Wednesday, May 10, 2017

تحديث دمشق العثمانيّة



يعود الفضل في هذه الدراسة الرائدة لمدينة دمشق بين الأعوام ١٨٠٨-١٩١٨ إلى المعهد الدانماركي في دمشق والدكتور Stefan Weber، أخصّائي ألماني في الدراسات الشرق أوسطيّة من Freie Universität Berlin، ومدير متحف الفنّ الإسلامي في برلين، ناهيك عن العديد من المناصب الأكاديميّة في عدّة مؤسّسات. يتوزّع هذا الكتاب الضخم الصادر عام ٢٠٠٩ على مجلّدين يتجاوز عدد صفحاتِهِما الألف، بما فيها المئات من الصور التاريخيّة معظمُها بالأبيض والأسود مع العديد من الصور الحديثة الملوّنة للمقارنة. يبلغ وزن الكتابين حوالي خمسة كيلوغرامات.

يبدأ الجزء الأول بمحاولات الدولة العثمانيّة اللحاق بركب التطوّر الناجم عن الثورة الصناعيّة وتداعياتها في الغرب، عن طريق تطوير مؤسّسات الدولة وتعزيز السلطة المركزيّة، بدايةً مع التنظيمات، مروراً بعهد السلطان عبد الحميد الثاني، ونهايةً بجمعيّة الاتّحاد والترقّي وتركيّا الفتاة والحرب العظمى. أدّت مأساة ١٨٦٠ إلى المزيد من التدخل الأوروپي، وفي نفس الوقت إلى إحكام قبضة القسطنطينيّة على ما تبقّى من ممتلكاتِها في الشرق الأدنى، وصعود وجوه جديدة نسبيّاً من نخبة السورييّن - بما فيهم الدمشقييّن المَعنييّن بالدراسة - ليساهموا في هذه التطورّات التي انعكست في منشئاتِ المدينة وبنيتِها التحتيّة وبيوتِها الخاصّة والمجتمع الشامي بمختلفِ مكوّناتِهِ.

انتقل المؤلف بعد هذه المقدّمة إلى تقديم عددٍ من أهمّ شخصيّات هذه الفترة، ونبذةٍ عن خلفيّتهم: آل اليوسف والبارودي والقوّتلي ومردم والعابد، ومن ثمّ التعريف بدورِ قناصل الغرب (منهم من كان محليّاً كميخائيل مشاقة)، والتعرّض للمؤسّسات الجديدة والأشغال العامّة، كالمشافي والطرقات والإنارة والمواصلات وجرّ المياه. نجم عن زيادة عدد سكّان المدينة الحاجة إلى بناءِ أحياءٍ جديدة كالمهاجرين، والتوسّع حول محاورٍ قديمة كطريق الصالحيّة. انتقل مركز المدينة إلى الغرب وساحة المرجة التي طوّقتها الأبنيةُ الحديثة، كدار البلديّة والسرايا والبريد ودار العدل.

يبحث الفصل التالي في أسواق المدينة الجديدة أو المُجَدّدة، من مدحت باشا إلى الحميديّة، مروراً بأسواق علي باشا (ساحة المرجة) والخجا، دون إغفال الخانات التاريخيّة. عرّج الكاتبُ بعدها على الأبنية التجاريّة (العابد) والمصارف والفنادق والوكالات ممّا لا يتّسع المجال لتفصيله في هذه السطور.

خصّص الدكتور Weber حوالي نصف الجزء الأول لبيوت دمشق، وتطوّرِها من النموذج التقليدي المتمركز حول الديار والبحرة والإيوان، إلى "القونق" (نموذج يحتوي على "صوفا" وسقف قرميدي وواجهة كبيرة النوافذ تطلّ على الشارع)، نهايةً بالعمارات والشقق السكنيّة. تعرّض الكاتب بالتفصيل إلى التأثيرات الأوروپيّة التي وصلت دمشق عبر القسطنطينيّة، كالباروك والروكوكو. هناك حيّزٌ لا بأس به للتغييرات في أثاث البيوت والأزياء والألقاب والإيتيكيت وغيرها.

الجزء الثاني والأكبر من الكتاب "كاتالوج" مبوّب لبنوك المدينة، وحمّاماتِها، وجسورِها، ومقاهيها، ومسارِحِها، ودورِ عبادتِها، وقنصليّاتها، ومبانيها التجاريّة، ومؤسّساتها التعليميّة، وسُبُلِها، ومشافيها، وفنادِقِها، وشوارِعِها، وسككِها الحديديّة، وأخيراً - وبالتأكيد ليس آخراً - بيوتِها التي تشغل أكثر من نصف هذا المجلد.

حاول المؤلّف قدر الإمكان أن يغطّي معالم هذه الحقبة، بما فيها الدارس طالما كان مذكوراً في المصادر التاريخيّة. يتلخّص منهج البحث بذكر موقع البناء على الخريطة، وبانيه ومجدّده، والعهد الذي بُني أو جُدّد فيه، ووصف مختصر للبناء (مع صورة إذا توافرت) كما كان، وإعطائه علامة أو درجة حسب أهميّته (هامّ أو بالغ الأهمية إلخ). يختمُ الكاتب سَرْدَهُ دوماً بتحديد الوضع الراهن للبناء: حالتُةُ جيّدة، موجود ولكنّه آيل للتداعي، أم شَمَلَهُ معول الهدم.

خلصَ المؤلّفُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ دمشق، في المائة عام الأخيرة من العهد العثماني، بقيت مدينةً فريدةً تطوّرت وتجدّدت بأسلوبِها الخاص دون أن تتحّول إلى مدينة أوروپيّة، على الرغم من التأثير الغربي المتعاظم، والضغوط الخارجيّة، والتغيرّات الكبيرة التي نالت نسيجها العمراني.

