Saturday, May 26, 2018

جامع بني أميّة الكبير



يختزل الجامع الأموي في العهد الإسلامي، ومن قبله الكنيسة البيزنطيّة وهيكل المشتري ومعبد حدد، تاريخَ دمشق الذي يتجاوز ثلاثة آلاف عام. ليس هذا الجامع أهمّ معالم دمشق الدينيّة منها والدنيويّة قاطبةً فحسب، ولكنّه أيضاً أحد أقدم وأكبر وأبهى الجوامع التاريخيّة في العالم، ونموذجٌ احتذى به الكثيرون من بناة دور العبادة الإسلاميّة اللاحقة؛ أضف إلى هذا وذاك أنّ تاثيرَه المعماري والفنّي عبر تاريخِهِ الطويل لا يقتصر على الإسلام.  

المؤلّف الدكتور Finbarr Barry Flood من جامعة Edinburgh، وعنوان الكتاب الصادر عام ٢٠٠٠  "دراسات في صناعة ثقافة أمويّة بصريّة". البحث أكاديمي وليس عجالةً لمن يبحث عن المختصر المفيد. لا يغطّي الكتاب (١) الجامع ككلّ، ولا يهدف لذلك أصلاً (٢).

تناوَلَ Flood البحثَ من منظورٍ مختلف، مركّزاً على عناصرٍ معيّنة في زخرفة الفسيفساء والكرمة على جدار الحرم (٣)، والساعة على الجدار الجنوبي (٤)، والنقوش الكتابيّة المندثرة في حرم الصلاة، وعلاقة الجامع مع النسيج العمراني الحاضن؛ قارن المؤلّف كلّ هذا مع المواصفات التي وصلتنا عن كنيسة دمشق البيزنطيّة وآيا صوفيا في القسطنطينيّة وما سبقها، وارتأى أنّ الجامع بُنِيَ في إطار برنامج عمراني غير مسبوق واسع المدى وهائل الحجم نفّذه الوليد بن عبد الملك ليس في دمشق فحسب، وإنّما أيضاً في المدينة المنوّرة ومكّة وجامع ودار إمارة الفسطاط في مصر وجامع صنعاء الكبير. لم يستثن هذا البرامج من الإمبراطوريّة الأمويّة عمليّاً إلّا العراق لأسبابٍ سياسيّةٍ واضحة. 

لهذا البرنامج أبعادٌ دينيّة وأُخرى سياسيّة. تطلّبَ التسارعُ في زيادةِ عددِ المسلمين دورَ عبادةٍ لتلبية حاجاتِهم الروحيّة، بيدَ أنَ هذه الحاجات لا تستدعي بالضرورة هذا المستوى من البذخ وهنا يبرز البعد السياسي: أراد الوليد توجيهَ رسالةٍ واضحة، ليس فقط إلى الأمّة الإسلاميّة (٥)، وإنّما أيضاً إلى العالم الخارجي عموماً وبيزنطة خصوصاً؛ مفادُ هذه الرسالةِ أنّ الإسلامَ مستقرٌّ وراسخٌ، وأنّ الوليد وأسرتَهُ المالكة باقون، وأنّه وأنّهم على أقلِّ تقدير أندادٌ للقسطنطينيّة التي حاول الأمويّون عبثاً أخذها بالقوّة عدّة مرّات. 

ادّعى بعضُ المستشرقين أنّ مأثرةَ الوليد اقتصرت على نسخِِ البيزنطييّن في عمائرهم التي استحوذ ومن سبقه من الفاتحين العرب عليها بحدّ السيف؛ الموضوع في نظر Flood أعقد من ذلك بكثير: قامَ الوليد ومهندسوه "بترجمة" مختاراتٍ من التراث الفنّي السابق كي يصبح موائماً لحاجات الدولة الفتيّة، مع المحافظة على درجةٍ كافية من الاستمراريّة لضمان ولاء بلاد الشام، عمود الإمبراطوريّة الفقري ومركز ثقلها، التي كانت أغلبيّتُها الساحقة آنذاك مسيحيّةً.

للحديث بقيّة. 

____________

١. عدد الصفحات ٣٣٠ مع ٩٠ صورة ملحقة. 
٢. دراسة طلال العقيلي هي الأفضل من النواحي المعماريّة وهناك كتاب Degeorge لمن تستهوه الصور الكبيرة الملوّنة الرائعة العالية الدقّة مع سرد ممتعٍ للغاية لتاريخ الجامع . أخيراً بإمكان من لا يملك الوقت أو الرغبة لقراءة سِفْرٍ كاملٍ الرجوع إلى الحيّز الذي خصّصه  Burns للجامع في كتابِهِ القيّم عن تاريخ دمشق. 
٣. اندثرت الكرمة بعد حريق ١٨٩٣ كما سنرى. 
٤. غير ساعة باب جيرون كما سيأتي ذكرُهُ. 
٥. مفهوم الأمّة في القرون الوسطى مختلفٌ جذريّاً عمّا آل إليه اعتباراًَ من القرن التاسع عشر تحت تأثير الغرب. 


