Monday, June 18, 2018

فسيفساء جامع دمشق المفقودة


غطّت الفسفيساءُ سطوحاً أكبر بكثير من جدران جامع بني أميّة الكبير ممّا وصلنا حاليّاً، والدليل ليس شهادات زوّار الجامع من رحّالة القرون الوسطى فحسب، وإنّما أيضاً وصف الفرنسي Henri Saladin للفسيفساء التي زيّنت الجدران الداخليّة للمجاز المعترض في حرم الصلاة عام ١٨٧٩، ولوحة Phené Spiers بالألوان المائيّة قبل حريق عام ١٨٩٣.

مع ذلك، حالفنا الحظُّ ونجا قسمٌ لا بأسَ بِهِ من فسيفساء الوليد، والفضل بذلك يعود بالدرجة الأولى إلى تغطيتِها بطبقةٍ من الجير في العهد العثماني. التاريخ الدقيق لهذه التغطية مجهول، وغاية ما نستطيعُ قَوْلَهُ يقيناً أنّهُ يقع بين عام ١٦٦٤ عندما شاهدها الرحّالة الفرنسي Jean de Thévenot (١)، وعام  ١٨٥٥ عندما أهدانا المبشّر الإيرلندي Porter أوّل وصف علمي لجامع دمشق الكبير مع خريطةٍ مفصّلة. لم يذكر Porter المعروف بدقّتِهِ الفسيفساء، وبالتالي فهو على الأرجح لم يشاهِدها نظراً لاختبائِها آنذاك تحت الطلاء الجيري الذي حماها لعدّة قرون (٢).

دَرَسَ خبير الخطوط القديمة والمؤرّخ السويسري Max Van Berchem الجامعَ بعد حريق ١٨٩٣ المدمّر، وعاينَ بعض الفسيفساء في الجدار الشمالي للمجاز المعترض بعد أن أزالَ الحريقُ الطلاءَ الذي غطّاها، بيدَ أنَّ الفضلَ في كشفِ هذه الفسيفساء يعودُ لأوّل مدير للمعهد الفرنسي في دمشق Eustache de Lorey (٣) بالتعاون مع Marguerite Van Berchem (٤) في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين. كرّس de Lorey وقْتَهُ وجَهْدَهُ للإشراف على كشف الفسيفساء وتأمين التمويل اللازم لعمليّةٍ من هذا النوع، إلى دَرَجةِ المساهمة بمالِهِ الخاصّ. 

تكلّلت جهودُ de Lorey و Van Berchem بكَشْفِ مساحة ٨٧٥ متر مربّع من الفسيفساء في الصحن: جدار المجاز المعترض الشمالي، النهاية الشرقيّة للرواق الشمالي، قبّة الخزنة، والرواق الغربي خصوصاً "لوحة بردى" بطول ٣٤ متر وعرض ٧٫٣ متر. كانت الخطوة التالية بعد كشف الفسيفساء التقاط حوالي ٣٠٠ صورة وثائقيّة بالأبيض والأسود، وتوكيل ثلاثة فنّانين سورييّن، فهمي قبّاني وكمال كلّاس ونظمي خير، بإشراف Lucien Cavro (٥)، بنسخ قطع من هذه الفسيفساء بالحجم الطبيعي والألوان كما وجدوها. بَلَغَ عددُ هذه القطع تسعة، ولربّما كان الهدف أصلاً نسخ الفسيفساء المُكْتَشَفة بكامِلِها. 

آلت ملكيّةُ الصور الفوتوغرافيّة والنسخ الملوّنة إلى متحف Louvre، الذي تَكَفَّلَ بالتعاون مع de Lorey بعرض هذه الكنوز في جولاتٍ في معارض أوروپا والولايات المتّحدة الأمريكيّة ليستمتع بها من لم يستطع زيارةَ الجامع ورؤية الأصول. 

طوى النسيان وزوايا المتحف الفرنسي الصورَ والنسخَ في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى أن "أُعيدَ اكتشافُها" بين الأعوام ١٩٩٩ و ٢٠٠٩. يمتلك اللوڤر اليوم المجموعةَ كاملةً.

كافّة المعلومات أعلاه مأخوذة من كتاب Loreline Simonis في الصورة الملحقة

____________

١. صفحة ٢١٨ من النسخة الإنجليزيّة لكتاب "رحلات". 
٢. لم يقْتَصِر إخفاء الفسيفساء على الجامع الأموي، هناك مثلاً فسيفساء كاتدرائيّة آيا صوفيا في القسطنطينيّة. 
٣. عُيّنَ de Lorey مديراً للمعهد الفرنسي من قِبَل الجنرال Gouraud، أوّل مندوب سامي فرنسي في سوريّا. 
٤. ابنة Max van Berchem. 
٥. مهندس عمارة. 

No comments:

Post a Comment