Saturday, July 13, 2019

أبواب الحارات الدارسة


اندثرت الغالبيّة العظمى من أبواب حارات دمشق ولم يبق لدينا اليوم سوى أمثلة نادرة كباب زقاق البرغل. يمكن تحرّي بقايا بعض هذه الأبواب بالتدقيق في مواضع سواكفها ونقاط ارتكازها كما في الصورة أعلاه في حيّ النقّاشات (١) الملتقطة في تقديري  أواخر سبعينات القرن الماضي ولكن هذه العمليّة صعبة للغاية وأحياناً مستحيلة خاصّة في حيّ باب توما الذي أعيد بناؤه من جديد بعد مجزرة ١٨٦٠ (انقرضت أيضاً بالنتيجة أبواب الحيّ اليهودي) ويشكل عامّ بدأت أبواب أحياء دمشق بالزوال في أواخر القرن التاسع عشر وجرى تعديل وترميم كثير منها ممّا لم يدمّر تماماً عام ١٩٢٥-١٩٢٦ خلال القصف الفرنسي لمدينة دمشق (٢). 

أشرت في منشور سابق (٣) نقلاً عن Sack إلى الفرق بين الشوارع والدروب والأزقّة (من ناحية الاتّساع وبالتالي الوظيفة) والفرق بين أبواب الحارات وأبواب الأزقّة التي يتعذّر التمييز بينها وبين أبواب البيوت أو يكاد. تفصل الأولى الحارات عن بعضها بعضاً وتتمتّع الحارات عموماً بمرافقها الخاصّة أي المسجد والحمّام والسبيل (سبيل المياه موجود عمليّاً حتّى في أصغر حارات دمشق)  والفرن والسويقة (السوق الصغير). توفّر الأبواب لسكّان الحارة الخصوصيّة والأمن وكانت تغلق بعد حلول الظلام بين الساعة التاسعة والساعة الحادية عشرة ويحتاج القاصد إلى إذن الحارس ليدخلها في الليل من خلال باب صغير وسط الباب الكبير مخصّص لهذا الغرض. شكّلت الأبواب حدود الحارات إذ لا يمكن الدخول إلّا عبرها وبالتالي فلا ضرورة لنقاط علّام سواها.   










Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 

Richard Thoumin. Géographie humaine de la Syrie Centrale. Tours, Arrault et Cie, Maîtres imprimeurs 1936. 

Tuesday, July 9, 2019

شارع باب توما


الصورة حديثة نسبيّاً وأعتقد أنّها من أواخر سبعينات القرن الماضي أمّا عن الشارع فهو قديم للغاية ويعود للعهد الروماني وإن طرأت عليه تعديلات في القرون الوسطى محيت معالمها أو كادت في مجزرة ١٨٦٠ ومن المعروف أنّ جمال باشا قام بتوسيعه في العقد الثاني للقرن العشرين. 

الأسطر التالية مع الخريطة الملحقة مقتبسة مع الاختصار من مقال بالفرنسيّة كتبه Jean Sauvaget عام ١٩٤٩ عن دمشق القديمة أرفق رابطه أدناه. 



نعاين شرق المدينة شارعين مستقيمين ومتوازيين A و B بطول ٤٠٠ متر يمتدّان من الشمال إلى الجنوب وشارعين إضافيّين متوازيين C و D يتقاطعان معهما ويتعامدان عليهما ويمتدّا من الشرق إلى الغرب. تتمايز هذه الشوارع المنتظمة بشكل صارخ عن محيطها الذي تشكّله شبكة الدروب المتعرّجة والأزقّة المسدودة التي نراها في سائر أرجاء المدينة. نلاحظ جنوب محور الشارع المستقيم وجود قطعتين من شوارع E و F مستقيمة تفصل أحدها عن الآخر نفس المسافة التي تفصل A عن B وتتساوى أيضاً المسافة التي تفصل هذه الشوارع الأربعة (ِA B E F) عن بعضها البعض عندما تتمفصل مع محور المدينة الشرقي-الغربي (الشارع المستقيم Via Recta أوDecumanus Maximus ).  علاوة على ذلك إذا مددنا خطّاً وهميّاً من الشمال إلى الجنوب استمراراً للشارع F نصل إلى بوّابة قديمة (باب كيسان) بينما إذا مددناه من الجنوب إلى الشمال بداية من الشارع المستقيم فهو يستمرّ في الشارع G الذي ينتهي بالنتيجة في باب توما. إذاً المحور العمودي G F من باب توما شمالاً إلى باب كيسان جنوباً قبل تعديل مساره هو ما يدعى Cardo في التخطيط الروماني. 

