Friday, March 8, 2019

هيكل دمشق الرومانيّة


هناك خلاف على الطريقة التي تطوّرت فيها دمشق من مدينة كلاسيكيّة (أي هلنستيّة-رومانيّة) في الأزمنة القديمة إلى مدينة العصور الوسطى الإسلاميّة. 

تمتاز المدن الكلاسيكيّة في سوريا (تدمر وأفاميا وجرش وغيرها) بشوارع متعامدة تقسمها إلى مناطق مربّعة أو مستطيلة متناظرة. في حالة دمشق لدينا الشارع المستقيم Via Recta الذي يشكّل محور المدينة من الشرق إلى الغرب أو ما يسمّى تقنيّاً decumanus ويتعامد عليه المحور الشمالي-الجنوبي (شارع باب توما الذي يمتدّ إلى باب كيسان) وتسميته اللاتينيّة cardo ولربّما كان هناك محور مناظر له إلى الغرب ينتهي في الباب الصغير. لدينا أيضاً محور شرق-غرب مصغّر يقع شمال الشارع المستقيم ويتوازى معه يصل بين الساحة (agora أو forum لاحقاً رحبة خالد ابن أسيد) وبين البوّابة الشرقيّة (الرئيسة) لمعبد جوبيتر ويسمّى هذا المحور الطريق المقدّسة أو Via Sacra (لاحقاً سوق الأحد) نظراً لمرور المواكب الدينيّة فيه. 

يرتأي الكثيرون من الأخصّائييّن ومنهم Jean Sauvaget أنّ الأصل هو المدينة الكلاسيكيّة التي توسّعت شرقاً (أي شرق شارع باب توما) حيث سكن الأنباط أو "النيبطون" والتي خضعت لتعديلات جذريّة في العهد الإسلامي (أو لربّما اعتباراً من أواخر العهد البيزنطي) عندما تغلغلت البيوت والمباني في الشوارع العريضة فحوّلتها إلى أزقّة ضيّقة ومتعرّجة ومظلمة لتصبح مدناً شرقيّة "تقليديّة" أو نموذجيّة. 

تحدّى البعض مؤخّراً هذه النظريّة ومنهم Jean-Marie Dentzer ورجّحوا أن تكون المدينة "الكلاسيكيّة" المتناظرة والمستطيلة مرحلة عابرة وثوب خارجي اكتسته المدينة الآراميّة في العهد الهلنستي الروماني دون أن تغيّر جسدها وخلعته في العهد البيزنطي-الإسلامي وبالتالي فوجود الشارع المستقيم والشوارع المنعامدة عليه لا يعني بالضرورة أنّ المدينة بأسرها خضعت لهكذا تنظيم. 

هناك حقائق لا خلاف عليها سواء قبلنا المطارحة الأولى أو الثانية: بقايا المدينة الكلاسيكيّة لا تزال -بعد ألفين من السنوات-  ملموسة والأمثلة عليها كثيرة من الأروقة المعمّدة حول الجامع الأموي إلى الباب الشرقي وآخر ما حرّر اكتشاف المسرح الروماني لدى ترميم بيت العقّاد من قبل المعهد الدانماركي. 

هذا عن دمشق الرومانيّة وكما نرى لدينا كمّ لا بأس به من المعلومات لرسم مسودّة خطوطها العريضة وملامحها الأكثر بروزاً أمّا عن دمشق المملوكيّة -موضوع البحث- فصورتها أكثر وضوحاً بكثير بفضل روايات المؤرّخين (وأهمّها كتابات ابن عساكر ومن نقل عنه وأضاف إليه) والدراسات المبنيّة عليها وآخر ما حرّر كتاب أوقاف الأموي للعام 1413 أو "الصحيح الجامع لصريح الجامع". 

