Friday, March 6, 2020

جامع الخرّاطين



أو المدرسة السيبائيّة أو السباهيّة نسبة لسباي آخر نوّاب دمشق المماليك وصنّفها العلبي مع المدارس الحنفيّة أمّا عن تسمية جامع الخرّاطين فهي عن المستشرقين الألمانييّن Wulzinger و Watzinger اللذان قاما بزيارتها خلال الحرب العالميّة الأولى.

تدعى المدرسة أيضاً جامع الجوامع ويعود هذا إلى جهود النائب المذكور في جمع مواد بنائها من العديد من الأوابد الشاميّة وفي نهاية المطاف لم يقدّر له أن يدفن فيها وإن آوت رفات أمّه وابنته.

الموقع جنوب جامع الدرويشيّة خارج سور المدينة مباشرة مقابل باب الجابية إلى الغرب والشمال وتاريخ البناء ٩٢٠ للهجرة الموافق ١٥١٤-١٥١٥ للميلاد أي قبيل سقوط دولة المماليك. 



تتبع مئذنة المدرسة (الصورة عن Degeorge) نمط مئذنة الجامع الأموي الجنوبيّة الغريبيّة المنسوبة للسلطان قايتباي أمّا عن الواجهة فهي مملوكيّة نمطيّة ببوّابتها الشاهقة المتوّجة بالمقرنصات وجدرانها الأبلقيّة (الرابط والمصادر أدناه). وصف العلبي وضعها بالجيّد في أواخر ثمانينات القرن العشرين مع التحفّظ أنّ "الجوار" اختلس قسماً من واجهتها الجنوبيّة واتّخذها مركزاً لبيع الجبن والحليب "بمعرفة مديريّة الآثار أو بدون معرفتها". 

ترجم العلبي سيباي بالتفصيل في كتاب دمشق بين المماليك والعثمانييّن وباختصار تقلّب الرجل في عدّة مناصب إلى أن عيّنه قانصوه الغوري نائباً على حلب عام  ١٥٠٣ وبالنتيجة تمرّد سيباي وفشل وعلى إثر ذلك ذهب إلى الغوري حاملاً كفنه تحت إبطه وهي علامة الخضوع التامّ للسلطان فأن شاء هذا الأخير وفّره وإن شاء أمر به فقتل شرّ قتلة. اختار الغوري العفو عن سبياي وعيّنه عام ١٥٠٦ نائباً على دمشق وعلّ هذا المنصب كان الأهمّ في امبراطوريّة المماليك بعد السلطان ذاته.

ساد الوئام علاقة السلطان والنائب بعدها حتّى لاقى الإثنان حتفهما في معركة مرج دابق في الرابع والعشرين من آب ١٥١٦ ومن المعروف أنّ الغوري عقد لابنه على بنت سيباي في حزيران ١٥١٤ (*) وعندما دخل السلطان دمشق في حزيران عام  ١٥١٦ في طريقه إلى حرب العثمانييّن احتفى به سيباي غاية الحفاوة وحمل مظلّة فوق رأسه قبل أن يتبعه شمالاً ليشاركه قدره المحتوم. 

*من سخرية الأقدار أنّ يقوم السلطان سليم بزفّ العروسين في القاهرة لاحقاً قبل أن يأخذهما معه إلى القسطنطينيّة في شباط ١٥١٨ وتنقطع أخبارهما من كتب التاريخ (ابن طولون في مفاكهة الخلّان). 




الصورة العليا بعدسة مروان مسلماني والأخيرة من دليل دمشق.



أكرم حسن العلبي خطط دمشق دار الطبّاع ١٩٨٩.







Gérard Degeorge. Syrie: Art, histoire, architecture 1983.

Wulzinger & Watzinger. Damaskus : die islamische Stadt 1924. 