Friday, May 25, 2018

السوريّون الأمريكيّون قبل مائة عام



عنى الدكتور فيليپ حتّي بالسورييّن سكّان سوريا بحدودِها الحاليّة مع اسكندرون ولبنان وفلسطين، أي بلاد الشام قبل الحرب العالميّة الأولى التي امتدّت من جبال طوروس والفرات شمالاً إلى سيناء جنوباً ومن بادية الشام شرقاً إلى البحر المتوسّط غرباً. لا غرابة في ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الكتاب من منشورات عام ١٩٢٤، قبل اتّضاح ديمومة الكيانات الجغرافيّة - السياسيّة التي خلقتها بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق الأدنى. استهدفت دراسة حتّي المهاجرين السورييّن إلى أمريكا وليس الوطن الأمّ، انطلاقاً من تعريفٍ مختصر بالبلاد الأصليّة وقاطنيها، ثمّ دوافع الهجرة، وأخيراً وضع السورييّن في وطنهم الجديد من النواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والتعليميّة والدينيّة والثقافيّة. خَتَمَ المؤلّفُ ببعضِ المقترحات لتسهيل "هضم" المهاجرين في البلاد التي تبنّتهم.   

لم يكن مفهوم المواطنة والقوميّة متطوّراً في بلاد الشام وقتها. السوريّون عشائريّون في الوطن والمهجر، يتبعون نظام الملّة، أي الدين أو الطائفة، المتوارَث من العهد العثماني وما سَبَقَهُ، كما في حال بطرك الموارنة الذي مثّل مشاعرَ مسيحييّ لبنان "السياسيّة" وطموحاتِهِم "القوميّة" في مؤتمر السلام في پاريس عام ١٩١٩. يميّزُ السورييّن أمران: الأوّل لغتهم العربيّة التي جَمَعَتهُم، والثاني دياناتهم التي فرّقتهم إلى طوائفٍ وإن وحّدَت أفرادَ الطائفةِ تحت قيادةِ زعاماتِها الدينيّة.

الغالبيّةُ العظمى من المهاجرين إلى أمريكا مسيحيّة: موارنة (٩٠٠٠٠)، روم أورثوذوكس (٨٥٠٠٠)، وهناك عدد أقلّ من الروم الكاثوليك Greek Catholics (١)، وأقليّة صغيرة من الإنجيلييّن أو الپروتستانت. لا يزيد عددُ المسلمين عن ٨٠٠٠، وأوّل مساجدهم كان في Detroit عام ١٩٢١، وهناك مسجد آخر في Gary في Indiana. لا توجد إحصاءات عن اليهود السورييّن على اعتبار أنّهم احتُسِبو مع سائر اليهود المهاجرين إلى الولايات المتّحدة وليس كسورييّن. للمقارنة قُدّر إجمالي عدد سكّان الولايات المتّحدة عام ١٩٢٠ بحوالي ١٠٦ مليون. 

أوّل سوري وطأ أمريكا هو اللبناني أنطونيوس البشعلاني وكان ذلك في Boston عام ١٨٥٤، أمّا أوّل دمشقي فهو يوسف العربيلي عام ١٨٧٨ (٢). المهاجرون الأوائل عموماً من الذكور الشباب الفقراء (٣)، والمسيحيّون أميل لاصطحاب نسائهم من المسلمين والدروز. أغلب أسباب الهجرة بالطبع اقتصاديّة، أضِف إليها التهرّب من الخدمة العسكريّة في الجيش العثماني بعد فَرْضِها على المسيحييّن عام ١٩٠٩. هناك أيضاَ عوامل دينيّة وسياسيّة وغيرها. 

خَدَمَ السوريّون أمريكا بإخلاص بحبِّهِم للعمل وتكاتفِ عائلاتِهم، وندر من استجدى منهم. السوريّون عموماً محافِظون ينأون عن السكر والعربدة، وإناثُهُم بالذات عفيفات. انخَرَطَ السوري في الجيش الأمريكي وحاربَ تحت رايته قبل إلزام الشباب بالخدمة عندما لم يعد عدد المتطوّعين كافياً مع احتدام وطيس الحرب العظمى (٤).

أنهى حتّي كتابَهُ بمجموعةٍ من التوصيات هَدَفَت إلى "أمركة" المهاجرين السورييّن، وأهمّها بالنسبة إليه تعزيز دور الكنيسة: كلّما ازداد عدد المهاجرين الداخلين في حياة أمريكا الدينيّة، كلّما تسارعت وتحسّنت عمليّةُ صَهْرِهِم في بوتقة الوطن الجديد.    

____________

١. يخلط الكثيرون الروم Greek أو الملكييّن الكاثوليك في المشرق مع Roman Catholics في الغرب الذين يُسمّون في سوريا لاتين.
٢. أدين بصحيح نقل الإسمين من اللاتينيّة إلى العربيّة إلى الصديق الضليع الدكتور فايز زكّور الذي نوّه أنّ العربيلي أحد الناجين من مجزرة ١٨٦٠.
٣. هاجر الأيسر حالاً إلى مصر. 
٤. دخلت الولايات المتّحدة الحرب العالميّة الأولى أو العظمى عام ١٩١٧.

