Wednesday, February 19, 2020

سينما العبّاسيّة تبتهج وتبارك بميلاد الجمهوريّة العربيّة المتّحدة


يظهر الرئيسان شكري القوّتلي وجمال عبد الناصر فوق لوحة إعلانيّة كبيرة لفيلم الكوخ الصغير بطولة النجمة Ava Gardner. المصدر مجلّة Paris Match الفرنسيّة وعددها الصادر في الثامن من آذار عام ١٩٥٨.

فلننظر إلى المناورات الخفيّة قبيل الوحدة كما رواها مستشار حكومة الولايات المتّحدة الأمريكيّة لشؤون الشرق الأوسط السياسيّة السيّد Gordon H. Torrey في كتاب "السياسات السوريّة والعسكريّون" الصادر عن Ohio State University عام ١٩٦٤. داخل غلاف الكتاب إهداء بخطّ يد المؤلّف لمدير المخابرات المركزيّة الأمريكيّة ١٩٦١-١٩٦٥ السيّد  John A. McCone. يعتبر هذا الكتاب مع دراسة "الصراع على سوريا" للصحفي البريطاني Patrick Seale من أفضل ما حرّر عن تاريخ سوريا السياسي منذ الاستقلال حتّى الوحدة وكلاهما ترجم إلى العربيّة.  

الأسطر التالية مأخوذة من الصفحات ٣٧٧-٣٧٩:

{مع نهاية كانون أوّل ١٩٥٧ احتدم الصراع على السلطة من وراء الكواليس بين البعث من جهة وبين الشيوعييّن وخالد العظم ورئيس الأركان عفيف البزري من جهة ثانية وبدأ إعلام البعث حملة اتّهم فيها الشيوعييّن بمعاداة الوحدة ممّا يعتبر وقتها هرطقة في سوريا.....بقي عبد الحميد السرّاج في هذه الفترة صامتاً يتأمّل المشهد من بعد بينما استعمل المصريّون نفوذهم الكبير لمساعدة البعث ضدّ البزري. تحالف أمين النفوري مع العظم والبزري بينما مثّل أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار والعقيد مصطفى حمدون الجانب الآخر.

إلى جانب مهاجمة الشيوعييّن وعدم إخلاصهم المزعوم للطموحات القوميّة العربيّة شنّ حزب البعث أيضاً حملة إعلاميّة انتقد بها الطريقة التي عالج فيها خالد العظم الاتّفاقات السوريّة الاقتصاديّة مع تشيكوسلوفاكيا والاتّحاد السوفييتي...في نفس الوقت عادت المنشورات المعادية للشيوعيّة إلى الظهور في المكتبات السوريّة ولدى باعة الصحف.

وصل وفد من ضبّاط الجيش السوري برئاسة عفيف البزري فجأة إلى القاهرة في الثاني عشر من كانون ثاني ١٩٥٨ ليناشد عبد الناصر أن يقيم وحدة فوريّة بين البلدين وتلاه بعد أربعة أيّام وزير الخارجيّة صلاح الدين البيطار لينضمّ إلى المباحثات. لم يتمّ الكشف عن التفاصيل ومع ذلك كان من المعلوم أنّ عبد الناصر تحفّظ على أخذ مسؤوليّة سوريا ومشاكلها على عاتقه وكان هذا متّفقاً مع موقفه السابق. في النهاية رضي الرئيس المصري بعد أن أقنعه السوريّون بخطر استيلاء الشيوعييّن السلطة في مستقبل وشيك إلّا أنّه أصرّ على وحدة شاملة وليس اتّحاد فدرالي كما اقترح السوريّون ووافق الوفد السوري على ذلك نظراً لانعدام البدائل. صرّحت وكالة أخبار الشرق الأوسط التي يتحكّم بها المصريّون في الثالث والعشرين من كانون ثاني أنّ إعلان الوحدة بين البلدين سيتمّ قريباً وكانت هذه نقطة لا عودة بالنسبة للسورييّن.