Saturday, May 6, 2017

ملامح دمشق الرومانيّة


اعتقد معظمُ المؤرّخين أنّ دمشق الرومانيّة تمتّعت بشوارعٍ مستقيمة، تقاطعت طولاً وعرضاً لتشكّل زوايا قائمة، على غرار العديد من المدن الكلاسيكيّة (الهلنستيّة - الرومانيّة)، كما في أنطاكية وأفاميا وجرش. قارَبَ شكلُ المدينةِ، حسب هذه الفرضيّة، المستطيل، مقارنةً مع الهيئة البيضويّة لدمشق داخل السور كما نعرِفُها اليوم. مع مرور الزمن وبدايةً بالعهد البيزنطي، ضاقت شوارع المدينة وتعرّجت واتّخذ نسيجُها العمراني بالتدريج هيئَتَهُ التي حافظ عليها حتّى القرن العشرين.

شكّك مُساهِمان فرنسيّان، (Jean-Marie Dentzer و Olivier Aurenche) في عدد مجلّة الدراسات الشرقيّة الصادر عام ٢٠٠٠، في هذه المسلّمات، وطرحا عوضاً عن ذلك فكرةً جديدةً، مفادُها أنّ الفترة اليونانيّة - الرومانيّة كانت، على الرغم من امتداددِها على مئات السنوات، مرحلةٌ عابرةٌ وشاذّة في تطوّر المدن السوريّة عبر آلاف السنين، وأنّ "المدينة العربيّة" استردّت بكل بساطة شكل "المدينة الشرقيّة" قبل العهد السلوقي.


لدينا، مهما كان الأمر، من المعالمِ والأنقاض ما فيه أكثر من الكفاية لإعطاء صورة أمينة عن دمشق الرومانيّة، وعلى هذا الأساس، تمكّن الألمانيّان Watzinger و Wulzinger قبل مائة عام، من رسمِ خريطةٍ للمدينة، لا تزال مع بعض التعديلات اللاحقة، معتمدةً وموثوقةً إلى اليوم.



- اتّسعت دمشق الرومانيّة لتشغل كامل المساحة داخل السور كما نعرفها اليوم أو تكاد. بلغت أبعاد أضلاع المستطيل الذي شكّل سور المدينة ١٣٤٠ متر طولاً، و ٧٥٠ متر عرضاً، واخترقَتهُ سبعةُ أبواب.

- المحور الأطول للمدينة من الشرق إلى الغرب هو الشارع المستقيم Via Recta، بطول ١٥٠٠ متر على وجه التقريب. سُمّيَ المحور الشرقي - الغربي لأي مدينة في العهد الروماني decumanus، أمّا الشوارع المتعامدة عليهِ من الشمال إلى الجنوب فدُعِيَت cardo. يمثّلُ الأخيرة في دمشق الشارع الذي فَصَلَ ما كان وقْتَهَا حيّ الأنباط شرق المدينة عن بقيّتها، ويوافق إلى حدٍّ كبير شارع باب توما حاليّاً. هناك أكثر من cardo في المدينة.

- امتدّ الشارع المستقيم من الباب الشرقي شرقاً، إلى باب الجابية غرباً، وبلغ عرضُهُ قرابةَ ٢٦ متراً، منها ١٣ متر لمنتصف الشارع والباقي مقسومٌ بين رواقين مسقوفين، أحدهما شمالي والثاني جنوبي. ملكت دمشق محوراً آخر من الشرق إلى الغرب أقصر وأقدم من الشارع المستقيم: القيمريّة أو الطريق المقدّسة Via Sacra الذي وَصَلَ البوابّة الشرقيّة لهيكل المشتري مع ساحة المدينة، أو ما سُمّيَ forum في عهد الرومان و agora في العهد الهلنستي.

- جُرّت المياه إلى المدينة عن طريق نهر أو قناة القنوات.

- وَقَعَ الحصن أو المعسكر الروماني castrum شمال غرب المدينة، واحتلّ قسماً من المكان الذي تشغَلُهُ حاليّاً قلعة دمشق الأيوبيّة (شكّك الباحثون لاحقاً في وجود هذا الحصن، ومنهم Sauvaget الذي سلّم به في البداية وأعاد النظر فيما بعد).

- تواجد المسرح الروماني جنوب الشارع المستقيم، بين خان سليمان باشا وجامع هشام. يشغل بيتا العقّاد (المعهد الدانماركي) وحورانيّة قسماً من مكانِهِ حاليّاً. بلغ قطر المسرح ٩٣ متراً، واتسّع لعددً من الناس تراوح بين السبعة إلى التسعة آلاف.


- صرح دمشق الأكبر والأهمّ بلا منازع معبدُها (لا يزال الجامع الأموي الأوّل بين معالم المدينة، بيد أنّهُ أصغر مساحةً من قلعتِها الإسلاميّة). للمقارنة ناهزت مساحة هيكل المشتري وملحقاتِهِ، ضمن سورِهِ المزدوج ١١٧٠٠٠ متر مربّع لقاء ١٦٠٠٠ متر مربّع لجامع بني أميّة الكبير، وبلغت أبعادُ سورِهِ الخاجي ٣٨٠ متر في ٣١٠ متر، لقاء ١٥٥ متر في ١٠٠ متر للجامع الأموي، الذي يعادل تقريباً مساحة المعبد الروماني الداخلي.


الخريطة عن Wulzinger و Watzinger.