للحديث بقيّة 


Le développement urbain en Syrie à l’époque hellénistique et romaine

Thursday, March 7, 2019

طبوغرافيا ريف دمشق في العصر المملوكي


نعود إلى كتاب (١) "أوقاف الجامع الأموي في دمشق" وموضوع اليوم هو "أعمال دمشق" المفصود بها هنا الغوطة والقلمون والبقاع وحوران. للجامع الأموي أوقاف أو على الأقلّ كان له أوقاف في جميع هذه المناطق أو الأقاليم إضافة لأوقافه في المدينة داخل السور وبعض هذه الأوقاف كانت لا تزال مصدر ريع للجامع حتّى عام ١٩٠٨. يحسن هنا الإشارة إلى وجود أوقاف لبعض أوابد القاهرة المملوكيّة في الشام وقتها. 

أضاف كتاب-مخطوط "الصحيح الجامع لصريح الجامع" الكثير من المعلومات المجهولة سابقاً عن دمشق وأعمالها في العهد المملوكي مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه لا يغطّي إلّا أجزاءً معيّنة من الشام والسبب بسيط: لا جدال أنّ وقف الأموي هو الأكبر في دمشق بلا منازع ولكن هذا لا يعني أنّ كافّة الأملاك والأراضي كانت موقوفة ناهيك عن وجود العديد من الأوقاف للجوامع والمدارس وغيرها لا علاقة لها بالأموي. "الصحيح" أوّلاً وآخراً جرد لأوقاف الأموي فقط. ومع ذلك كميّة ونوعيّة معطياته والمعلومات المستنبطة منها تثير الدهشة كما سنرى. 

تاريخيّاً أهملت معظم المصادر ضواحي دمشق خارج السور وغوطتها وكان وصفها في أضيق الحدود. يلخصّ الفريق الفرنسي المكوّن من العلماء Astrid Meier و Élodie Vigouroux و Mathieu Eychenne أهمّ هذه المصادر كما يلي:

دليل (٢) Baedeker لفلسطين وسوريا
خارطة (٣) طبعة عام ١٨٧٦ (الطبعة الإنجليزيّة الأولى) هي الأولى من نوعها لمواقع غوطة دمشق واعتمد عليها مؤلّفو كتاب "أوقاف الجامع" قيد البحث. 

كتاب (٤) "الطبوغرافيا التاريخيّة لسوريا في العصور القديمة والوسطى"
المؤلّف René Dussaud والكتاب صدر عام ١٩٢٧ ويغطّي سوريا في عهد الانتداب بما فيها لبنان واسكندرون وليس فقط غوطة وريف دمشق. الكتاب موسوعي وفريد من نوعه لمؤلّف ألمعي ذو نتاج متميّز كمّاً ونوعاً. مضى أكثر من تسعين عاماً على هذا العمل الرائد ولا يوجد على حدّ علمي منافس له في دقّته وشموليّته ومرجعيّته وإسناده حتّى الآن. 

هناك أيضاً مؤلّفات وخرائط العلماء السورييّن صلاح الدين المنجّد ومحمّد أحمد الدهمان. 

كتاب (٥) "ضواحي دمشق" للعلماء Luc Vilan و Yves Roujon
مرجع لاغنى عنه يعالج ضواحي دمشق التاريخيّة خارج السور أي الصالحيّة وساروجا (المتضرّر الأكبر والضحيّة الأولى لخطّة (٦) Ecochard و Banshoya) والعمارة والقنوات والشاغور والميدان. 

الخريطة الملحقة لتوضيح أماكن تواجد أوقاف الأموي: 
المستطيل المركزي الصغير للمدينة والغوطة ومحيطهما المباشر.
المستطيل في الأعلى للقلمون (جبّة عسّال).
المستطيل في الأسفل لحوران.

للحديث بقيّة. 


1






Wednesday, March 6, 2019

طبوغرافيا دمشق المملوكيّة


لدينا اليوم فكرة لا بأس بها عن تخطيط وهيئة دمشق في القرون الوسطى بفضل سلسلة من الدراسات الرائدة بداية من أواخر القرن التاسع عشر ونهاية بكتاب "أوقاف الجامع الأموي في دمشق" الصادر عام ٢٠١٨ لمؤلّفيه الفرنسييّن Astrid Meier و Élodie Vigouroux و Mathieu Eychenne. فلنستعرض بسرعة بعض أهمّ مصادر هذه الأبحاث. 