يمكن اعتبار هذا بمثابة إكراه الشيوعييّن على حضور جنازة حزبهم وكان ردّ فعلهم الأوّل إصدار قرار ترحيب بالوحدة "المعزّزة لتضامن الدول العربيّة والقوى الآسيويّة-الإفريقيّة المناهضة للإمبرياليّة" ولكنّهم خشوا سياسة عبد الناصر المعادية للشيوعيّة وبناءً عليه صرّحوا أنّ الوحدة يجب أن تقام على "أسس ديموقراطيّة" سليمة وأتى ردّ فعلهم سريعاً وشديداً عندما تبيّن لهم أنّ الوحدة ستؤدّي إلى امتصاص سوريا من قبل مصر وليس إلى الاتّحاد الفدرالي المنشود. رفض خالد بكداش توقيع إعلان الوحدة وصرّح أنّ الحزب الشيوعي لم يحلّ نفسه في أي مكان في تاريخه وأنّه لن يفعل ذلك الآن في الوحدة الجديدة ومن ثمّ قاطع جلسة البرلمان التي أعلن فيها عبد الناصر "بالإجماع" رئيساً للجمهوريّة العربيّة المتّحدة".} 





Tuesday, February 18, 2020

شكري وجمال


"لقاء بمحض الصدفة. يجتمع ثنائي الغزل المصري-السوري قوّتلي-ناصر مع شارلي شابلن على مدخل إحدى دور السينما في دمشق". 

هكذا علّقت مجلّة Paris Match على الصورة أعلاه في عددها الصادر في الثامن من آذار ١٩٥٨. بالنسبة لتسلسل الأحداث قبيل الوحدة مباشرة أقوم في الأسطر التالية بتعريب عن الأصل الإنجليزي لفقرات من الصفحة ٤٠١-٤٠٢ لكتاب "تاريخ سوريا الحديث" بقلم الكاتب الراحل عبد اللطيف طيباوي وهو أكاديمي فلسطيني إسلاميّ الفكر.

{نجم نجاح المبادرة إلى حدّ كبير عن جهود حزب البعث. كان البعث وقتها حزب أقليّة نجح في جرّ الأكثريّة معه بفضل تبنّيه لقضيّة وطنيّة شعبيّة ما كان باستطاعة أي جماعة سياسيّة وقتها أن تستمرّ إذا عارضتها. الوحدة العربيّة هدف الحركة الوطنيّة منذ ولادة سوريا نفسها حالت الإمبرياليّة البريطانيّة والفرنسيّة دون تحقيقه. بذهاب هذه الإمبرياليّة أتت الآن فرصة رائعة لضمّ سوريا إلى مصر كحجر زاوية للوحدة العربيّة تفتح الطريق لدخول دول عربيّة أخرى إليها.

قيل الكثير عن أهداف البعث التعبويّة (التكتيكيّة) في محاولة منه للالتفاف حول الأحزاب السوريّة المنافسة وقيل المزيد عن الخطر الشيوعي المبالغ فيه إلى درجة طمس معالم الطبيعة المثاليّة للمبادرة. هناك تماثل بين فلسفة البعث واشتراكيّة عبد الناصر من ناحية الجوهر ولكن عندما آن الأوان لمناقشة بنود الوحدة كان عبد الناصر مدركاً أنّ البعث لا يمثّل سوريا وبناء عليه كان لا بدّ من جذب المزيد من القادة المدنييّن والعسكرييّن إلى هذا المشروع ومنهم بالنتيجة الرئيس القوّتلي ورئيس وزرائه. فابل الوفد الذي شكّل وأرسل على عجلة إلى القاهرة عبد الناصر وكان هذا الأخير متعاطفاً معه وإن تردّد في المضي قدماً. كان الرئيس المصري بالتأكيد بحاجة لكثير من الإقناع.