Thursday, March 5, 2020

شرطة مدينة دمشق


يحدّثنا دليل دمشق عام ١٩٤٩ عن أقسام شرطة دمشق الخمسة مع أكواخ "كولبات" كلّ منها كما يلي:

قسم المركز
وله أكواخ في سوق الهال وسوق ساروجا وعين الكرش وكيوان (شارع القوّتلي) والحلبوني (شارع البرامكة).

قسم الصالحيّة
أكواخه في ساحة النجمة وعرنوس والعفيف والشيخ محي الدين والأكراد (كوخان أحدهما في ساحة شمدين) والمهاجرين.

فسم الميدان
باب سريجة والشويكة والشيخ حسن والمجتهد والطويلة والحقلة والساحة والميدان الفوقاني وبوّابة الله أو باب مصر.

قسم العمارة
باب شرقي وباب توما والقصّاع وشارع بغداد والسمانة والعقيبة ومصلبة العمارة.

قسم الأمين
الحميديّة (المسكيّة) وباب الجابية والبزوريّة والقيمريّة والشاغور وخالد بن الوليد ومخفر اليهود في "شارع اليهود قراونة".

إذاً قسم المركز يغطّي المنطقة شمال وغرب سوق المدينة وقسم الصالحيّة ما يليها إلى الشمال والعمارة الشمال والشمال الشرقي والشرق والأمين المدينة داخل السور والقنوات إلى الغرب أمّا الميدان فلا يحتاج إلى التعريف.

ما يلفت النظر غياب أيّ رقم هاتف للشرطة من أي نوع ولربّما كان في ذلك الوقت نافلاً نظراً لوجود "كولبا" وشرطي في متناول جميع الأحياء عمليّاً أو علّ الأمن كان أكثر استتباباً في الماضي. هناك بالطبع أرقام تليفون لدوائر حكوميّة كوزارة العدل ودائرة الاستنطاق والمحاكم الشرعيّة والنيابة العامّة إلى آخره ولكن ليس للشرطة. 

يظهر الدكتور زكي الجابي المدير العامّ للشرطة والأمن متوسّطاً كبار موظّفيّ وضبّاط دائرته في الصورة أعلاه. اللقطة أمام بناء المديريّة. الصورة الثانية لمدخل مدينة دمشق. 




Wednesday, March 4, 2020

تطوّر السكن الشامي‎


لم تكن جميع البيوت الشاميّة قصوراً في يوم من الأيّام ومع ذلك لا جدال أنّ الدار الدمشقيّة تغيّرت اعتباراً من أواخر القرن التاسع عشر لتصبح أكثر موائمة للعائلة العصريّة من ناحية الخصوصيّة والخدمات على حساب المساحة والبذخ في الزينة. 

الصور أعلاه مأخوذة من دليل دمشق عام ١٩٤٩ أمّا المعلومات التالية فهي تعريب بتصرّف عن دراسة Jean-Luc Arnaud (٢٠٠٦: المصدر أدناه).

تحتلّ الوحدات السكنيّة في مناطق المدينة العائدة للنصف الأوّل من القرن التاسع عشر وما سبقه مساحة ندر أن قلّت عن مائة متر مربّع وكثيراً ما تجاوزت ضعفيّ هذا الرقم. سمحت هذه الرقعة ببناء منزل مكوّن من عدّة غرف حول صحن مركزيّ فسيح وبالتالي عاشت عدّة أجيال في نفس البناء اللذي تشارك به الإخوة والنساء الغير متزوّجات والأرامل والمطلّقات وكانت الدار موزّعة بشكل يؤمّن لكل زوجين حجرة أو حجرتين. إذا أخذنا كمثال قصر العظم -وهو حالة استثنائيّة دون أدنى شكّ- فقد كان مسكوناً من قبل إثنين وسبعين من المتحدّرين من هذه العائلة مع خدمهم عندما اشترته سلطات الانتداب الفرنسي في مطلع عشرينات القرن الماضي.