الدراسات الطبوغرافيّة
أقدم هذه المصادر كتاب "تاريخ مدينة دمشق" للحافظ ابن عساكر (مات ١١٧٦) الذي حرص فيه على تسمية مساجد وحمّامات وأقنية وأبواب ومقابر المدينة مع تحديد مواضع هذه الأوابد. سار اللاحقون على خطى ابن عساكر وأضافوا إلى ما بدأه ومنهم ابن شدّاد (مات ١٢٨٥) في كتاب "الأعلاق الخطيرة" والنعيمي (مات ١٥٢١ أو ١٥٢٣) صاحب "الدارس في تاريخ المدارس" والعلموي (مات ١٥٧٣) في "مختصر الدارس" وغيرهم. 

الأخبار والتوريخات والتراجم

روايات الرحّالة 
مثلاً ابن جبير (مات ١٢١٧) وابن بطوطة (مات ١٣٦٩ أو ١٣٧٧) ويمكن هنا إضافة معجم ياقوت الحموي (مات ١٢٢٩) وكتابات ابن طولون (مات ١٥٤٦).

الدراسات الحديثة 

ترجمة Sauvaire لمختصر الدارس إلى الفرنسيّة تحت عنوان "وصف دمشق" أو Description de Damas وكان هذا ١٨٩٤-١٨٩٦.

كتاب "دمشق دولة إسلاميّة" أو Damaskus die Islamische Stadt بالألمانيّة لعالم الآثار Watzinger بالاشتراك مع مهندس العمارة Wulzinger عام ١٩٢٤. قام هذان الباحثان برسم خريطة مفصّلة لدمشق داخل السور أصبحت أساساً ونقطة انطلاق للدراسات اللاحقة.

أعمال الفرنسي Jean Sauvaget الذي حاول التوفيق بين الآثار نفسها كشواهد حيّة والنقوش الكتابيّة والنصوص التاريخيّة والمسح العقاري الذي جرى عام ١٩٣٠ في زمن الانتداب. 

الترجمة الفرنسيّة لكتاب ابن عساكر "خطط دمشق" La Description de Damas من قبل Nikita Elisséeff ولهذا العمل أهميّة خاصّة وإليه يعود الفضل في اقتراح خريطة مفصّلة لدمشق القرن الحادي عشر بناءً على وصف ابن عساكر وأبحاث أسعد طلس وصلاح الدين المنجّد. حاول Elisséeff تصحيح وتعديل خريطة Watzinger و Wulzinger عن طريق حذف الإضافات المستجدّة في العهد العثماني بهدف تصوّر المدينة الأصليّة في العهد النوري.

دراسة Dorothée Sack بالألمانيّة واعتمدت في خرائطها على Watzinger و Wulzinger في محاولة لتلافي التغييرات التي طرأت على المدينة القديمة في أعقاب القصف الفرنسي عام ١٩٢٥. 

إذاً يمكن اعتبار كتاب "أوقاف الجامع الأموي" علم ٢٠١٨ آخر حلقة في سلسلة طويلة من الدراسات الطبوغرافيّة عن المدينة العريقة. يجدر هنا التنويه أنّ الغالبيّة العظمى من الأبحاث المذكورة أعلاه تتناول دمشق داخل السور فماذا عن الضواحي والغوطة؟ 

للحديث بقيّة. 




http://bornindamascus.blogspot.com/2017/03/blog-post_21.html 

http://waqfeya.com/book.php?bid=10660

http://bornindamascus.blogspot.com/2017/11/blog-post_14.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2017/11/blog-post_15.html

https://archive.org/details/in.ernet.dli.2015.69523/page/n3

http://bornindamascus.blogspot.com/2017/03/damaskus.html

https://www.worldcat.org/title/damaskus-entwicklung-und-struktur-einer-orientalisch-islamischen-stadt/oclc/20996722