Friday, May 18, 2018

دليلُ زائرِ دمشق في القرن الحادي والعشرين



نُشِرَ هذا الدليل الورقي لمدينة دمشق عام ٢٠١٠. المحرّرتان اللبنانيّة Carole Corm كارول قرم والحلبيّة الأصل ميّ معمرباشي والمساهمون كثيرون. للكتاب إيجابيّاته وهي كثيرة، وعليهِ بعض المآخذ التي أبدأ بها وأهمّها على الإطلاق ضَعْفه من النواحي التاريخيّة والتوثيقيّة، سواءً تعلّقَ الأمرُ بالتاريخ الموغل في القدم أو الحديث والمعاصر. الأخطاء كمّاً ونوعاً تزيد إلى حدّ بعيد عمّا يمكن اعتباره مقبولاً وأكتفي هنا ببعض الأمثلة:

١. صفحة ١٧ قسطنطين الكبير يعلن المسيحيّة ديانةً رسميّة ويحرّم الديانات الوثنيّة عام ٣٩٢ للميلاد. الصواب بالطبع ثيودوسيوس.
٢. صفحة ١٩ قوّات Vichy تقصف دمشق عام ١٩٤٥ (انتهى وجود القوّات المواليّة لحكومة Vichy في سوريا عام ١٩٤١).  
٣. ثالثة الأثافي (صفحة ٣٥) هزليّة: "جامع أنور السادات" في دمشق. المقصود طبعاً جامع الأقصاب أو جامع السادات الزينبيّة. 

ليست هذه الأمثلة الثلاثة سوى غيض من فيض، ويترتّبُ على ذلك أنّ هذا الدليل الذي تجاوز عددُ صفحاتِهِ المئتين ليس مرجعاً موثوقاً عن تاريخ المدينة لا من ناحية التسلسل الزمني ولا الحقائق ولا الطبوغرافيا.

حسنات الكتاب: 

الدليل صغير الحجم، خفيف الحمل، جيّد الورق، أنيق الطباعة، سهل الأسلوب، تتخلّلُهُ عدّةُ صورٍ رقميّةٍ ملوّنة عالية الجودة مع العديد من الخرائط البسيطة الجذّابة. لغة الكتاب انجليزيّة ممّا يجعله في متناول أكبر عدد ممكن من زوّار المدينة؛ يحسن هنا التذكير أنّ اهتمام معظم السيّاح في كافّة بلاد العالم يتجاوز المعالم الأثريّة مهما بَلَغَ جمالُها وعراقَتُها ومهابتُها. السائح يريد فندقاً يبيت فيه، ومطاعماً يرتادها، وأسواقاً يشتري منها ما يروق له من المُنْتَجات المحليّة، وأماكناً للّهو والتسلية. ما يهمّ السائح في أي دليل المعلومات عن المواصلات، وأكلاف الإقامة والأكل، والتحف الشرقيّة، وعلب الليل، ودور السينما والمسارح، والمصارف، والهواتف المفيدة، والطبابة إذا استدعى الأمر، وكيفيّة الحصول على تأشيرة دخول وهلمّجرّا. كلُّ هذه المعلومات وأكثر موجودةٌ في هذا الكتاب الذي يعطي أيضاً عناوين المواقع الإلكترونيّة في حالِ توافُرِها. 

كافّةُ الفنادق المذكورة غالية بمقاييس سوريّا، تجاوزت أسعارُها آنذاك ١٠٠ دولار بالليلة، وبعضها تجاوز ٢٠٠؛ فندق سميراميس غير مذكور ومن المحتمل أنّ المؤلِّفَتَيْن اعتبرتاه دون المقام. يقعُ كثير من هذه الفنادق في دمشق داخل السور، وكانت بالأصل بيوتاً شاميّةً جُدِّدَت وحُوِّلَت إلى أوتيلات باذخة. خلافاً للفنادق، هناك خياراتٌ تناسب جميع الميزانيّات فيما يتعلّق بالمطاعم من الباهظة الكلفة، شرقيّةَ الطراز كانت أم غربيّة، إلى الشعبيّة كشاورما الصدّيق، وفول بوز الجدي. خصّصت المؤلِّفتان حيّزاً لا بأس به خصّص للحلويّات الدمشقيّة، وأشهر المحلّات التي تقدّمها، من بكداش في سوق الحميديّة، إلى غراوي وسميراميس والزنبركجي، مع التذكير بأنّ عاصمة المأكولات الشهيّة في سوريا حلب وليست الشام. حظيت حمّاماتُ دمشق أيضاً بذكرٍ خاصّ، ومنها التيروزي وأمّونة والملك الظاهر والبكري، وهناك تغطية لدار الأوپرا، والأوركسترا السوريّة، والمهرجانات السينمائيّة، والمعارض الفنيّة، وصالات الرياضة، والمقاهي، وغيرها.

