Thursday, February 8, 2018

مصادر التاريخ الإسلامي


من السهل أن ينسى طلّاب العهد المعلوماتي مدى صعوبة تحصيل المعلومات حتّى أمد قريب خاصّة إذا كانت هذه المعلومات متناثرة في عدّة بلدان بمخطوطات يدويّة كثيراً ما تكون ناقصة وبلغات مختلفة قديمة أو حتّى دارسة تحتاج لأخصّائييّن لفكّ طلاسمها. قام العالم الفرنسي Jean Sauvaget عام ١٩٤٣ بنشر كتاب يهدف إلى تزويد الباحثين بفهرس أقرب ما يكون إلى الشمول عن الدراسات المتعلّقة بالتاريخ الإسلامي بعدد كبير من اللغات الأوروبيّة (فرنسيّة وإنجليزيّة وألمانيّة بالدرجة الأولى) والشرقيّة (أهمّها العربيّة) مع ذكر الترجمة إذا وجدت. يتجاوز طموح هذا العمل إمكانيّة رجل واحد مهما كان ألمعيّاً وبالتالي فلا بدّ من وجود نواقص وأخطاء حاول المستشرق الفرنسي Claude Cahen تلافيها عندما أعيدت طباعة الكتاب بحلّة جديدة على يديه عام ١٩٦١ مع أخذ الإكتشافات والأبحاث المستجدّة منذ الطبعة الأولى بعين الاعتبار. 



يستطيع تلاميذ التاريخ اليوم بسرعة وبمنتهى السهولة إجراء بحث google للحصول على غايتهم المنشودة دون الحاجة للفهارس الأبجديّة الورقيّة كما ويستطيعون الاطّلاع على كثير من النصوص القديمة بالمجّان على الشبكة ولديهم في إنارة ومواصلات وكمبيوترات اليوم أدوات لم يرها أو يسمع بها علماء الأمس ولو بالخيال والأساطير. 

مضى على طهور الطبعة المنقّحة والمعدّلة لهذا الكتاب الدليل أكثر من نصف قرن اكتشف فيها الكثير وكتب الكثير ومع ذلك يحتفظ منهج البحث بأهمّيته كإطار يملك من المرونة اكثر من الكفاية لاستيعاب المستجدّات والمعطيات الإضافيّة. يبدأ المؤلّف بتبويب المراجع حسي نوعيّتها ثمّ ينتقل إلى توزيعها حسب العموميّة (التاريخ الإسلامي ككلّ) أو الخصوصيّة (المتعلّقة بفترات زمنيّة محدّدة أو إمبراطوريّات معيّنة مع السلالات التي حكمتها أو الرقعة الجغرافيّة المغطّاة). المراجع المذكورة تعدّ بالمئات ولربّما بالآلاف خلال صفحات الكتاب التي لا تتجاوز ٢٥٠ ولا مجال للدخول بها ولكن يمكن تبويب أهمّها كما يلي: 

١. الأرشيفات: لا توجد أرشيفات تستحقّ الذكر قبل العصر السلجوقي باستثناء مصر التي حفظت بعض الوثائق على ورق البردي. لدينا كمّ ضخم من الأراشيف العثمانيّة كثير منها لم يحظ بالدراسة حتّى اليوم.

٢. الحديث أي السيرة النبويّة وهي ليست بالضبط تأريخ بقدر ما هي نصوص يبنى عليها الفقه الإسلامي كمصدر للشريعة وهي تعتمد على سلسلة الإسناد التي كثيراً ما تكون أطول من النصّ.

٣. كتب التاريخ الأقدم تشبه كتب الحديث بإدراج إسناد مطوّل إضافة للوجوه المختلفة للسرد حسب اختلاف الرواة ودون أي محاولة جديّة لتحليل النصّ (أي كما في الحديث الإسناد لا يقلّ أهميّة عن المتن إن لم يكن يفوقه أهميّة). علاوة على ذلك كثيراً ما يكتب التاريخ بشكل تراجم تصنّف بالأجيال (طبقات) وتركّز على حياة العلماء رجال الدين أمّا عن كتب التأريخ والأخبار (الحوليّات) فقد ظهرت في القرن التاسع الميلادي على يد الإيرانييّن بالدرجة الأولى وإن كتبوا بالعربيّة. التركيز دوماً على التاريخ السياسي. 

٤. كتب الجغرافيا والرحلات.

٥. المصادر الفقهيّة وهي غير مباشرة (أبو حنيفة مثلاً لم يترك أعمالاً شخصيّة ونعرفه من أتباعه). 

٦. المصادر الأدبيّة والدواوين فمثلاً كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (مات ٩٦٧) يحتوي على الكثير من النوادر ذات الصلة التاريخيّة. 

٧. المصادر الملموسة كالكتابات المحفورة النقوش inscriptions والنقد numismatic والآثار archaeology وهي أكثر مصداقيّة من كلّ ما سبق ومشكلتها أنّها محدودة المدى ولا تكفي لتغطية البحث قيد الدراسة دون الاستعانة بالمصادر أعلاه على علّاتها. هناك أيضاً مشكلة إضافيّة ألا وهي أنّ الكثير من هذه المعالم يفتقر إلى القرائن الفنيّة والجماليّة التي تجذب مؤرّخي الفنون وبالتالي يكون مصيرها الإهمال إلى أن تتلاشى. 

٨. يمكن ضمن حدود إسقاط معطيات الحاضر على الماضي في دراسات الجغرافيا البشريّة وعلم الاجتماع والعلوم الإثنيّة

جميع المصادر أعلاه تشكو من التركيز على المدن وإهمال الريف رغم كونه منع الثروة الأساسي عبر التاريخ ورغم كون معظم سكّان العالم الإسلامي من ابناء الأرياف. لا مناص لتغطية الكثير من النواقص وبهدف التحقّق من سرد معيّن من اللجوء إلى النصوص بلغات ثانية كالسريانيّة والبيزنطيّة ومع ذلك هناك فجوة ٣٠٠ سنة بين القرن السادس الميلادي (الذي يتمتّع بتغطية كافية من المصادر البيزنطيّة) والقرن التاسع عندما تبدأ المصادر العربيّة بالظهور (أو على الأقلّ المصادر العربيّة التي كتب لها البقاء لتصل إلينا). 

هذا عن المصادر أمّا عن الدراسات بناءً على هذه المصادر (وأغلبيّتها الساحقة ولربّما حتّى اليوم باللغات الأوروبيّة) فهي عموماً وليدة القرن التاسع عشر. 

No comments:

Post a Comment