد العبّاسييّن، وتزامن هذا مع بعث الهيمنة الإيرانيّة بلَبوسٍ إسلامي، وانتقال مركز ثقل الإمبراطوريّة من ساحل المتوسّط الهلنستي إلى بغداد خليفة المدائن الساسانيّة وبابل الكلدانيّة. تهمّشت سوريّا تحت الحكم العبّاسي. ليس في نيّتي هنا سرد تاريخ معروف ومطروق، وأكتفي بالقول أنّ الإمبراطوريّة العبّاسيّة وقعت تحت النفوذ الإيراني ثمّ التركي منذ البداية وحتّى سقوطها على يد هولاكو والمغول في القرن الثالث عشر. 

توالى على سوريّا في العصور الوسطى الطولونيّون والحمدانيّون والفاطميّون والسلاجقة والأتابكة والأيّوبيّون. جميع هؤلاء كانوا من "الأقليّات" بشكلٍ أو بآخر، وكثيرٌ منهم بالكاد تكلّموا العربيّة، التي أصبحت اللغة السائدة مع مرور الزمن. يكفي تأمّل أسماء الفاتحين الجدد إيرانيّةً كانت أم كرديّةً أم تركيّة. صلاح الدين على سبيل المثال كردي بغضّ النظر عن التفاهات التي يتعلّق ويتشدّق بها بعض العروبييّن. سيطر المماليك (ترك وشركس) على سوريا من ١٢٥٠ حتّى ١٥١٦، وتلاهم العثمانيّون الذين عيّنوا ولاةً أجانب على الشام من كافّة أرجاء إمبراطوريّتهم المترامية الأطراف.

الخلاصة حكمت "الأقليّات" سوريّا على الأقلّ منذ الفتح الإسلامي عمليّاً دون انقطاع، وبالنتيجة انصهرت هذه الأقليّات في البوتقة الشاميّة، واعتمدت اللّغة العربيّة، وساهمت في إغناء التراث السوري العريق. فلنقل أنّها لم تعد "أقليّات". كافّة المجموعات الدينيّة والطائفيّة واللغويّة والعرقيّة من "الوثنييّن" إلى الأموييّن والإيرانييّن والترك والأكراد واليهود والمسيحييّن (بكلّ طوائفهم) والمسلمين (أيضاً بكلّ طوائفهم)  كانت في مرحلةٍ ما "أقليّات"، وعلى الأغلب عانت من نفس الوصف النمطي السلبي مِن قِبَل الجهلة ممّن يدّعون أنّهم "الأكثريّة"، وينسون أو يتناسون أصولَ آبائِهمِ وأمّهاتِهِم. 

لا يستهدف التمييّز الأشخاص فقط، وإنّما الجماعة بكامِلِها. من المسلّم به أنّ انتقاد السياسييّن مشروعٌ ومسموح، لا بل واجب طالما تناوَلَ أفعالهَم وأقوالَهم. انتقاد سياسة الرئيس أوباما أو الرئيس الأسد أو أي سياسي مفهوم، ولكن التهجّم عليهما لأنّ الأوّل أسود والثاني علوي شائنٌ ومعيب.