تناول القسمُ الأخير من الكتاب مواضيعاً مختلفةً عَبْرَ مقالاتٍ قصيرة تتراوح بين ٢ - ٥ صفحات لعدّة كتّاب، منهم Brigid Keenan و "Damascus: Hidden Treasures of the Old City". غطّى مقالُها البيوت أو بالأحرى القصور الدمشقيّة العريقة؛ و Christa Salamandra أخصّائيّة الأنثروبولوجيا ومؤلّفة "A New Old Damascus" عن خلفيّات عودة النخبة إلى المدينة القديمة بداية من التسعينات، ليس بهدف سكن البيوت التي أخلاها آباؤهم وأجدادُهم، وإنّما بهدف استثماها كمطاعم وفنادق، أو الاستمتاع بجوّ "تقليدي" حديث. تعرّضت الكاتبة، في جملةِ ما تعرّضت إليه، إلى أثر المسلسلات التلڤزيونيّة وخصوصاّ "باب الحارة" في نشر اسم دمشق وثقافتها وفولكلورها عبر العالم العربي وما وراء البحار. مسك الختام مقال قصير للمؤرّخ السوري عبد الكريم رافق عمّا أسماه "المنافسة بين حلب ودمشق" في العهد العثماني من الناحيتين الاقتصاديّة والتجاريّة. 

كتاب ممتع وجهد مشكور للسيّدتين قرم ومعمرباشي وعسى أن تتلافى الطبعات المُقْبِلَة الهفوات المذكورة أعلاه. 



Saturday, May 12, 2018

استيطانُ فلسطين قبل تصريح بلفور



تردّدتُ بين مصطلح "استيطان" و "استعمار" كعنوانٍ لهذا المقال، بيد أنّ الفرقً في نهايةِ المطاف طفيفٌ، وكلاهما يمكن استعمالُهُ بمدلول إيجابيّ أو سلبي. عنوانُ الكتاب مصدر المعلومات أدناه "أرض الأنبياء"، وتاريخُ النشر ١٩١٦، أي أنّه سَبَقَ تصريح بلفور ودخول الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحرب العظمى التي عُرِفَت لاحقاً بالعالميّة الأولى عام ١٩١٧. المؤلّف Albert Heusser (١٨٨٦ - ١٩٢٩) أمريكي، شغل منصب مُحاضِر في قسم التعليم في مدينة نيويورك، وكان عضواً في الجمعيّة الوطنيّة الجغرافيّة وكَتَبَ عدّة مؤلّفات. زارَ Heusser الشرق الأدنى في مطلع الحرب (١) بدايةً من بور سعيد في مصر، ومنها إلى بيروت فدمشق ففلسطين، واستعمل في رِحْلَتِهِ وسائل المواصلات الحديثة كالسفن والقطارات، والقديمة كالعربات التي تجرّها الحيوانات وأحياناً صهوة الدوابّ حسب الضرورة والوسائل المتاحة. تمخّضت  الرحلةُ عن كتابٍ تجاوزَ الثلاثمائة صفحة، يحتوي معظمُها على صورٍ تاريخيّةٍ بالأبيض والأسود. الكاتب مسيحي وعلى الأغلب پروتستانتي، بدلالةِ حبِّهِ واحترامِهِ للشعب اليهودي، وإيمانِهِ الصهيونيّ بوجوبِ عودتِهِم إلى أرضِ الميعاد.  

ليست هذه القناعة بالمستغربة من إنجيلي ملتزم، استهواه كتابُ العهد القديم، وآمن ككثيرين غيرِهِ بكلّ تفاصيله كحقائقٍ تاريخيّةٍ لا تقبل الجدل بَلْهَ الدحض. هناك أوجه تشابهٍ بين استيطان الأوروپيّين أمريكا من المحيط الأطلسي إلى الهادي، الذي نُعِتَ "بالقدر المتجلّي" من جهة، وبين استيطان فلسطين - أيضاً على يد الأوروپييّن - على حساب سكّان البلاد الأصلييّن من جهةٍ ثانية، ومن العدل أن يقال أنّ مصير الفلسطينييّن من غير اليهود كان أفضل من عدّةِ أوجه من مصير من أطلَقَ عليهم الأوروپيّون ومن نَقَلَ عنهم تسمية "الهنود الحمر"، ووصفهم Winston Churchill "بالمتوحّشين"؛ لم ير هذا الأخير غضاضَةً في قيام "عرقٍ أقوى وأرفع درجةً وأدرى بأمور العالم"، بإزاحتهم والحلولِ محلِّهِم.  

عنصريّة Heusser إذاً عاديّة ومتفشّية (٢)، وحتّى متنوّرة إلى حدٍّ ما على الأقلّ بمقاييس عَصْرِهِ، فعلى الرغم من أنّه وصف العرق التركي بأنّه أدنى من العربي (صفحة ١٧٣)، والدمشقييّن - على كثرةِ حمّاماتِهِم التي لم تفته الإشارة إليها - بالوساخة رغم اهتمامِهم بأيديهم وأقدامهم "إلى درجة الوسوسة" (٣)، والخوارنة في كنيسة القيامة بالقذارة والأميّة (صفحة ١٧٧)، والعرب  "بسماكة المخّ"، وأهل القدس  من غير اليهود بالكسل والغباء (صفحة ٢١٥)، ورغم ازدرائه للمدارس الإسلاميّة وتعليمِها الذي لاقيمةَ له (صفحة ١١٠) ورغم ورغم ورغم .... وصلَ المؤلِّفُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ الله لن يستأثر بعطفِهِ المؤمنين بالمسيح ويستثني المسلمين البسطاء الورعين (صفحة ١٨٨)، ونادى بتقديم المساعدات الاجتماعيّة والطبيّة لهم، بغضّ النظر عن نجاح التبشير المسيحي بينهم. 