Wednesday, May 3, 2017

مجلّة الدراسات الشرقيّة



صدر العدد الأوّل من مجلّة الدراسات الشرقيّة عن معهد دمشق الفرنسي عام ١٩٣١، وتضمّن سبع مقالات تعرّضت لمواضيع متباينة، جميعُها بالفرنسيّة. أحدُ هذه المقالات دراسةٌ عن اثنين من مكوّنات دمشق: حيّ الأكراد والحيّ المسيحي في باب مصلّى، للمستشرق والمؤرّخ Richard Thoumin، الحائز على وسام جوقة الشرف. لا تزال هذه المجلة حيّةً، تُنْشَر سنويّاً أو كل عامين. كتب الكثيرون من الباحثين الأجانب والمحلييّن في صفحاتِها سابقاً ولاحقاً، منهم Sauvaget و Écochard وElisséeff و Bianquis وعبد الكريم رافق وعبد القادر الريحاوي وألبرت حوراني وغيرهم. كانت جميع المقالات في البداية فرنسيّة اللغة، ومع مرور السنوات أُضيفت أعمالٌ بالإنجليزيّة والعربيّة وغيرها من اللغات الحيّة. أبحاثُ المجلّة واسعة النطاق، من علوم الآثار، إلى الفنّ، والموسيقى، والأدب، والشِعر، والتراث الإسلامي والعربي. باختصار كان هذا المنشور ولا يزال، منجماً من الذهب للمهتمّين بالدراسات الشرقية من هواةٍ ومحترفين.

خُصِّص العدد الحادي والستّون، الصادر عام ٢٠١٢، بالكامل لمدينة دمشق في القرون الوسطى والعهد العثماني. جميعُ مقالاتِهِ بالفرنسيّة والإنجليزيّة، توزّعت على قرابة ستمائة من الصفحات. ذُيِّلَ هذا العدد بملخّصات abstracts لكل مقال بالعربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة. تناولات الدراسات مواضيعاً متعدّدةً ومتباينة، منها تنقيب ومعالم سور المدينة وقلعتها وفسيفساء جامعها الكبير، ومنها ما بَحَثَ في نسيج دمشق العمراني في العهدين المملوكي والعثماني، ومنها ما تحدّثَ عن حدائقِها ومقاصِفِها ومنتزهاتِها ومقاهيها، ومنها ما عالج فقهَ توزيع مياهِها، وهلمّجرّا. تفاوتت لغة المقالات بين تقنيّة صعبة، إلى سلسةٍ سهلة المتناول. ليست الفرنسيّة أو الإنجليزيّة بالضرورة اللغة الأمّ لجميع المساهمين، ولنا بالتالي أن نتوقّع تفاوتاً في جودة الترجمة.

كثيرةٌ هي الصفحات التي مزجت المعرفة مع المتعة. لست في معرض تفضيل أي مقال عن غيره، وحسبي التنويه بإحدى الدراسات التي شدّتني للباحث Torsten Wollina (صفحة ٢٧١-٢٩٥) عن يوميّات كاتب المحكمة الدمشقي شهاب الدين أحمد ابن طوق (١٤٤٣-١٥١٠)، العائدة إلى أواخر القرن الخامس عشر وعهد المماليك.

هذه اليوميّات هي الوحيدة التي نملكها من عهد المماليك، وأكثر اليوميّات التي وصَلَتْنا إسهاباً (١٩١٦ صفحة!!)؛ نعلمُ باستقرائها أنّ صاحِبَها أقام شمال وخارج سور دمشق، في جوار جامع الأقصاب، وأنّه انتمى إلى الطبقة الوسطى (ملَكَ بيتاً وبستاناً بيد أنّه لم يكن من الثراء بما يكفي لأكل اللحم يومياً)، وعمِلَ قرب الجامع الأموي، وأنّه كان متزوّجاً حَلَفَ بالطلاق مرّةً وطّلق فعلاً، وأنّه امتلك بعض الجواري. من أطرف ما قرأته في هذا المقال نوم ابن طوق في سرير أحد العرسان قبل الدخلة، بموجبِ عادات ذاك الزمان التي اقتضت أن يبيت شخصٌ معروفٌ بالتقوى في فراش الزوجيّة مدّة ثلاث ليالٍ قبل الزفاف. امتزج العامُّ مع الخاصّ في يوميات ابن طوق الذي دوّنَ الأموَر كما قدّرها دون أن يكبّد نفسَهُ عناءَ تفسيرِها. ليس من الواضح إذا رام الكاتب الحفاظَ على خصوصيّةِ يوميّاتِهِ، أم أنّه اْعَتزَمَ مشاركتها مع آخرين في عهدٍ لم يعرف الطباعة.

وَصَفَ ابن طوق دمشق كما رآها، معتمداً كنقاط علّام الجوامع وبعض الدور المميّزة والأبواب. ارتبطت طبوغرافيا المدينة بالنسبة إليه بمعالِمِها المقدّسةُ، أي المساجد والمدارس والمدافن، دون التعرّض لطريق الوصول إليها. بالنسبة للأسواق، انصبَّ اهتمامُهُ على أسعار السلع دون غيرها من التفاصيل. ركّز، فيما يتعلق بالأشخاص، على علماء الدين، خصوصاً شيخ الإسلام.

النصّ الكامل لمقال Wollina عن إبن طوق متوافرٌ بالمجّان مع سائر مقالات العدد الصادر عام ٢٠١٢. يمكن أيضاً، بقليلٍ من البحث، تحميل أو قراءة الكثير من دراسات هذه المجلّة العريقة التي غدا بعضُها مراجعاً كلاسيكيّة استشهدَ بها الطلّاب والأساتذة والباحثين على مرّ الأجيال.

Tuesday, May 2, 2017

دمشق القرنين الثامن عشر والتاسع عشر


عملٌ صدر بالإنجليزيّة عام ١٩٨٥ ضمن سلسلةٍ ألمانيّة (Berliner Islamstudien) للدراسات الإسلاميّة. عدد صفحات الكتاب حوالي ٢٥٠، أضِف إليها بضعاً من الخرائط مع قليلٍ من الصور وأشجار عوائل من أعيان دمشق. يحتوي الكتاب على كمٍّ ضخمٍ من المعلومات، خاصّة عن أبرز الأسر الشاميّة. المؤلّفة الدكتورة Linda Schatkowski Schilcher، ملمّةٌ على ما يبدو باللغات العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة، علاوةً على مؤهّلاتِها المهنيّة والأكاديميّة.