Tuesday, March 5, 2019

تمويل الجامع الأموي وتطوّر مؤسّسة الوقف


كلّف بناء الجامع الأموي في عهد الوليد الأوّل ثرواتٍ طائلةً كما يخبرنا الحافظ ابن عساكر (مات ١١٧٦) ومن نقل عنه ومن البدهي أنّ هذا كان مجرّد نقطة علّام في عمر دار العبادة الأوّل في دمشق الذي تجاوز ١٣٠٠ سنة (إذا اقتصرنا على العصور الإسلاميّة) ونحو ثلاثة آلاف سنة (إذا أخذنا الأزمنة السابقة للإسلام بداية بالآرامييّن ونهاية بالبيزنطييّن بعين الاعتبار). تعرّض الجامع كما يعرف الدمشقيّون إلى العديد من الكوارث التي تطلّبت إعادة بنائه -أحياناً من شبه الصفر- كان آخرها حريق ١٨٩٣ الذي تركه قاعاً صفصفاً ولا جدال أنّ المحافظة على الجامع برونقه وسدّ احتياجات القائمين عليه يحتاج إلى مقدار هائل من المال حتّى مع افتراض غياب الزلازل والحرائق والفيضانات والنوائب طبيعيّة كانت أو من صنع البشر. من أين أتت هذه الأموال؟

ظهرت أوّل إشارة لمصطلح الوقف في النصوص الفقهيّة التي تعود للقرن التاسع الميلادي أمّا عن تمويل جامع بني أميّة فكان بيت المال مصدره الرئيس حتّى القرن الحادي عشر ويأتي هذا المال من ضرائب الخراج والجزية على الذميّين وينفق كما يلي:

- سدّ الثغور (الدفاع).
- بناء الجوامع والحصون.
- بناء القناطر والجسور.
- دفع رواتب العمّال والقضاة والعلماء والعسكر.  

الوقف إذاً تطوّر فيما بعد وكان معروفاً عندما كتب ابن عساكر تاريخه الشهير لمدينة دمشق الذي حدّد لنا به المساجد ذات الوقف ومنه نستنتج وجود مساجد لا تتمتّع بالأوقاف وتستند في تمويلها على مصادر ثانية وثالثة. 

يخبنا أبو شامة صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النوريّة والصلاحيّة (مات عام ١٢٦٨) عن جهود نور الدين زنكي (مات ١١٧٤) لحمع المال بغية ترميم أسوار دمشق ومجابهة الصليبييّن عندما ارتأى الفقهاء بعدم جواز استخدام الأموال الموقوفة في هذا الصدد وإن جاز استعمال ما يسمّى بمصالح المسلمين الغير مشمولة بالأوقاف. يتابع أبو شامة فيسمّي هذه "المصالح" فمنها ما اعتره ميراثاً من بني أميّة ومنها اشتري من قبل الأوقاف ومنها أوقافاً مجهولة المالك ومنها أبنية على الطرقات والساحات العامّة. 

نفهم عندما نتكلّم عن الوقف في العهد العثماني وجود صكّ "وقفيّة" كتبت وسجّلت لدى قاضٍ تسمّي الواقف (مؤسّس الوقف) والموقوف (الأملاك المرصودة والمجمّدة لمصلحة الوقف) والأشخاص (في حالة الأوقاف الذريّة) أو المؤسّسات المستفيدة أو الموقوف إليه وشروط توزيع الريع ومدير الوقف أي الناظر أو المتولّي. 