مع دخول الحداثة أصبح الرجل أميل للاستقلال عن أهله بعد الزواج في بيوت وشقق انتقل إليها مع زوجه وأطفاله ولكن هناك مؤشّرات أنّ هذا الميل سابق لعهد الانتداب إذ نلاحظ أنّ البيوت في الأحياء التي استحدثت بعد ١٨٦٠ أصغر كثيراً من سابقاتها وكثير منها ما لا تزيد مساحته عن أربعين إلى ستّين متر مربّع وندر ما زادت رقعته عن المائة وهذه الأخيرة تعتبر -على اتّساعها النسبي- صغيرة مقارنة مع بيوتات منتصف القرن الثامن عشر.  تحتوي معظم بيوت الأحياء الجديدة على غرفتيّ معيشة ومطبخ ومنافع غالباً ما تكون متناهية في الضيق ممّا يحول دون استعمالها من قبل العائلات الكبيرة المكوّنة من عدّة أجيال. ليس من الواضح دوماً ما إذا كان الحجم الصغير لهذه البيوت يعود إلى النزعة الاستقلاليّة للعائلات النوويّة nuclear (أي المقتصرة على الأب والأمّ والأولاد بينما العاتلات الممتدّة extended families تشمل الجدّ والجدّة والأبناء والإخوة وأسرهم) أم لأسباب اقتصاديّة.







Arnaud, Jean-Luc. Damas: Urbanisme et architecture 1860-1925. Sindbad 2006

Tuesday, March 3, 2020

شارع بريطانيا


يسمّى اليوم رسميّاً شارع الجلاء ويعرفه الجميع كشارع أبو رمّانة والسؤال هنا عن خلفيّة التسمية الأصليّة خصوصاً وأنّ المناهج السوريّة كانت ولا زالت تندّد بالسياسات البريطانيّة عموماً وتصريح بلفور خصوصاً. 

لربّما كان الموضوع يتعلّق بدور بريطانيا في استقلال سوريا. يشير دليل دمشق ١٩٤٩ صراحة إلى هذا الدور (صفحة 12) حين يقول:

"في شهر أيّار ١٩٤٥ كشف الفرنسيّون مؤامرتهم على حريّة هذه البلاد وأخذت طائراتهم ومدافعهم تقصف دمشق وباقي المدن السوريّة قصف تدمير وإبادة حتّى تدخّل الجيش الإنكليزي فمنع هذا العدوان".

توخّى القيّمون على فكر السورييّن لاحقاً التعتيم على دور بريطانيا في كبح جماح فرنسا ولكنّه واقع لا ريب فيه وبالإمكان التحقّق منه بسهولة من عدّة مصادر في عدّة لغات. 

أعلن الجنرال Georges Catroux نيابة عن فرنسا الحرّة استقلال الجمهوريّة السوريّة في ٢٧ أيلول ١٩٤١ والتحدّي بالنسبة للفرنسييّن كان في تحديد شكل هذا الاستقلال بعد أن وضعت الحرب العالميّة الثانية أوزارها فقاموا بناءّ عليه بمحاولة لإقناع السورييّن بقبول معاهدة ثقافيّة واستراتيجيّة مع فرنسا تحفظ نفوذ هذه الأخيرة في الشرق الأدنى. لم يبد السوريّون أدنى رغبة في ارتباط من هذا النوع معتقدين -وبحقّ- أنّ الوضع الدولي وتوازن القوى الجديد يسمح لهم بأكثر ممّا وعدته معاهدة ١٩٣٦ التي أجهضتها سياسات باريس الداخليّة. عمّت الاحتجاجات المدن السوريّة واضطرّ الفرنسيّون للّجوء إلى العنف لقمعها وجرى ما جرى في التاسع والعشرين من أيّار عام ١٩٤٥ عندما قصف المجلس النيابي في دمشق. 