في النهاية وافق عبد الناصر على الوحدة ولكن بشروط اقترحها عليه البعث ووافق عليها بقيّة القادة السورييّن: يجب أن ينصهر البلدان في وحدة اندماجيّة وليس اتّحاد فدرالي ويجب أن يوافق الشعبان المصري والسوري على الوحدة من خلال استفتاء. على الجيش -السوري- أن يحجم عن التدخّل في السياسة ويتعيّن حلّ جميع الأحزاب السوريّة ليحلّ محلّها الاتّحاد الوطني كما في مصر. أعلن القوّتلي في الخامس من شباط ١٩٥٨ الوحدة الوشيكة مع مصر وسمّى عبد الناصر رئيساً للجمهوريّة. وجّهت الدعوة إلى لبنان للانضمام بعد أربعة أيّام مع ضمانة للمحافظة على وضعه الخاصّ ودعيت سائر الدول العربيّة إلى النظر في اتّخاذ خطوات في هذا الاتّجاه.

تمّت الموافقة على الوحدة وعلى رئاسة عبد الناصر بأغلبيّة ساحقة وأعلنت هذه الوحدة في الثاني والعشرين من شباط عندما تنحّى القوّتلي عن الرئاسة مع تكريمه بلقب المواطن الأوّل في الجمهوريّة العربيّة المتّحدة.} 


Monday, February 17, 2020

استفتاء ١٩٥٨ وأطماع عبد الناصر في بترول الغرب


سأبدأ بتعريب التعليق على الصورة (النصّ الفرنسي في منشور مستقلّ) عن مقال قصير صدر يوم السبت في الثامن من آذار ١٩٥٨ لمجلّة Paris Match الفرنسيّة:

[الأمر بسيط بالنسبة للناخبين إذ يوجد مرشّح واحد وبطاقة اقتراع واحدة جرى تدقيقها في الهواء الطلق في كلّ مكان دون اللجوء لخلوات أو ظروف مغلقة.] 

نأتي الآن إلى فقرة مثيرة للاهتمام كنموذج لتفكير ساسة فرنسا والغرب عموماً و"الإعلام الحرّ" في خدمتهم:

[ألقى عبد الناصر خطابين يتّسمان بالحذر أمام الأعيان السورييّن في الوقت التي استقبلته دمشق التي اعتراها الجنون استقبال الملوك. صرّح الرئيس "أنّ مسؤوليّة عظيمة تثقل أكتافنا" وما عناه أكتافه هو. في الواقع حقّق زعيم "الضبّاط الأحرار" حلمه فها هو الآن على رأس الوحدة العربيّة محدّداً بهذا مخطّطاته التي تستهدف النفط الغربي".] 

الجملة المسترعية للانتباه من مزيج ذرف دموع التماسيح على الديموقراطيّة المهدورة والعبارات المستنكرة -إن لم نقل الهازئة- بطريقة الاقتراع المكشوفة والمرشّح الوحيد والخطب الرئاسيّة المنمّقة.... هي "مخطّطاته التي تستهدف النفط الغربي" أو كما جاء في الأصل الفرنسي:

 "ses visées sur le pétrole occidental"

ما هو هذا "النفط الغربي" وفي أي بلد "غربيّ" يتواجد؟ بالتأكيد ليس في فرنسا ولا في غرب أوروبا. الكلام واضح لا لبس فيه: نفط البلاد العربيّة من العراق إلى الجزائر مروراً بشبه جزيرة العرب هو المقصود "إيّاك أعني واسمعي يا جارة". نفط العرب غربي تماماً كما قناة السويس غربيّة والغرب مستعدّ للقتال في سبيلها كما فعل في عدّة مناسبات متذرّعاً بأنبل الأهداف ورافعاً شعارات الحريّة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان ومندّداً بالإبادة الجماعيّة وقتل الطغاة لشعوبهم واستعمالهم أسلحة الدمار الشامل إلى آخر المألكة-المونولوج الذي عشناه جميعاً. اعتراض الغرب على عبد الناصر لا علاقة له بطبيعة حكومته السلطوية ولا بفساد بعض أفرادها لا كثيراً ولا قليلاً. جريمة الرئيس المصري الوحيدة هنا أنه استهدف أو بالأحرى قد يستهدف "نفط الغرب" أو على أقلّ تقدير مصالح الغرب في نفط الشعوب الضعيفة. بالطبع لم تقتصر هذه العقليّة على الفرنسييّن وعلى سبيل المثال أفرد رئيس الوزراء البريطاني السابق Anthony Eden في مذكّراته فصلاً عن تأميم قناة السويس بعنوان "السرقة"  theft مفترضاً أنّ القناة ملك مشروع للغرب سرقه الديكتاتور المصري نهباً وقنصاً. هناك المزيد من الأمثلة وبعضها معاصر كما نعلم جميعاً. 