تَرْجَمَ صديقي الكريم الأستاذ عمرو الملّاح وشقيقتُهُ السيّدة دينا هذه الدراسة القيّمة إلى العربيّة عام ١٩٩٨، ومن حسن الحظّ أنّ الحصول على التعريب أسهل منالاً بكثير من النصّ الأصلي. أفضِّلُ عموماً قراءة الأصل لأي كتاب، طالما امتلكتُ إلماماً معقولاً بلُغَتِهِ، ومع ذلك لا مناص من التنويه هنا بالجهد الكبير الذي بَذَلَهُ المعرّب والمعرّبة في تنقيحِ دراسة الدكتورة Schilcher وتحقيقِها، وليس فقط نقل العمل من لغةٍ إلى لغة.


بدأت المؤلِّفة بالتعريف بمدينة دمشق من النواحي الجغرافيّة والبشريّة والتاريخيّة والاقتصاديّة. المدينة المعنيّة هي العثمانيّة بالطبع، التي وزّعتها Schilcher طبوغرافيّاً إلى عدّة "مناطق" متمايزة أهمُّها:

١. المستطيل المركزي الواقع شمال غرب المدينة القديمة داخل السور. هذا المستطيل معقل العائلات السنيّة والحياة التجاريّة والمدارس الدينيّة، ويحتوي على الجامع الأموي وقصر العظم.
٢. المنطقة العثمانيّة، خارج السور وشمال غرب المدينة؛ فيها السرايا (دار الوزارة) والمشيريّة حيث تمركزت الإنكشاريّة السلطانيّة.
٣. المنطقة المحليّة: جنوب المدينة في حيّ الميدان وملحقاتِهِ. يمكن اعتبارها بمثابة ممرّ ومخزن للحبوب الآتية من حوران إلى المدينة أو عبرِها. هيمنت الإنكشاريّة المحليّة (اليرليّة) على هذه المنطقة التي تجمّع فيها الصوفيّون.

ركّزت المؤلّفة على تضارب المصالح الاقتصاديّة بين المستطيل المركزي الذي سيطرَ عليهِ آل العظم وحلفاؤهم من جهة، والمنطقة المحليّة في الجنوب من جهةٍ ثانية. اقتضت مصالح زعماء المستطيل تأمين الحبوب الضروريّة لتغذية المدينة وتعزيز تجارتها بثمنٍ رخيص، وتصدير منتجات صناعة النسيج إلى الأسواق الخارجيّة. أمّا عن مصلحة الجنوب فتكمن طبعاً في الحصول على أغلى ثمن ممكن لحنطتِهِم. تُرْجِمَت هذه الخلافات الاقتصاديّة بين الحين والآخر إلى مواجهاتٍ دامية أو على الأقل ساهمت في الاحتقان الذي تمخّضَت عنه هذه المواجهات؛ هاك على سبيل المثال الصراع على السلطة بين الوالي أسعد باشا العظم وفتحي أفندي الدفتردار، الذي انتهى بمصرع هذا الأخير و"انتصار" المستطيل المركزي في أربعينات القرن الثامن عشر. مثالٌ آخر في الاتّجاه المعاكس: تمرّد عام ١٨٣١ عنما قُتِلَ الوالي سليم باشا على يد المحلييّن.

اعتبرت Schilcher صعود آل العظم نقطة علّام في تاريخ الشام الحديث، وأنّ هذه الظاهرة ساهمت، ولو بشكلٍ محدود، في تشكيل الهويّة السوريّة. أرجعت الكاتبة هذا التطوّر إلى ضعف القوّة المركزيّة في قسطنطينيّة القرن الثامن عشر. مع ذلك شَهِدَت نهاية هذا القرن أفول نجم هذه العائلة ولو إلى حين، وظهرت عواملٌ جديدة منها بروز نجم أحمد باشا الجزّار، والتغلغل الأوروپّي مع حلول القرن التاسع عشر. أضف إلى كلّ ذلك الغزو المصري بقيادة إبراهيم باشا في ثلاثينات القرن الجديد.

شَهِدَت الفترة التي تلت جلاء القوات المصريّة عهد التنظيمات، ومحاولة الدولة العثمانيّة تعزيز السلطة المركزيّة؛ وتزامنت مع أزمةٍ إقتصاديّةٍ نتجت إلى حدٍّ كبير عن منافسة المصنوعات الأوروّپية، وسيطرة الصيرفة والتجارة ووسائل النقل الغربيّة. خصّصت الكاتبة ٢٠ صفحة لمجزرة عام ١٨٦٠، وحاوات تحليل خلفيّتِها الاقتصاديّة. دون الدخول بالتفاصيل، كان لهذه المأساة نتائجٌ في منتهى الأهميّة على المدى البعيد منها هجرة الكثير من مسيحيّي دمشق إلى لبنان الذي اكتسب وضعاً خاصة تحت نظام المتصرقيّة، رافقتْهُ تغيّراتٌ جلّى من الجوانب الديموغرافيّة والتجاريّة والقانونيّة.