الأسطر التالية تعريب عن مذكّرات الجنرال Charles de Gaulle يصف فيها هذه الأيّام العصيبة:

أتى الجنرال Paget في نفس هذا اليوم الأوّل من حزيران إلى بيروت وأعطى إنذاراً مفصّلاً للجنرال Beynet. حمل الإنجليزي لقب "القائد الأعلى لمسرح الشرق" رغم عدم وجود عدوّ واحد يتعيّن مقاتلته في دائرة عشرة آلاف كيلومتر من هذا "المسرح". صرّح Paget أنّه تلقّى من حكومته الأمر بتسلّم القيادة في سوريا ولبنان وبصفته هذه دعى السلطات الفرنسيّة إلى تنفيذ الأوامر التي سيعطيها إليهم دون مناقشة وأوّل هذه الأوامر أن تتوقّف القوّات الفرنسيّة عن القتال وتلتزم ثكناتها. استعرض الجنرال Paget خلال هذه الزيارة جنوده بشكل استفزازيّ. 

نظّمت في الثاني من حزيران مؤتمراً صحفيّاً تقاطر إليه الإعلاميّون الفرنسيّون والأجانب كما لم يفعلوا في تاريخهم. قمت خلال هذا المؤتمر بشرح القضيّة لحلفائنا السابقين دون استعمال الشتائم وفي نفس الوقت دون مواربة. 

أخيراً قمت في الرابع من حزيران باستدعاء سفير بريطانيا العظمى وقلت له بعد أن دعوته للجلوس: "يتعيّن عليّ الإقرار أنّنا لسنا الآن في صدد شنّ الحرب عليكم ولكنّكم أهنتم فرنسا وخنتم الغرب وليس نسيان هذا بالأمر الممكن". نهض Duff Cooper وخرج. 

لم يكن شارل ديغول قولاً أو فعلاً بالرجل الذي يغفر أو ينسى وقدّر له أن يقف مع بلاده عقبة كأداء في وجه دخول المملكة المتّحدة إلى الاتّحاد الأوروبّي طوال تولّيه قيادة فرنسا. 

النصّ أعلاه مع خلفيّته في منشور مستقلّ بالفرنسيّة.








De Gaulle face aux agressions de l’empire anglo-saxon



Monday, March 2, 2020

Avenue de la Grande- Bretagne


La duplicité de Londres et l'infâme déclaration Balfour ont été régulièrement enseignées dans les écoles syriennes au cours du siècle dernier.  Pourquoi alors nommer une nouvelle rue magnifique au cœur de Damas d’après la Grande-Bretagne?

Il s'agit tout simplement du rôle joué par l'Angleterre dans les événements menant à l’indépendance de la Syrie, lorsque la France a violemment tenté de réprimer les manifestations à Damas et ailleurs, finissant par bombarder le Parlement le 29 mai 1945. Désireux de rétablir l’ordre, les Britanniques ordonnèrent aux troupes françaises de cesser immédiatement la violence et de rejoindre leurs casernes.  Pas question d'un refus. Affaiblie par la guerre et ses séquelles, la France n’était pas en mesure d'en subir les conséquences.

Charles de Gaule ne pardonnera jamais la trahison de ses alliés. Tant qu’il était en charge, l’Angleterre ne serait pas autorisée à joindre l’union européenne.

Mais laissons parler le général:

« Au cours de cette même journée du 1er juin, le général Paget vint à Beyrouth et remit au général Beynet un ultimatum détaillé. Aux termes de ce document, l’Anglais – qui s’intitulait : “Commandant suprême sur le théâtre d’Orient”, bien qu’il n’y eût plus, à 10 000 kilomètres à la ronde de ce “théâtre”, un seul ennemi à combattre – déclarait “qu’il avait reçu de son gouvernement l’ordre de prendre le commandement en Syrie et au Liban”. À ce titre, il sommait les autorités françaises “d’exécuter sans discussion tous les ordres qu’il leur donnerait”. Pour commencer, il prescrivait à nos troupes “de cesser le combat et de se retirer dans leurs casernes”. Le général Paget avait déployé, à l’occasion de sa visite, une provocante parade militaire »


«… je fis, le 2 juin, une conférence de presse. Jamais encore l’affluence des journalistes étrangers et français n’avait été plus nombreuse. J’exposai l’affaire sans insultes, mais sans ménagements, pour nos anciens alliés.