رحم الله المطربة السوريّة سحر وأغنيتها الشهيرة "بترول العرب للعرب".   

Sunday, February 16, 2020

Référendum 1958


Tandis que Damas en folie lui faisait un accueil royal, Nasser prononçait devant les notables syriens deux discours prudents. “Une responsabilité formidable pèse désormais sur nos épaules”, a-t-il déclaré. “Nos épaules”, ce sont les siennes. En fait, le chef des “officiers libres” a réalisé son rêve. Il est maintenant à la tête de l'union arabe et précise ainsi ses visées sur le pétrole occidental.



Photo: Paris Match Samedi 8 Mars 1958.

Légende: pas de problème pour les électeurs: bulletin unique, candidat unique. Le scrutin s’est partout déroulé en plein air, sans isoloir ni enveloppes protectrices. 

شكري القوّتلي غداة يوم الوحدة


"كان وجه رئيس سوريا السابق القوّتلي هو الوحيد الصامت في خضمّ الحماس الذي عمّ السورييّن عندما تلاشت سوريا في الأنشلوس الجديد".

Un seul visage taciturne au milieu de l’enthousiasme syrien: celui de Kouatly, l’ancien président d’une Syrie qui vient de disparaitre dans le nouvel Anschluss.

هكذا علّقت مجلّة Paris Match الفرنسيّة في عددها الصادر في الثامن من آذار عام ١٩٥٨. استعمال مصطلح "الأنشلوس" Anschluss الذي ضمّت بموجبه ألمانيا النازيّة النمسا إلى "الرايخ الثالث" عام ١٩٣٨ مقصود بالطبع لتنبيه القارىء اللبيب إلى التشابه بين عبد الناصر وهتلر.  ذهب بعض الكتّاب من المستشرقين إلى حدّ تشبيه خطر عبد الناصر  على الغرب بخطر النبي محمّد (Robert Payne في كتاب "تاريخ الإسلام" على سبيل المثال).



التعليق على الصورة الثانية هو الآتي: "تحوّلت المظاهرات الشعبيّة إلى مهرجان بهيج احتفل فيه الجنود السورييّن بعقيدهم الجديد -أي عبد الناصر- بطريقة غير نظاميّة".

Les manifesations populaires se sont transformées en joyeux carnaval. Les soldats syriens fêtent ici d’une façon peu réglementaire leur nouveau colonel. 

لا مناص هنا من محاولة لوضع النقاط على الحروف للحقيقة والتاريخ. 

*علاقة سوريا مع مصر قديمة منذ تحوتمس الثالث ورعمسيس الثاني. بل لربّما منذ سنوحي قبل أربعة آلاف سنة ولم تقتصر يوماً على الحملات العسكريّة من وإلى دمشق والقاهرة مروراً بالعهد الفاطمي ثمّ النوري فالأيّوبي فالمملوكي. حاربت مصر وسوريا سويّة في ١٩٦٧ و ١٩٧٣ بغضّ النظر عن التفاصيل والمقدّمات والنتائج ومن المفهوم أنّ أي علاقة طويلة الأمد من هذا النوع لا بدّ أن يكون فيها مدّ وجزر.