لا ريب أنّ إدارة مؤسّسة بحجم وأهميّة الجامع الأموي عمليّة معقّدة تتطلّب مؤهّلات خاصّة وأنّ مشرفاً أو مشرفين على الجامع تولّوا إدارته بناءً وأثاثاً وأفراداً منذ البدايات ونجد في بداية العهد الفاطمي ( الذي دام من ٩٦٩ إلى ١٠٧٦) ذكراً "للمتولّي لإمارة الجامع من قبل القضاة". مع دخول السلاجقة إلى سوريا ودمشق في أواخر القرن الحادي عشر حلّ المذهب السنّي محلّ الشيعي-الاسماعيلي وحبّذ الحكّام الجدد المذهب الفقهي الشافعي وصعد بالتالي نجم كبير القضاة الشافعي واستمرّ في العهود اللاحقة الأتابكيّة والأيّوبيّة إذ آلت إلى هذا القاضي مهمّة تعيين ناظر وقف الأموي وشغل أعيان وعلماء دمشق منصب الناظر هذا حتّى عام ١٣٦٦ وكان أكثرهم من الشافعيّة يليهم الحنفيّون فالمالكيّون.

أصبح ناظر الأموي في العصر المملوكي أكثر من مجرّد مفوّض من القاضي الشافعي وانتقلت نظارة الجامع في ستّينات القرن الرابع عشر من علماء دمشق إلى نوّاب السلطنة من مماليك الأتراك الذين اعتمدوا باانتيجة على "نائب الناظر" وكان أوّل ناظر خصي للجامع -حسب المعلومات في حوزتنا- سنبل الطواشي الذي عيّنه السلطان عام ١٤٢٤. 

الخلاصة للجامع الأموي أوقاف منذ عهد نور الدين على الأقلّ ومع الأسف لم يعطنا أبو شامة أي تفاصيل عنها وإن وجدنا كثيراً من الأملاك التي وصفها بالمصالح مدرجة لاحقاً في وقف ١٤١٣.

للحديث بقيّة. 



http://bornindamascus.blogspot.com/2019/03/blog-post.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2019/03/blog-post_3.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2019/03/blog-post_4.html

Monday, March 4, 2019

كتاب أوقاف جامع دمشق الأموي


بعد التمهيد والمقدّمات قام العلماء الفرنسيّون السيّدتان Astrid Meier و Élodie Vigouroux والسيّد Mathieu Eychenne  بتقسيم المجلّد الصادر عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى إلى أربعة أجزاء رئيسة كما يلي:

الجزء الأوّل
كرّس معظمه (حوالي ١٤٠ صفحة) "للصريح" أي كشف أوقاف الأموي التي بلغ عددها ٣٣٧ منها ما هو داخل دمشق ومنها ما هو ظاهرها (أي خارجها) في الغوطة والبعض في القلمون وبعلبك وحوران أو ما سمّي وقتها "أعمال دمشق". كل بند من البنود (أي كل وقف) مذكور بالعربيّة نقلاً عن المخطوط بعد تحقيقه وضبطه على صفحة، مع الترجمة الفرنسيّة على الصفحة المقابلة. جهد واضعو "الصريح" في تحديد المعالم بدقّة أكثر من معقولة فمثلاً حدود كل بستان من بساتين الغوطة مذكورة بداية من الجنوب فالشرق فالشمال فالغرب وكذلك الوضع بالنسبة للقيساريّات والحوانيت والأسواق داخل سور المدينة إلى آخره. لهذا أهميّة بالغة من الناحية الطبوغرافيّة-التاريخيّة كما سنرى.

الجزء الثاني
مجموعة من المقالات (حوالي ١٢٠ صفحة) باللغة الفرنسيّة عن بدايات الوقف وتطوّره وتمويل الجامع قبل اعتماد هذا الوقف وبعده وإدارة هذا الجامع والنواحي القانونيّة والفقهيّة المتعلّقة مع دراسة طبوغرافيّة لدمشق القرن الخامس عشر المملوكيّة انطلاقاً من الوقف واستناداً على المعطيات التي سبقته من ابن عساكر وغيره. يلحق بالبحث عدد من الخرائط التوضيحيّة التي سأتعرّض لها بالتفصيل قريباً.