Enfin, le 4, je convoquai l’ambassadeur de Grande-Bretagne, le fis asseoir et lui dis : “Nous ne sommes pas, je le reconnais, en mesure de vous faire actuellement la guerre. Mais vous avez outragé la France et trahi l’Occident. Cela ne peut être oublié”. Duff Cooper se leva et sortit. »










المجلس النيابي السوري‎


أو البرلمان أو مجلس الشعب (التسمية الحاليّة).  قام هذا البناء الجميل في دمشق على أنقاض سينما شنق قلعة التي شيّدت بأمر أحمد جمال باشا عام ١٩١٦ تخليداً لانتصار العثمانييّن الكبير على الجييش البريطاني والحلفاء في معارك الدردنيل وشبه جزيرة Gallipoli عام  ١٩١٥. مع الأسف احترقت السينما بعد شهر من افتتاحها وعلى علمي لا توجد صور لها اليوم أمّا عن المجلس النيابي فيعود للعام  ١٩٢٧-١٩٢٨ مع إضافات عام  ١٩٤٦. 

تغلب التأثيرات الشرقيّة في قالب حديث على طراز وزخرفة البناء وهناك نماذج مستقاة من نفس المصدر في قصر العدل وبناء مؤسّسة عين الفيجة ومدرسة التجهيز (ابن خلدون وجودت الهاشمي لاحقاً).

أطلق قنّاصون الرصاص من نوافذ المجلس النيابي على مقرّ الجنرال Oliva-Roget الموفد الفرنسي في سوريا وأجاب الفرنسيّون بفتح نيران مدافعهم على المبنى ومن ثمّ احتلال ما تبقّى منه وكان هذا في التاسع والعشرين من أيّار ١٩٤٥.

الصورة العليا مأخوذة من كتاب "مصوّر الإقليم السوري" الصادر في زمن الوحدة عن المديريّة العامّة للدعاية والأنباء في دمشق ويعود الفضل في إخراجه الفنّي للسيّد سليم ديراني. الصورة الثانية الأقلّ جودة مأخوذة من دليل دمشق  ١٩٤٩ ويعطينا هذا الدليل قائمة لربّما كانت شاملة بأسماء أعضاء هذا المجلس الذين بلغ عددهم ١٣١ نائباً اخترت منهم الأسماء التالية:

معروف الدواليبي, ناظم القدسي, نسيب البكري, لطفي الحفّار, فخري البارودي, عدنان الأتاسي, فارس الخوري, فيصل العسلي, فيضي الأتاسي, أكرم حوراني, حبيب كحّالة, رشدي الكيخيا, صبري العسلي, عادل أرسلان, وحيد مزراحي. 






قتيبة الشهابي. دمشق تاريخ وصور الطبعة الثانية ١٩٩٠ عن مؤسّسة النوري ومطبعة محمّد هاشم الكتبي.



Gérard Degeorge. Damas: des Ottomans à nos jours. L'Harmattan, 1994.

Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 






Sunday, March 1, 2020

حرب ١٩٤٨


لعبت هزيمة ١٩٤٨ دوراً لا بأس به في تغيير نظام الحكم في سوريا أوّلاً (انقلاب حسني الزعيم في آذار ١٩٤٩) وسقوط الملكيّة في مصر على يد مجموعة "الضبّاط الأحرار" في تمّوز/يوليو ١٩٥٢ ثانياً ولامت الحكومات اللاحقة "الرجعيّة" كأحد عوامل النكبة الأساسيّة. 