لا حدود لإعجاب المؤلّف باليهود وتقريظِهِ لخصالِهِم. العالمُ بأسره "مدينٌ لهم" وبادلوا إسائتِهِ بإحسانٍ (صفحة ٨٨ - ٨٩) عبر التاريخ؛ أمّا عن هجرتهم - وغيرهم من الأوروپييّن - إلى فلسطين، فالأرض المقدّسة أحوج ما تكون "لدماءٍ فتيّةٍ" من الغرب، واليهود أحقّ من المسلمين بالحرم الشريف (صفحة ١٥٥) . تجدرُ الإشارةُ هنا إلى هجراتٍ غبر يهوديّة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، سواء كانت بشكل مستوطنات ألمانيّة پروتستانتيّة تنتظر المجيء الثاني للمسيح (صفحة ٣٠٣)، أو بعثات دينيّة روسيّة على اعتبار أنّ روسيا حامية المسيحييّن الأورثوذوكس في العالم عموماً والشرق الأدنى والديار المقدّسة خصوصاً.  هذه الهجرات عدديّاً أقلّ بكثير من نظيرتِها اليهوديّة. 

ازدادت الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين بعد تصاعد الاضطّهاد ضدّهم في روسيا ورومانيا عام ١٨٨١، وموّل هذه الهجرة كبار أثرياء اليهود في فرنسا (البارون Edmond de Rothschild) وإنجلترا (Sir Moses Montefiore) وغيرهم. لم يقتصر الدعم على رعاية الهجرة إلى فلسطين، فالألماني Baron Maurice de Hirsch مثلاً ترك ٣٠ مليون دولار (صفحة ٢٩٠) لجمعيّة الاستعمار اليهودي، وهو مبلغ خرافي في ذلك الوقت، مع التحفّظ أنّ هذا الأخير حبّذ الهجرة إلى الأرجنتين وليس فلسطين.  

لا غرابة في ازدهارِ المستوطناتِ اليهوديّة بعد هذه الاستثمارات الهائلة من بعض أغنى أغنياء العالم. زار المؤلّف عدداً من هذه المستوطنات، وأثنى على رقيّ أهلِها وحسنِ ضيافتِهِم وطموحهم وورعهم وكدحهم وإنسانيّتهم (٤) وكفاحهم ضدّ البرداء والرَمَد من الأمراضِ التي عاثت في البلاد فساداً، وأرجَعَ الفضلَ إلى اليهود (صفحة ٣٠٩) في جلب ثمار البرتقال والليمون إلى فلسطين بعد عَودَتِهِم من السبي البابلي، وخصّ مستوطنة تلّ أبيب الروسيّة (صفحة ٢٩٥)  في ضاحية يافا بأسمى آيات الثناء (٥). ما كان للكاتب أن يغفِلَ المقارنةَ بين قرى أهل البلاد الأصلييّن البائسة والمستوطنات الأوروپيّة الرحبة الأنيقة التي استعمل المهاجرون فيها أحدث التقنيّات لجرّ الماء والزراعة وتربية الحيوانات والتشجير. 

خَتَمَ Heusser (صفحة ٢١٦) بالجزم أنّ فلسطين المستقبل لليهودي الذي سيقطنها وبعمّرها ويغنيها، وتنبّأ (صفحة ٣٠٠) أنّ النفوذ الأوروپي سيتعاظم في فلسطين بغضّ النظر عن المنتصر في الحرب العالميّة الأولى، وانتهى  بالاستشهاد بكتاب العهد القديم والآيتان ١٤-١٥ من الأصحاح التاسع لسفر عاموس:

وَأَرُدُّ سَبْيَ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ فَيَبْنُونَ مُدُنًا خَرِبَةً وَيَسْكُنُونَ، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَشْرَبُونَ خَمْرَهَا، وَيَصْنَعُونَ جَنَّاتٍ وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا.

وَأَغْرِسُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَلَنْ يُقْلَعُوا بَعْدُ مِنْ أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ الرَّبُّ إِلَهُكَ.

____________

١. مقدّمة الكتاب مؤرّخة عام ١٩١٣، بيد أنّ النصّ يحتوي على كثير من الإشارات إلى الحرب. 
٢. ليس سكّانُ الشرقِ الأدنى أنفسهم، على ضعفهِم وتخلّفِهم، بغرباءٍ عن العنصريّة التي تزخرُ فيها أدبيّاتُهم ككتاب ألف ليلة وليلة مثلاً. 
٣. صفحة ٦٢ والإشارة للوضوء. 
٤. صفحة ٣١٠ الطبيب Kahan قَدَّمَ العنايةَ الصحيّة عن طيبةِ خاطرٍ لليهود والعرب. 
٥. تواجدت معظم المستوطنات وقتها بين يافا والقدس. 