تزايدت، على الصعيد الاقتصادي، أهميّةُ "المحلييّن" في الجنوب وحيّ الميدان، نتيجةً لهيمنة تجارة الحبوب على صادرات دمشق على حساب الصناعات النسيجيّة التي عجزت عن منافسة المنتوجات الغربيّة. تزامن هذا مع تعزيز قوة السلطة المركزيّة العثمانيّة بعد ١٨٦٠، ممّا دفع أعيان دمشق، بغضّ النظر عن خلفيّاتِهم، إلى التماس الوظائف المغرية في البيروقراطيّة العثمانيّة وحماية أجهزة الدولة ومؤسّساتِها بهدف الحفاظ على مصالحِهِم وامتيازاتِهم، والتأقلم مع الوضع الجديد والأزمنة المتغيّرة.

كُرِّسَ النصفُ الأخير من الكتاب إلى الطبقات والعائلات الدمشقيّة. صنّفت المؤلفة الطبقات إلى سبع فئات هي الآتية:

١. آغاوات الميليشيات.
٢. العلماء ورجال الدين.
٣. الأشراف (المنسوبون إلى النبي محمّد).
٤. الصوفيّة.
٥. الحرفييّن وهم الأكثر عدداً والأهمّ من الناحية الاقتصاديّة على الأقل تاريخياً.
٦. التجّار.
٧. الوافِدون إلى المدينة من القرى والبادية.

الفصل الأخير والأطول من الكتاب مخصّصٌ لتفصيل أصول وأفراد وسِيَر عائلات الطبقات الثلاث الأولى، نظراً لوجود معلومات كافية عن هذه الطبقات، عكس الحال في الطبقات الأربع المتبقّية.

تربّع آل العظم على رأس طبقة الآغوات، التي انتمى إليها أيضاً آل البارودي وشمدين واليوسف والعابد. بالنسبة للعلماء هناك عائلات البكري والمرادي والغزّي والسيوطي والشطّي والأسطواني، الذين حرصت الكاتبة على فرزِهِم حسب المذاهب الفقهيّة التي مثّلوها: الحنفي (مذهب العثمانييّن)، الشافعي (مذهب أغلب الدمشقييّن قبل العهد العثماني)، الحنبلي (معقله تاريخيّاً في الصالحيّة)، والمالكي. أمّا عن الأشراف فهناك على سبيل المثال وليس الحصر آل الكيلاني والعجلاني والكزبري. أضافت الكاتبة في النهاية من أسمَتْهم بالقادمين الجدد: آل مردم والجزائري (الأمير عبد القادر).

يبقى هذا العمل الضخم مجهوداً فرديّاً، وبالتالي لا مناص من بعض الأخطاء في التواريخ والطبوغرافيا، ممّا من السهل تلافيه بمراجعة وتدقيق الكتاب. أوردت الكاتبة صفحة ١٤٣، على سبيل المثال، تاريخ وفاة خالد العظم عام ١٩٧٠ (الصواب ١٩٦٥). بمراجعة الصفحات الموافقة من التعريب (١٧٧-١٧٨) بهدف التحقّق فيما إذا صحّح المُترجِمان هذه الهفوة، تبيّن لي أنّ الفقرة المتعلقة بخالد بك محذوفةُ بالكامل، على ما يبدو لتجنّب إشكالات مع الرقابة.

لا بدّ من التنويه أنّ هذا العمل، على اتّساعِهِ والجهد الضخم المبذول فيه، ليس شاملاً: كافّة العائلات المذكورة عمليّاً مسلمة سنيّة، وإذا أتى ذكر أشخاص مسيحيّون أو يهود على الإطلاق، كان عابراً وثانويّاً ولأعلامٍ يصعُبُ تجاهلُهُم مثل حاييم فارحي وحنّا بحري. حتّى العائلات السنيّة البارزة ليست جميعها بالضرورة مفصّلة ومبوّبة (آل القوّتلي مثلاً).

يبقى هذا العمل القليل الشهرة والانتشار، على الرغم من هذه التحفّظات، مرجِعاً أساسيّاً إن لم يكن فريداً. للمؤلّفة والمعرِّبَيْن الفضل والشكر والتقدير.

Saturday, April 29, 2017

قصّة بيت العقّاد



لرّبما كان بيت العقّاد، أو بعض مكوّناتِهِ العائدة إلى القرن الخامس عشر والعهد المملوكي، أقدم بيوت دمشق على الإطلاق. هذه الدار، كما هو الحال في كثيرٍ من "البيوت" الدمشقية الكبيرة التي شُيِّدَت على عدّة مراحل، أقرب إلى القصر منها إلى منزلٍ للسكن.

نميّز في تاريخ بيت العقّاد المراحل الرئيسة الآتية:

- الأولى مملوكيّة، بين الأعوام ١٤٥٠ و ١٤٧٥.
- الثانية من ١٧٤٧ إلى ١٧٥٤.
- الثالثة أيضاً في القرن الثامن عشر، بين ١٧٥٩-١٧٦٣، أي بعد زلزال ١٧٥٩ مباشرةً.
- الرابعة حوالي عام ١٨٤٠، بعد دخول طراز الروكوكو العثماني إلى دمشق.
- الخامسة نحو ١٩٠٠، عندما جدّدَهُ عبد القادر العقّاد الذي نُسِبَ البيتُ إليه.