الجزء الثالث
حوالي مائة وأربعين صفحة أهمّ ما فيها معجم أبجدي للأماكن والمعالم المذكورة بالوقف يعرّف بها وبتاريخها وموقعها ويقارن ما جاء في الوقف مع المصادر التاريخيّة المتوافرة وسرد الرحّالة من الشرق والغرب إضافة إلى الدراسات المعاصرة. كل بند مذيّل بثبت المراجع وكلّ المعلومات بالفرنسيّة باستثناء اسم الموقع المزوّد باللغتين العربيّة والفرنسيّة.

الجزء الرابع 
حوالي ١٧٠ صفحة هي صورة طبق الأصل لمخطوط "الصريح".

علاوة على كلّ هذا يحتوي الكتاب على العديد من الفهارس والجداول والمخطّطات مع عدد من الصور الملوّنة الرائعة بعدسة الفنّان الأستاذ عصام حجّار. 

للحديث بقيّة. 




Sunday, March 3, 2019

الصحيح الجامع لصريح الجامع


يحسن توضيح بعض النقاط قبل الدخول في محتويات وثيقة أوقاف الجامع الأموي وأبدأ بتعريف كلمة "صريح" ومرادفها هنا "كشف" أو جرد". إذاً المخطوطة هي بالدرجة الأولى جرد لأوقاف الجامع (خارج وداخل مدينة دمشق كما سنرى) ومن المعروف أنّ هذه الأوقاف كانت الأضخم والأغنى والأكثر من نوعها في دمشق ولربّما في بلاد الشام قاطبة. لا غرابة في ذلك إذا تذكّرنا أنّ الجامع الأموي والكنيسة والمعابد التي سبقته في نفس الموضع تختزل تاريخ دمشق. 

رأينا في مقال الأمس أنّ الوثيقة-المخطوطة تعود لمطلع العهد العثماني وعام ١٥١٨ (أي بعد سنتين من مرج دابق وانتصار سليم الأوّل على قانصوه الغوري) ولكن هنا يتعيّن التنويه أنّها نسخة عن وثيقة أصليّة أقدم منها بقرن من الزمن وتمّ تحريرها تحديداً عام ١٤١٣ للميلاد في عهد السلطان المملوكي المؤيّد شيخ فهي بالتالي تعكس الوضع كما كان في أواخر القرون الوسطى بعد سنوات قليلة من استباحة دمشق من قبل تيمورلنك وأجلافه وأهميّتها وقتها بالدرجة الأولى اقتصاديّة-ضريبيّة وإن كشفت لباحث اليوم تفاصيلاً ومعطياتٍ ثمينةً -بعضها غير معروف سابقاً- قانونيّة وجغرافيّة وطبوغرافيّة. 

أبعاد الوثيقة-النسخة التي أودعت في المعهد الفرنسي تبلغ ٣٠ سم x ٤٢ سم وصورتها بالكامل ملحقة في كتاب "أوقاف الجامع الأموي في دمشق" الذي شغلت منه أكثر من سبعين صفحة مزدوجة بينما تجاوز عدد صفحات المخطوطة الأصليّة (المفردة) ضعفيّ هذا الرقم. 

أمر بتحرير الصريح الأمير سيف الدين أرغون شاه العادلي أستدار العالية الذي كان ناظر الجامع الأموي بداية من عام ١٤٠٨ وهو على الأغلب الأمير سيف الدين أرغون شاه النوروزي الأعور (مات عام ١٤٣٧).  لم تخضع المخطوطة لأيّ تعديل منذ تحريرها في العهد المملوكي باستثناء إضافة التوقيع تلو التوقيع بهدف تصديقها من قبل القضاة (على اعتبار أنّ الصكّ يحتفظ بصلاحيته ما دام القاضي الذي صدّقه على قيد الحياة) وبوجود الشهود العدل. خلاصة القول جرى تصديق "الصريح" ١٢ مرّة بين ١٤١٣ و ١٥١٨ و ١٩ مرّة بين هذا التاريخ الأخير وعام ١٨٦٠ ومن المدهش أنّ الكثير من الأراضي المذكورة به كانت لا تزال تدرّ ريعاً للجامع حتّى عام ١٩٠٨ ينفق على الصيانة والإنارة والترميم والمؤذّنين والمقرئين والعلماء والفقهاء والخطباء وهلمّجرّا. بلغ عد الأملاك المذكورة في الكشف ٣٢٠ معظمها في دمشق والغوطة وبعضها في حوران والبقاع والقلمون أو ما يمكن تسميته "أعمال دمشق".  