Sunday, May 6, 2018

سوريّا من حملة ناپوليون إلى الانتداب الفرنسي



بَلَغَ طولُ كتابِ عبد العزيز العظمة "مرآة الشام" حوالي ٢٧٠ صفحة، أضف إليها المقدّمات والفهارس. توزّع الكتاب بالتساوي على وجه التقريب بين جزء أوّل متعلّق بمدينة دمشق، وجزءٍ ثانٍ تناولَ تاريخ سوريّا منذ حملة ناپوليون على مصر وفلسطين بدايةً من عام ١٧٩٨، وحتّى ثلاثينات القرن العشرين. الجزء الثاني سياسي بالدرجة الأولى، غَلَبَت عليهِ لهجةٌ عاطفيّة عكست قناعاتِ المؤلّف الراسخة كعربيّ النشأة عثمانيّ الهوى إسلامي العقيدة. كَتَبَ العظمة على سبيل المثال (صفحة ١٤٧) أنّه مع انتهاء عهد الأموييّن "انتهى الحكم العربي" وقام العبّاسيّون "بقوّة الأعاجم"، ومن ثمّ ولمدّة ١٢٠٠ سنة توافدَ الأغرابُ على البلادِ العربيّة بما فيهم العثمانييّن "أرقى تلك الأمم علماً ومعرفةً". أضافَ المؤلّفُ (صفحة ١٤٨)  أنّ تهمةَ محاولة العثمانييّن تتريك العرب وهضم حقوقهم باطلةٌ، لا تعدوا كونَها دعاية أجنبيّة مغرضة، وأنّ (صفحة ١٢٣) الدولة العثمانيّة هي "صاحبة البلاد"، وأنّها (صفحة ١٧٤) "الأمّ الرؤوم". دافع العظمة (صفحة ١٥٢) عن طردِها الأرمن والأروام، أي اليونان المقصود بهم مسيحييّ آسيا الصغرى، الذين اتّهمهم بالخيانة العظمى.

لا تخلو بعض آراء المؤلّف من العنصريّة، ومنها على سبيل المثال (صفحة ٢٤٤ ) استنكارُهُ لجوءَ الأرمن والشركس والآشورييّن واليهود "وغيرهم ممّن لفظتهم أوطانهم" إلى سوريّا لمزاحمةِ أهلِها و"الاستيلاء على مواردِ معيشتِها"، ووصفه جنود فرنسا من إفريقيا (صفحة ٢٦٢) "بعبيد السنغال"، ونعتهِ الغجر (صفحة ٢٦٠) "الذين لا دين لهم" بأوصاف "السفالة واللصوصيّة وفساد الأخلاق". 

أُعْجِبَ المؤلّفُ خصوصاً ببطلين من سلاطين آل عثمان خلال المائة والعشرين سنة الأخيرة من حياة الدولة: الأوّل محمود الثاني (١٨٠٨ - ١٨٣٩)، الذي أرْجَعَ إليه الفضلَ (صفحة ١٦٣) في استمرار الإمبراطوريّة قرناً إضافيّاً رغم أطماع القوى الاوروپيّة، وتمرّد محمّد علي والي مصر الذي وصل إلى قاب قوسين أو أدنى من القسطنطينيّة. أجرى محمود جملةً من الإصلاحات منها التجميليّة كاستبدال العمامة بالطربوش، ومنها الإداريّة والعسكريّة وخصوصاً إبادة الجيش الإنكشاري عام ١٨٢٦. البطل الثاني عبد الحميد الثاني (١٨٧٦ - ١٩٠٩) الذي حاول تعزيز السلطة المركزيّة بشتّى الوسائل، وامتلكَ  ما يكفي من الوعي والكفاءة كي يتبنّى التقنيّة الحديثة ووسائل الاتّصال والمواصلات، وشدَّدَ على هويّتِهِ الإسلاميّة في محاولةٍ لحصد ولاء المسلمين من رعايا العثمانييّن وغيرهم وجَمْعِهِم تحت رايةِ الخلافة في القسطنطينيّة. نجحت مساعي هذا السلطان إلى درجةٍ لا بأس بها. 

أدان الكاتب جماعة الاتّحاد والترقّي وتركيّا الفتاة الذين سيطر قادَتُهُم أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا وجاويد بك على مقاليد الحكم بعد سقوط عبد الحميد، واتّهمهم (صفحة ٢٠٧) بتشويهِ سمعةِ هذا الأخير، وإضاعة ليبيا وبقايا ممتلكات العثمانييّن في أوروپا، وأخطر من هذا وذاك توريط الإمبراطوريّة في الحرب العظمى التي عُرِفَت لاحقاً بالعالميّة الاولى. يبقى العظمة في نهايةِ المطاف مواطناً عثمانيّاً مخلصاً إلى درجة تبرير (صفحة ٢٢٠) شَنْق جمال باشا لعددٍ من الشخصيّات السوريّة خلال الحرب، كإجراءٍ مشروع في سبيل الحفاظ على كيان الدولة، وإن "أفْرَطَ" في الشدّة. 