توفّي عبد القادر العقّاد عام ١٩٠٨، وتركت عائلته البيت عام ١٩٤٧، ليتحوّل إلى مدرسة زينب فوّاز للبنات، ويُضافُ إليها مدرسة أحمد مريود للبنين حوالي عام ١٩٧٣. هُجِرَ المبنى عام ١٩٧٦، وأصبح موطناً للنسيان ومرتعاً للجرذان.
____________________________________________________________

بَحَثَ المعهد الدنماركي عن موطنٍ له في دمشق القديمة خلال تسعينات القرن العشرين، وشاءت الطوالع الحسنة أن يقَعَ اختيارُهُ على هذا البيت العريق. أُبْرِمَ بالنتيجة اتّفاقٌ بين المعهد والجهات السوريّة المسؤولة، تكفّل الدانماركيّون بموجِبِهِ بنفقات ترميم البناء بالاشتراكِ مع خبراتٍ ومهارات محليّة ودنماركيّة، وللمعهد بالمقابل ملء الحقّ باستعمال البيت مقرّاً لَهُ ولخبرائِهِ من الأكاديمييّن والفنّانين لفترةٍ زمنيّةٍ معيّنة. وضع الترميم المهني نصبَ عينيهِ إبرازَ محاسن البيت بأمانةٍ قدر الإمكان، كما كانت تحت تقمّصاتِهِ المتعدّدة عبر العصور. نجحت العمليّة نجاحاً باهراً بحلول عام ٢٠٠٠، ونُشِرَ تقريرٌ مسهبٌ عن تاريخِ البيت وتفاصيلِ مكوّناتِهِ وأعمالِ الترميم فيه، في مجلّدٍ ضخم بلغ عددُ صفحاته من القطع الكبير ٤٤٠. صدر هذا السِفْر النفيس عام ٢٠٠٥ تحت إشراف الأستاذ Peder Mortensen، مزيّناً بمئاتٍ من الصور التاريخيّة والحديثة، مع عددٍ لا بأس به من المخطّطات والخرائط.
_____________________________________________________________

لا تتّسع هذه السطور القليلة لجولةٍ في صحن البيت، ولا لزيارة غرفِهِ الكثيرة التي تنتمي إلى أزمنةٍ وعهود مختلفة، ولا لعرض تيهورٍ من الصور الفنيّة. تكفي هنا الإشارة أنّ بيت العقّاد متحفٌ كامل بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، وإن لم يكن بالطبع المتحف الوحيد في مدينةٍ تحتضنُ قصر أسعد باشا العظم، وبيت خالد العظم، وبيت نظام، والمجلّد، وشاميّة، وكثيرٌ غيرها. نعم في دمشق كلّ هذا وأكثر، ومع ذلك تبقى لبيت العقّاد أهميّةٌ تتجاوز الدار بحدّ ذاتها كما هو آت.

الموقع داخل سور المدينة القديمة على سوق الصوف، جنوب الشارع المستقيم أو ما عرف سابقاً بسوق جقمق، ويعرف حاليّاً بسوق مدحت باشا. يحدّه شمال الشارع المستقيم خان الزيت وخان جقمق، ويجاوره غرباً بيت حورانيّة الذي يضاهيه عراقةً أو يكاد، وإن لم تقيّض الأقدار له حتّى الآن من يوفّر له حاجَتَهُ من الوقت والخبرة والمال والحبّ لنفض غبار الزمن والإهمال عن كنوزِهِ، الظاهرة منها والدفينة.
_______________________________________________________________

المسرح الروماني

ما كان للدانماركييّن، عندما وقَعَ خيارُهم على بيت العقّاد، أن يحلموا أنّهم في واقع الأمر يقفون على أنقاض المسرح الروماني في دمشق، المسرح الذي ذكره مؤرّخ القرن الأولّ للميلاد، اليهودي Flavius Josephus، ونَسَبَ الأمرَ ببنائِهِ لملك يهوذا Herod الأعظم (٣٧-٤ قبل الميلاد).

لم يكن وجود هذا المسرح مجهولاً من قِبَل المستشرقين، بما فيهم الألمانييَّن Wulzinger وWatzinger والفرنسي Sauvaget، بيد أنّ معرفَتَهم اقتصرت على روايات المؤرّخين في غياب الأدلّة الماديّة، إلى أن أسفرت تنقيبات المعهد الدنماركي في العقد الأخير من القرن العشرين، عن أطلالِهِ تحت بيتيّ العقّاد شرقاً وحورانيّة غرباً.

تمركزت دمشق الرومانيّة بطبيعة الحال حول هيكل المشتري (الجامع الأموي حاليّاً)، وانطلقت المواكب الدينيّة والرسميّة من مدخلِهِ الرئيس (باب جيرون)، شرقاً عبر الطريق المقدّسة Via Sacra (شارع القيمريّة)، ثمّ انعطَفَت جنوباً نحو الشارع المستقيم Via Recta أو decumanus، كما سُمّيَ محورُ المدينة من الشرق إلى الغرب في عهد الرومان. اتّجَهَت هذه المواكب بعد ذلك غرباً على الشارع المستقيم، حتّى وصولِها إلى المسرح الواقع جنوب هذا الشارع. قابلت المسرحَ ، على الطرف الشمالي من الشارع، حديقةٌ مربّعةٌ أو مستطيلة الشكل، محاطةٌ بأروقةٍ معمّدة، أو ما يدعى باللاتينيّة porticus post scaenam.
________________________________________________________________

قد يرى البعضُ، في تخصيص مئات الصفحات لبيتٍ واحد، إطالةً ليس لها ما يسوّغها، في مدينةٍ تزهى بكثيرٍ من القصور؛ بيد أنّ دار العقّاد ليست بالبيت العادي ولا حتّى القصر العادي. كثيرةٌ هي معالم دمشق التي لا تزال راقدةً، كالأميرةِ النائمة، تنتظرُ قبلةَ أميرٍ كي تصحى من سُبَاتِها.

Tuesday, April 25, 2017

دمشق وتدمر



كتابٌ جميلٌ موزّعٌ على مجلّدين، نُشِرَ عام ١٨٣٨. المؤّلف Charles G. Addison محامي ورحّالة إنجليزي من وفيّات ١٨٦٦، وعنوان الكتاب "دمشق وتدمر" أو "رحلة إلى المشرق". هَدَفَ Addison إلى عرض حال سوريّا في ثلاثينات القرن التاسع عشر، أي تحت حكم إبراهيم باشا المصري، وحاوَلَ رسمَ صورةٍ عن توجّهاتِها المستقبليّة كما بدت له وقتها. يمكن قراءة الكتاب بالمجّان على الرابطين الملحقين أدناه ، والاستمتاع بلوحاتِهِ الملوّنة على رابطٍ مستقلّ.