*صحيح أنّ مبادرة الوحدة أتت من مجموعة من الضبّاط السورييّن الذين تجاوزوا القوّتلي والمؤسّسات السياسيّة السوريّة وذهبوا مباشرة إلى عبد الناصر سعياً للوحدة وأنّهم بهذا وضعوا الرئيس السوري أمام الأمر الواقع. مع ذلك من المبالغة القول أنّ القوّتلي كان معادياً للوحدة خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ الرجل. شكري بك كان -ولسنوات طويلة- مصريّ الهوى ومن المعروف أنّه لجأ إلى مصر عام ١٩٤٩ في أعقاب انقلاب حسني الزعيم وبقي فيها لاجئاً سياسيّاً معزّزاً مكرّماً في ضيافة الملك فاروق ثمّ عبد الناصر إلى أن عاد إلى دمشق بعد سقوط الشيشكلي. ليس ذلك فحسب: مصر كانت ملاذاً للسورييّن الذين أمّوها لأسباب أمنيّة أو اقتصاديّة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. أسماء أبو خليل قبّاني وفريد الأطرش وكثير غيرهم غنيّة عن التعريف. 

*المقارنة مع هتلر تافهة. ألمانيا اليوم عصب أوروبا الاقتصادي والصناعي رغم خسارتها حربين عالميّتين أكلت الملايين من أبنائها ودمّرت مدنها وجرّدتها من مساحات شاسعة من أراضيها طرد أهلها من بلادهم. سوريا ومصر في القرن العشرين وإلى اليوم بلاد ضعيفة محاطة بالذئاب يقتصر همّها -رغم كل "العنتريّات التي ما قتلت ذبابة"- على الدفاع عن نفسها واعتقد أهلها بإخلاص أنّ الوحدة خطوة في سبيل تحقيق هذا الهدف. المقارنة مع النبي محمّد ليست بحاجة إلى تعليق. 

*أقنع الكثيرون أنفسهم أنّ عبد الناصر أدخل الديكتاتوريّة إلى العالم العربي أو كرّسها على أقلّ تقدير. كلّ من يعتقد بذلك -مع كامل احترامي لأصحاب هذا الرأي- يعيش في كوكب آخر لا يمتّ لعالمنا بصلة. الشرق الأدنى والعالم العربي والأمّة الإسلاميّة وما قبلها وما بعدها كانت دائماً وأبداً محكومة من قبل أنظمة سلطويّة منذ أيّام الفراعنة وملوك آشور وإلى العصور الحديثة. جميع الرؤساء والملوك والأمراء والمشايخ اليوم يحكمون بنفس الطريقة واستناداً إلى نفس المبادىء. عندما يتاجر الغرب بالديمقراطيّة ويدين ديكتاتوريّات الأسد وعبد الناصر والقذّافي وصدّام حسين فهو مخطىء في أحسن الأحوال ومنافق كاذب على الأغلب. هل الأنظمة الخليجيّة والمغربيّة والأردنيّة "ملكيّات دستوريّة"؟ 


بانتظار المزيد من الصور مع حيثيّاتها. 

Saturday, February 15, 2020

جمال عبد الناصر


دامت الوحدة المصريّة-السوريّة من ٢٢ شباط ١٩٥٨ وحتّى ٢٨ أيلول ١٩٦١. في ذكرى هذه المناسبة أقوم اليوم بتعريب منشور قصير ظهر في الثامن من آذار عام ١٩٥٨ في مجلّة Paris Match الفرنسيّة دون تعديل باستثناء بعض التعليقات التالية للنصّ الأصلي. أنوي نشر بعض الصور الإضافيّة المتعلّقة بهذا الحدث في الأيّام القليلة المقبلة. 

السيّد ٩٩٪
زواج مصر وسوريا في دمشق

الصورة أعلاه بعدسة René Burri بعنوان: "تهيمن ابتسامة ناصر على رقصة بطن مرتجلة يقوم بها الطلّاب في الشارع احتفالاً بالبكباشي".

عمّ الحبور دمشق إذ استقبلت رئيس الجمهوريّة العربيّة المتّحدة الجديد ناصر استقبال المنتصرين. مع ذلك وصل السيّد ٩٩٪ إلى عاصمة "إقليمه الشمالي"خلسة من الناحية العمليّة والسبب يعود لأولويّة الاعتبارات الأمنيّة. تدفّق مدّ حقيقيّ من الحشود الشعبيّة في الشوارع حاملة صور الرئيس الجديد والرئيس السابق القوّتلي جنباً إلى جنب بمجرّد انتشار الخبر وجلبت الباصات جمهوراً متنوّعاً من كلّ حدب وصوب ومن كافّة أرجاء البلاد إذ نفذ صبر الناس لرؤية الابتسامة الشهيرة -والمقلقة إلى حدّ ما- لصلاح الدين الجديد. 