احتَفَظَ العظمة بالكمّ الأكبر من الإدانةِ والاحتقار لشريف مكّة حسين وابنه فيصل،اللذَين اتّهمهما جهاراً أو مواربةً بالسذاجةِ في تعاملهما مع الإنجليز، والغدرِ والخيانةِ والتذبذبِ والنذالةِ والتبعيّةِ، بينما كالَ الثناءَ دون حسابٍ للدولة العثمانيّة (صفحة ٢٣٧) التي "حافظت على هذا الشرق طيلة تلك العصور وأمّنت استقلالَهُ وحَمَت بيضةَ الإسلام وأعلت شوكَتَه وتساهلت مع غير المسلمين ومنحتهم مساعداتٍ...وهي...تَفْضُل جميعَ الدولِ الغابرة والحكوماتِ الحاضرة بلا مراء". لا يمكن اتّهام العظمة بالرياء والمداهنة سواءً وافقنا على آرائِهِ أم رَفَضْناها، والسبب بكل بساطة أنّه كتب ما كتب بعد سقوط الإمبراطوريّة، في وقت كان مديحُها آخرَ ما يفكّرُ به الوصوليّون والمتسلّقون. 

سَمّى المؤلّف (صفحة ٢٦٨) قائمةَ الوزراءِ من "أصدقاء فرنسا" بعد طرد فيصل، ومنهم عبد الرحمن باشا اليوسف وفارس بك الخوري، وأورَدَ برقيّةً (صفحة ٢٨٥) وقّعَها عددٌ من أبرز شخصيّات سوريّا آنذاك لمناشدةِ فرنسا وخَطْبِ ودِّها، وثانيةً إلى غورو. الأسماءُ كثيرةٌ ومنها السادة محمّد كرد علي، وعطا الأيّوبي، وعبد المحسن الأسطواني، والأمير طاهر الجزائري، والدكتور رضا سعيد وغيرهم. 

نعم هناك سوريّون، وليس أي سورييّن، أيّدوا الانتداب الفرنسي. لربّما فعل بعضُهُم ذلكَ عن قناعةٍ، بيد أنّ جماعة "من تزوّج أمّي فهو عمّي" موجودون في كلِّ زمانٍ ومكان.    

دمشق في عيون عبد العزيز العظمة



أعطى عبد العزيز العظمة وصفاً مفصّلاً لمدينتِهِ التي أحبّها كلّ الحبّ، واعتمد الكثيرون لاحقاً على المعلومات التي وثّقها. من الملفت للانتباه أنّ الكتاب خالي تماماً من الخرائط، وهذه نقيصة لا يستهانُ بها، وفي نفس الوقت لا يمكن لومُها على المؤلّف الذي مات قبل أربعين عاماً ونيّف من نشرِ دراسَتِهِ، ويا حبّذا لو أُعيدَ طبعُ الكتاب مع الخرائط التي لا غنى عنها لتحديد التقسيمات، أو الأثمان، والشوارع، والأوابد، التي يتعذّر فهمُها دون خرائط، اللهمّ إلّا لمن يعرف دمشق مُسْبَقاّ معرفةً دقيقة. وصف ابن عساكر دمشق في القرن الثاني عشر، واستند Nikita Elisséeff على هذا الوصف ليرسم خريطةَ دمشق النوريّة. إذا كان ذلك ممكناً بعد انقضاء ٨٠٠ سنة، فبالأحرى أن نستطيع فِعْلَهُ بعد بضع عشرات من السنوات، خصوصاً وأنّ الكثير من الخرائط العالية الدقّة أصبحت متوافرة اعتباراً من القرن التاسع عشر. 

استطرد الكاتب خلال بضع صفحات (٥٥ إلى ٦١)،  في محاولةٍ لتغطية المذاهب الإسلاميّة (سنّة ومعتزلة وشيعة ومرجئة وخوارج)، مع تفرّعاتها ووصف مختصر لكّل منها، سيّان عنده إذا انقرضت أو كانت لا تزال موجودة. محاولة تغطية ما يتطلّب مجلّدات في صفيحات معدودة محكومٌ عليها بالفشل مسبقاً مع تقديري للجهد المبذول فيها. علاوة عن سطحيّة هذه التغطية، علاقتُها بدمشق مشكوكٌ بها، خاصّىة وأنّه لا يوجد استعراض مشابه للطوائف غير الإسلاميّة التي كان ولا يزال وجودُها في المدينة ملموساً، وإن ذكر المؤلّف عادات - وليس معتقدات - هذه الطوائف تحت بابٍ آخر. 

كان عبد العزيز العظمة مسلماً سنيّاً محافظاً، نَظَرَ "للبدع" عموماً بعين الشكّ والريبة، فهو مثلاً (صفحة ٧١) ضدّ "نور الكهرباء الشديد الذي ساقنا إليه حبّ التقليد والاعتياد" والذي اعتبره مضرّاً للبصر، وضدّ استعمال المواقد الكهربائيّة والصوبات أو الصوبيات للتدفئة كونها تسبّب "صداعاً في الرؤوس ونقصاً في الجيوب"، وضدّ السفور (صفحة ٧٥) والمساواة بين الجنسين، وضدّ السينما والمراقص (صفحة ٧٩) التي تحتوي على "كلّ مفسد للأخلاق". تحسّر العظمة (صفحة ١٣٩) على إضاعة "ثروة الآباء" على "السيّارات والطيّارات والدرّاجات والتليفون والراديو وغيرها من مخترعات هذه الأيّام"، ونَدَبَ (صفحة ١٤٤) التخلّي عن الدواب كوسيلةٍ للنقل، وإن استدرك (صفحة ١٤٧) فنادى بإقامة معمل للسيّارات في سوريّا يغنيها عن الإستيراد، ممّا يدلّ أنّه - على كرهه للاختراعات الحديثة - أدرك في نهاية المطاف أنّ هذه التقنيّات لا غنى عنها إذا أرادت سوريّا أن تلحق بركب العالم المتقدّم. نظر العظمة بعين الرضا والفخر إلى مدّ سكك الحديد في بلادِهِ، خصوصاً الخطّ الحديدي الحجازي، مشروع السلطان عبد الحميد خان الذي احترَمَهُ المؤلِّف إلى أقصى الحدود. خرّب الثوّار العرب بقيادة لورانس هذا الخطّ إبّان الحرب العظمى. 