المؤّلِف بريطاني قلباً وقالباً ، فخورٌ بمجدِ الإمبراطوريّة وسؤددها، وتفوّقِها على جميع الأمم على كافّة الأصعدة، بعد أن كرّست هزيمة ناپوليون من جهة، وسطوة الأسطول البريطاني من جهةٍ ثانية، القرن التاسع عشر قرناً بريطانياً. لبس من المستغرَب، والحال كذلك، أن ينظر الغربيّون إلى المشرق، مهما افتتنوا بسِحْرِهِ، باستعلاءٍ امتزج فيه الفضول مع الشفقة مع الازدراء، وفي أحسن الأحوال الدعوة إلى تحسين أوضاع الشرقييّن المساكين سواءً عن حسن نيّةٍ أو للمتاجرة بقضيّتهم في سبيل تحقيق مآرب معيّنة.

بدأ الكاتب رِحْلَتَهُ في نيسان ١٨٣٥ من جزيرة مالطا، ميمّماً شطر اليونان التي استقلّت حديثاً عن العثمانيين، وكانت لا تزال في حالةٍ يرثى لها. محطتّهُ التالية كانت آسيا الصغرى، قلب الإمبراطوريّة العثمانيّة التي تربّع محمود الثاني على عرشِها. أجهزَ هذا السلطان المُجدِّد على الإنكشاريّة، كما هو معروف، وأدخل الطربوش بدبلاً للعمامة في محاولةٍ يائسة للحاق بركبِ التقدم عن طريق تغيير الكثير، ضمناً الأزياء. لم يتردّد الكاتب في السخرية من هذه الإصلاحات التي رأى أنّها تناولت القشور وأهملت اللباب.

المجلّد الثاني هو بيت القصيد بالنسبة لنا، تناول رحلة Addison إلى الشام انطلاقاً من لبنان، حيث قابل إبراهيم باشا والأمير بشير الشهابي. ما كان للكاتب أن يغفل التعرّض للموارنة والدروز، واعتناق الأمير بشير المسيحيّة، قبل مواصلةِ رحلتِهِ إلى دمشق التي وصلها في الثاني عشر من تشرين أول ١٨٣٥.

دمشق النصف الأول من القرن التاسع عشر مختلفةٌ عن حفيدَتِها اليوم كلّ الاختلاف. كانت المدينةُ وقْتَهَا معزولةً إلى حدٍّ كبير عن العالم الخارجي، وبالتالي شرقيّة ومحافظة إلى أبعد الحدود: دخول الجامع الاموي محظور على المسيحييّن حظراً باتّاً تحت طائلة أشنع العقوبات وبيع القرآن للأجانب من المحرّمات. حاول الكاتب شراءَ نسخةٍ من كتاب المسلمين المقدّس عندما طرده صاحب المكتبة شرّ طردة مع وابلٍ من الشتائم واللعنات استمطرها على رأس "الكلب الكافر". مع ذلك حقّق Addison بعض النجاح في اختراق المجتمع الشامي المتعصّب عندما تمكّن، بعد جهد جهيد ووساطة قرينة القنصل البريطاني، من إقناع إحدى الحسناوات من صبايا دمشق بالوقوف بثيابها الزاهية كموديل للرسم، أتاح له فرصةَ وصفِها ووصف الزيّ الذي ارتَدَته بتفصيلٍ معقول.

حرص المؤلِّف على وصف أسواق دمشق، ومتاجرها المفتقرة إلى الواجهات (الڤترينات)، وحمّاماتِها التي خُصِّصَت في أيامٍ وأوقاتٍ معينة للنساء؛ الويلُ كلّ الويل لأي رَجُل خاطر بحياتِهِ وحاول الدخول إلى الحمام في هذه الأوقات. من دورِ دمشق وصف الكاتب منزل علي آغا خزنة كاتبي (بيت نظام) الذي زاره وتعرف على صاحبه. تعرّض Addison لمعالم دمشق، خاصة المتعلّقة بالتاريخ اليهودي والمسيحي. الكاتب ذو إلمامٍ لا بأس بِهِ أبداً بتاريخ المدينة القديم والإسلامي، نوّه بهزال المصادر اليونانيّة عن فتح الشام وأنّ المعلومات المتداولة جميعها عملياً إسلاميّة المصدر، خاصةً عن طريق الواقدي. ختم Addison سردَهُ التاريخي مع حملة إبراهيم باشا، ومن ثمّ دخول القنصل البريطاني J.W.P. Farren المدينة عام ١٨٣٣.

زار صاحبنا تدمر، التي اكتشفها الإنجليز للمرّة الأولى عام ١٦٩١، وقارنَ بين عظمةِ ماضيها وجلالِ آثارها من جهة، وبؤس البلدة التي عاينها من جهةٍ ثانية. شكّك Addison في رأي البعض باشتقاق تسمية Palmyra من النخيل Palm، على اعتبار أنّ مصدرها يوناني وليس لاتينيّاً؛ أضاف أنّ كلمة "تدمر" السوريّة تقابل Thadamoura حسب المؤرّخ اليهودي الروماني يوسيفوس.