نسخة ١٥١٨ كانت على الأغلب مخصّصة كمرجع لاستعمال الجامع كونها لا تحتوي على توقيع القاضي وقتها ولكن التصديقات التالية التي استمرّت حتّى عام ١٨٦٠ أصليّة. الخطّ المستعمل خليط من النسخي والثلث.

للحديث بقيّة. 



Saturday, March 2, 2019

ضياع سجلّ أوقاف الجامع الأموي


بدأت القصّة في أواخر سبعينات القرن العشرين عندم اكتشف السيّد بسّام الجابي بمحض الصدفة مخطوطة كشف وقفيّة جامع بني أميّة الكبير في أحد مكاتب هذا الجامع وكان ذلك عندما كان في سبيله لتوثيق أرشيف تمويل الأموي في مطلع القرن العشرين.

كان للسيّد الجابي وقتها اتّصالات مع المعهد الفرنسي للدراسات العربيّة في دمشق (حاليّاً المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) وأدرك على الفور خطورة اكتشافه فقام بناءً عليه بإخطار المعهد واستصدار إذن من إدارة الجامع بتصوير المخطوط الثمين وإعطاء نسخة منه إلى المعهد الفرنسي بنيّة نشره وتحقيقه بالاشتراك مع الأستاذة سراب أتاسي والزميل الفرنسي الأستاذ Jean-Paul Pascual وكلاهما وقتها أمناء علمييّن في المعهد المذكور. 

لسبب ما بقي المشروع في مراحله الأوّليّة ونام لفترة ثلاثين عاماً في غياهب النسيان حيث كانت مراجعته والاطّلاع عليه محصورة لنزر يسير من البحّاثة والأخصّائييّن. دام هذا الوضع حتّى أواخر تسعينات القرن الماضي عندما انضمّت الأستاذة Astrid Meier إلى فريق العمل وأخذت بعد الحصول على موافقة المجموعة الأصليّة مبادهة إحياء المشروع بالاشتراك مع الأستاذة Élodie Vigouroux والأستاذ Mathieu Eychenne وتوّجت جهودهم بالنتيجة عام ٢٠١٨ بعد سنوات من العمل الدؤوب في مجلّد ضخم تتجاوز عدد صفحاته السبعمائة ويبلغ وزنه ثلاثة كيلوغرامات بعنوان "أوقاف الجامع الأموي في دمشق". 

جرى العمل من ألفه إلى يائه استناداً إلى النسخة التي ائتمن الأستاذ بسّام الجابي المعهد الفرنسي عليها مشكوراً أمّا عن الأصل الذي يعود لعام ١٥١٨ فقد فقد بقدرة قادر ولربّما إلى الأبد. يحقّ للمرء أن يتسائل عن الكيفيّة التي تمّ بها فقدان وثيقة تاريخيّة من هذا النوع وبهذه الأهميّة يقارب عمرها خمسمائة سنة في أواخر القرن العشرين هكذا دون تفسير ويتلاشى العجب إذا تذكّرنا الطريقة الهمجيّة التي عوملت بها الأوابد السوريّة في عهد الاستقلال وكم منها هدم وكم منها أهمل ليتداعى ويتهاوى ولا داعي لذكر الأمثلة فهي أكثر من كافية ويحضرني هنا القول المأثور في كتاب كليلة ودمنة "إنّ أرضاً تأكل جرذانها الحديد ليس بعجب أن تختطف بزاتها الفيلة". 

صورة الغلاف الملحقة من مجموعة بدر الحاجّ لدمشق عام ١٨٧٠. 

للحديث بقيّة.