خصّص المؤلّفُ حيّزاً صغيراً للبيوت الدمشقيّة وتقسيماتِها ومسمّياتِ وحداتِها ومكوّناتِها وأثاثِها. تعرّض العظمة أيضاً إلى الثياب والزينة والسهرات والسيارين والخطبة والزواج والجهاز والعرس والختان والأعياد القديمة منها والمحدثة والمآتم وأصناف الطعام  والمدارس والمناهج والنباتات والحيوانات والصنائع والتجارة وكثير غيرها من المعلومات التي لا تقدّر بثمن.

للحديث بقيّة. 



Saturday, May 5, 2018

مرآة الشام



قُدِّرَ لهذا الكتاب الثمين أن يرى النور عام ١٩٨٧، بعد أكثر من أربعين عاماً من وفاةِ مؤلّفِهِ؛ أضِف إلى ذلك أنّهُ طُبِعَ في بريطانيا رغم كونِهِ باللغة العربيّة. أوّل ما خطر لي لدى قراءة العنوان، عنوانٌ مشابهٌ لكتابٍ عن دمشق للبريطاني Colin Thubron في منتصف الستّينات، بيد أنّ الفرقَ بين الكتابين كبيرٌ للغاية، وإن جَمَعَهُما الموضوعُ (دمشق) وجمال الإخراج. الكتاب الإنجليزي أطلى لغةً، وأقلّ تبنيّاً لأسلوب "الوعظ"، وأكثر تركيزاً على معالم دمشق اليونانيّة والرومانيّة، شأنُهُ في ذلك شأن الكثير من الكتب الغربيّة؛ ناهيك عن كونِهِ أغنى صوراً ويحتوي على خريطةٍ جيّدة للمدينة. كتاب عبد العزيز العظمة بالمقابل أغزر بالتفاصيل والمعلومات والإحصاءات والأسماء والتواريخ، وأوسع مدىً، وأكثر تركيزاً على الأمور التي تهمّ المسلمين بالدرحة الأولى ثقافيّاً ودينيّاً وتاريخيّاً.  

عبد العزيز العظمة (١٨٥٦-١٩٤٣) هو الأخ الأكبر لبطل ميسلون يوسف العظمة (١٨٨٤-١٩٢٠). أُنْجِزَ كتاب "مرآة الشام" بين الأعوام ١٩٣٠ و ١٩٣٧، وهو في الأصل ثلاثة أجزاء: الأوّل عن دمشق وتقسيماتِها وأسواقِها ودورِها وعاداتِها والتعليمِ فيها وأسبابِ رزقِها؛ الثاني عن "تاريخ العرب" من "سام ابن نوح" إلى القرن الثامن عشر. حُذِفَ هذا القسم من الكتاب المنشور لأنّه - حسب المحققّ اللغوي والتاريخي نجدة فتحي صفوة - "مختصر لما جاء في كتب التاريخ الأُخرى .... وهي مادّة يمكن مراجعتها في أيّ كتاب"؛ الثالث عن تاريخ سوريّا الحديث، بدايةً من حملة ناپوليون على مصر وسوريّا عام ١٧٩٨ ونهايةً بالانتداب الفرنسي. النسخة الأصليّة للكتاب محفوظة في مكتبة الأسد الوطنيّة وهي، حسب السيّد صفوة، "مثقلة" بالأخطاء اللغويّة وأخطاء التسميّة. برّرَ المحقّقُ هذه الأخطاء بكون المؤلّف تركيّ الثقافة، وبالتالي أقلّ تمكّناً من اللغة العربيّة. يحسن هنا التنويه أنّ العظمة عثمانيّ الهوى كما سنرى.

بغضّ النظر عن الأخطاء، وهي موجودةٌ حتماً حتّى بعد التنقيح والمراجعة، الكاتبُ بسبقٍ حائزٌ تفضيلا، تطرّقَ إلى الكثير ممّا أغْفَلَتهُ معظم المراجع المعاصرة، خصوصاً العربيّة منها، وأبدى رأيه، بغضّ النظر عن سدادِهِ ولباقتِهِ السياسيّة، بصراحةٍ وبراءةٍ وعفويّة دون تنميقٍ أو تزويق، وأوصى أولادَهُ بعدم حذف أو تعديل أي فقرة من الكتاب حتّى لو خالفت معتقداتِهم. خالفت هذه المعتقدات في نهايةِ المطاف بالتأكيد آراء العظمة، وساهمَ أولادُهُ بشكلٍ أو بآخر في تَبِعات ما سُمّيَ "بالثورة العربيّة الكبرى" التي عارَضَها هو أشدّ معارضة.    

للحديث بقيّة.