مسك الختام عدّة صفحات يمكن النظر إليها كمحاولةٍ من Addison "لتشخيص أمراض" سوريّا ووصف العلاج المناسب. أدان الكاتب الإدارة العثمانيّة المتخلّفة بطبيعة الحال، ومع ذلك تشائمَ من مستقبل سورّيا في ظل إبراهيم باشا، وعامِلِهِ في دمشق شريف باشا، وإمبراطورية محمّد علي المتمركزة في مصر. ارتأى المؤلِّف أنّ نجاح المصرييّن عسكرياً لا يُتَرْجَم بالضرورة إلى رفاه البلاد اقتصادياً، خصوصاً عندما ترزح تحت الضرائب التي امتصّتها إدارةٌ مكلفة ومجهودٌ حربي باهظ الثمن، أفقد السكّان وتحديداً الفلّاحين أي حافز لاستثمار واستصلاح الأرض في غياب الأمل بتحسين حياتِهِم وتأمين مستقبلِ أطفالِهِم.




Saturday, April 22, 2017

أرباض دمشق



لا يختلف اثنان على أهميّة دمشق داخل السور، على الأصعدة التاريخيّة والعمرانيّة والفنيّة والإنسانيّة. ماذا عن ضواحيها التاريخيّة التي عانت من الإهمال والجهل وقصر نظر (إن لم نقل جشع) سماسرة العقارات، وما يسمى تجاوزاً "تنظيم المدينة"، وما هو في الحقيقة إلّا "تعليب مبهرج" لتدمير معالمِها ونسيجِها العمراني؟! 

كثيرٌ من محبّي دمشق، وحتى الأخصائييّن من اعتقد هذه الضواحي آيلةً إلى الفناء، ومنهم السيّد Michel Écochard، الذي أسرّ إلى الدكتور سمير عبد الحقّ أنّه لشديد أسفه، لا يؤمن بإمكانيّة إنقاذ هذه الضواحي، وبالتالي اختار أن يركّز جهودَهُ على حماية المدينة داخل السور. جاءً هذا الكتاب الصادر عام ٢٠١٠ بالفرنسيّة والعربيّة عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، في محاولةٍ لإثبات العكس: أي أنّ هذه الضواحي ليست كياناتٍ جامدة، بل على العكس، كانت ولا زالت تتطوّر وتتأقلم مع الظروف المتغيرّة، وأنّ إنقاذَها كان ولا يزال في حدود الإمكان. عزّز المؤلّفون رأيّهم بدراسةٍ قدّمت مقترحاتٍ وحلولاً واقعيّةً وعمليّة، مدعومةً بعددٍ من المخطّطات والخرائط والصور المهنية العالية الدقّة.

الكتاب حوالي ٤٠٠ صفحة بقياس ٣٢ في ٢٣ من عشيرات المتر، والمؤلّفان Yves Roujon و Luc Vilan. استغرق العمل بما فيه جمع المعطيات من قِبَل ١٥٠ من طلّاب العمارة في "ورشة دمشق" في مدارس Versailles و Belleville حوالي عشر سنوات.

المقصود بضواحي دمشق هنا أرباضُها التاريخيّة، أي الصالحية وسوق ساروجة (بما فيه العقيبة) والعمارة والقنوات والسويقة والميدان والشاغور. أضاف المؤلّفان، بهدف التنظيم والتبويب، "ضاحيةً ثامنة"، هي "أحياء بردى" الواقعة شمال المدينة القديمة داخل السور والمتاخمة للعمارة وساروجة. 

تناولَ المؤلّفان الأحياء، أو بالأحرى الضواحي، الواحد بعد الآخر بشكل منهجي، انطلاقاً من خريطة المسح العقاري التي صُمِّمَت في ثلاثينات القرن العشرين وعهد الانتداب الفرنسي. تمثّلت الخطوة الثانية بتقصّي الطرق والمقاسم والآثار وبعض البيوت، مع التركيز على بيوتٍ عاديّة، نمطيّة للشام القديمة، وليس القصور التي تُسمّى بالبيوت تجاوزاً ، مثل دور نظام والسباعي والمجلّد وهلمّ جرّا. نأتي بعد البيوت إلى الأماكن العامّة، كالساحات والمقابر. هناك العديد من الصور البديعة الملونّة التي ساهمت في وضع النفاط على الحروف.

خَتَمَ الكاتبان كل فصل بعرضٍ لوضعِهِ الراهن (أي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين)، ومن ثمّ تقديم مقترحات لما يتوجّب الحفاظ عليه، وما يمكن التضحية به، وما بالإمكان تطويره. منهجٌ رائع وطرحٌ منطقي يمكن تعميمه على الكثير من المدن السوريّة وحواضر الدول المجاورة.
 
بعض الملاحظات السريعة:
- ليست جميع الضواحي مهددّة إلى نفس الدرجة. سوق ساروجة، على سبيل المثال، عانى أكثر من غيره من "غزوات وفتوحات" تجّار العقارات و"منظّمي" المدينة.
- هناك خصائص مشتركة تجمع هذه الأحياء، وسمات معيّنة تميّز بعضها عن البعض الآخر. من الأحياء ما يغلب عليه الطابع التجاري ومنها ما هو سكني بالدرجة الأولى. الصالحيّة تقع على سفح قاسيون وتتبع أبنيتُها تضاريسَ انحدارِهِ وتكثر فيها المعالم الأيوبيّة، بينما يمتدّ الميدان على أرضٍ مستوية ويزخر بالآثار المملوكيّة، علاوة على بوايكِهِ (جمع بايكة) المشهورة.

ختمَ المؤلّفان بجمع المعطيات من مختلف الضواحي لتركيب مخطّط، وتطوير رؤية مستقبليّة شاملة ومتفائلة، تميّز بين المدينة داخل السور وضواحيها التاريخية موضوع البحث من جهة، ودمشق الحديثة من جهةٍ ثانية.

بدت الأمور هكذا أو كادت عام ٢٠١٠، ولا حاجة للتذكير بالأحداث الأليمة التي اندلعت بعد نشر الكتاب بعامٍ ليس غير، بَلْهَ الدخول فيها.

الكتاب متوافر للقراءة بالمجّان على موقع IFPO.