من الواضح أنّ الكاتب ورئيس تحريره يسخرون من شبه إجماع المقترعين على تأييد الوحدة ومن البدهي أنّ أي نسبة تتجاوز التسعين بالمائة مطعون فيها سيّان كان الاستفتاء في مصر أو سوريا أو العراق وسواء كان الكلام عن عبد الناصر أو الأسد أو صدّام حسين ومع ذلك لا بدّ من إقرار الحقائق -وليس الآراء الشخصيّة- التالية:

أوّلاً: أوّل "سيّد ٩٩٪" على حدّ علمي ليس عبد الناصر وإنّما رأس أوّل إمبراطوريّة فرنسيّة أي نابوليون بونابارت أو نابوليون الأوّل. صوّت "نعم" موافقاّ على "ترفيعه" من قنصل أوّل إلى إمبراطور ٩٩،٩٣٪ من المقترعين وكان ذلك عام ١٨٠٤ أي قبل الوحدة المصريّة السوريّة بقرن ونصف.

ثانياً: بغضّ النظر عن نسبة المؤيّدين أي مراقب منصف لا يملك إلّا الإقرار بأنّ شعبيّة جمال عبد الناصر في أعقاب أزمة السويس عام ١٩٥٦ كانت كاسحة في معظم بلاد الشرق الأدنى ولربّما تجاوزت شعبيّته في سوريا نظيرتها في مصر في أواخر الخمسينات. بالطبع كان هناك من عارض الوحدة من السورييّن وأبرزهم"الخالدين" أي خالد بكداش رئيس الحزب الشيوعي السوري وخالد العظم الذي نعته البعض "المليونير الأحمر" ولكن غالبيّة السورييّن كانت وحدويّة وكم من أسرة شاميّة أسمت وليدها "جمال عبد الناصر" في هذه الفترة. نزار قبّاني عاش ومات ناصريّاً حتّى النخاع شاء من شاء وأبى من أبى إلى درجة أنّه رثا عبد الناصر بقصيدة أسماه فيها "آخر الأنبياء". 

ثالثاً. فرنسا الخمسينات كانت عدوّاً لدوداً لمصر وعبد الناصر والسبب ليس فقط تأميمه لقناة السويس بل أيضاً دعمه لثورة الجزائر. ليس سرّاً أنّ فرنسا تحالفت مع إسرائيل وإنجلترا عام  ١٩٥٦ فيما دعي بالعدوان الثلاثي وليس بخافٍ أنّ لفرنسا الباع الأطول في البرامج النووي الإسرائيلي ومن المعروف أنّ إسرائيل دمّرت الطيران السوري والمصري عام ١٩٦٧ بفضل طائرات الميراج الفرنسيّة الصنع. أذكر تصفّح أحد الكتب الفرنسيّة القديمة ومشاهدة صورة "الديكتاتور المصري جمال عبد الناصر" وعلى الصفحة التالية صورة "البطل الإسرائيلي موشيه دايان". 

للحديث بقيّة. 


  





Monsieur 99%

A Damas marriage Egypte-Syrie



Damas en liesse a fait à Nasser -nouveau président de la République Arabe Unie- un accueil triomphal. “Monsieur 99%” était cependant arrivé -sécurité d’abord- presque incognito dans la capitale de sa “Provinve du Nord”. Mais aussitôt que la nouvelle fut connue, un véritable rax de marée populaire déferla dans les rues. décorées des portraits accolés du nouveau “raïs” et de l’ancien président Kouatly. De tous les points du pays, des autocars bringuebalants amenèrent une foule bigarrée, impatiente de voir de très près le sourire célèbre, mais un peu inquiétant, de son nouveau Saladin. 

Photo René Burri
Légende: le sourire de Nasser préside à une danse du ventre improvisée en pleine rue par les étudiants pour fêter le Bikbachi.