هذه الرواية ناقصة على أقلّ تقدير ويقابلها رواية الطرف الآخر التي لا تقلّ عنها في المبالغة والاستشهاد بأنصاف الحقائق ألا وهي خرافة الوليد الإسرائيلي المهيض الجناح في مواجهة بطوليّة يائسة قيّض له فيها النصر بما يشبه المعجزة على جحافل الجيوش الجرّارة لأعضاء الجامعة العربيّة المعزّزة بالبطل فوزي القاوقجي و"جيش الإنقاذ".

إذا سمحنا للحقائق بالكلام (عوضاً عن العواطف والبلاغة الخطابيّة) فهي تعطي صورة مغايرة إلى أبعد الحدود. خسارة العرب كانت محتومة لا ريب فيها إذا قبلنا أرقام قائد الجيش العربي الأردني السير John Bagot Glubb في كتاب "جندي مع العرب" الصادر عام  ١٩٥٧:

مقابل ٦٥٠٠٠ جندي إسرائيلي كانت "الجيوش العربيّة" كما يلي:

مصر ١٠٠٠٠
الجيش الأردني ٤٥٠٠
سوريا ٣٠٠٠
لبنان  ١٠٠٠
العراق ٣٠٠٠

أي أنّ القوّات العربيّة مجتمعة كانت ٢١٥٠٠ بالكاد ثلث نظيرتها الإسرائيليّة دون الدخول في تفاصيل  السلاح والعدّة والتدريب ومن باشر الحرب ومن اعتدى على من. أضف إلى ذلك دعم لا حدود له من جميع القوى الغربيّة والأوروبيّة العظمى عمليّاً قبل وأثناء وبعد إعلان دولة إسرائيل كما يلي:

- البريطانيوّن في تصريح بلفور.

- الولايات المتّحدة الأمريكيّة في ممارسة الضغط على الأمم المتّحدة الفتيّة لتمرير قرار التقسيم في تشرين الثاني عام  ١٩٤٧ (كان هذا القرار بمثابة ضوء أخضر للإسرائيلييّن للإسراع بالسيطرة على المناطق التي خصّصها القرار لهم وإجلاء أكبر عدد ممكن من الفلسطينييّن عنها بينما اقتصر "هجوم" القوّات العربيّة لاحقاً على محاولة للاحتفاظ بالمناطق "العربيّة" ونجحوا بعد جهد جهيد في إنقاذ ما سمّي لاحقاً بالضفّة الغربيّة وقطاع غزّة ولو إلى حين). 

- الاتحاد السوفييّتي كان مع الولايات المتّحدة من أوائل من اعترف بإسرائيل وقاتل الإسرائيليّون بسلاح تشيكي بعلم الروس إن لم يكن بموافقتهم. 

- فرنسا ساهمت في البرنامج النووي الإسرائيلي وزوّدت طيران إسرائيل بالميراج الذي دمّر الطائرات المصريّة والسوريّة في مطاراتها عام ١٩٦٧.

- ألمانيا دفعت مبالغ طائلة من المال لإسرائيل تعويضاً عن اضطهاد النازييّن لليهود. 

رغم كلّ هذا وذاك حارب العرب بجدّيّة ومصداقيّة عام ١٩٤٨ وتجاوزت خسائر إسرائيل (استناداً إلى مصادرهم) الستّة آلاف قتيل  وهو أعلى رقم تكبّدته الدولة العبريّة في أي حرب ضدّ جيرانها على الإطلاق وشكّل وقتها حوالي  ١٪ من عدد Yishuv أو يهود فلسطين وقتها. 

الصورة أعلاه من كتاب "دليل دمشق" الصادر عام ١٩٤٧ ويظهر فيها مكتب أخبار الجيش. يشابه العمار الأبنية حول ساحة المدفع وقرب شارع أبو رمّانة وعلّه أحدها. 







John Bagot Glubb. A Soldier with the Arabs. London, Hodder and Stoughton 1957.