بإمكاننا بناءً على هذه المعطيات أن نفترض وجود شبكة منتظمة قديمة من الشوارع في العهود الكلاسيكيّة (الإغريقيّة-الرومانيّة) لا تزال خطوطها العريضة موجودة وظاهرة في بعض المواضع (A B C D) وانتهكت حدودها في مواضع ثانية (E F G). تفصل وسطيّاً مسافة ١٠٠ متر بين الشوارع الأفقيّة (أي الممتدّة من الشرق إلى الغرب موازية للشارع المستقيم) و ٤٥ متر بين الشوارع العموديّة (المتّجهة من الشمال إلى الجنوب) ويتشكّل من تقاطع هذه الشوارع جزر مخصّصة للأبنية والبيوت.

يظهر حيّ واحد داخل السور اليوم (باب توما وشرق دمشق) معالم التخطيط الروماني القديم ومع ذلك يمكن إسقاط الأدلّة أعلاه على بقيّة المدينة وتحرّي الشبكة الأصلية التي اختفت ملامحها لاحقاً في العصور الإسلاميّة ولربّما اعتباراً من العهد البيزنطي. 

عرف الحيّ الدمشقي بين شارع باب توما وسور المدينة الشرقي في العصور الوسطى ياسم حيّ الأنباط أو النيبطون أمّا عن وجود الأنباط في المدينة فهو بالطبع سابق للفتح الإسلامي بكثير ويعود للقرن الأوّل قبل الميلاد. 

أخيراً تحدّد الدائرة N في الخارطة على وجه التقريب ساحة المدينة القديمة (agora في العهد الهلنستي و forum في خلفه الروماني) وهي مستثناة من التخطيط الشطرنجي وعرفت في العهد الإسلامي باسم رحبة خالد ابن أسيد ويقطعها اليوم بشكل مائل زقاق الساحة.  





Jean Sauvaget. Le plan antique de Damas


Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 



Sunday, July 7, 2019

مقهى النوفرة


تواجدت نوفرة يفور منها الماء شرق الجامع الأموي أطلّ عليها المقهى المعروف بنفس الاسم (ومقابله حمّام النوفرة) حتّى أمد قريب. ترتأي الدكتورة Sack أنّ هذه النوفرة أو الفوّارة تعود للعهد الروماني وأنّها لم تكن الوحيدة في دمشق. الفوّارة الثانية كانت في شمال شرق المدينة في ساحتها أي agora (العهد الهلنستي) أو forum (العهد الروماني) ولا تزال تمديدات مياهها تغذّي حمّام البكري حتّى اليوم.

بالنسبة لنوفرة المقهى الشهير فكانت في الأصل واقعة بين البوّابة الداخليّة لمعبد المشتري (باب جيرون حاليّاً) وبوّابته الخارجيّة المندثرة إلى جهة الشرق أي ضمن نطاق المعبد الخارجي peribolos ومن المحتمل وجود بحرة أو فوّارة ثانية ضمن المعبد الداخلي temenos على نفس المحور بين البوّابة الداخليّة وبين قدس الأقداس cella في صحن المعبد أمّا عن فوران الماء أو "نوفرته" فيمكن مشاهدته في أكثر من صورة تاريخيّة وهو نتيجة استغلال فرق المنسوب لدى مرور فرع بردى المغطّى (يغذّي بانياس والقنوات المدينة داخل السور) من الغرب إلى الشرق. 



عن تاريخ مقهى النوفرة -وهي بالطبع أحدث بكثير من الفوّارة- فيقول الدكتور Weber أنّ البنية الحاليّة تعود للقرن التاسع عشر وأنّ المقهى مذكر في سجلّ محكمة يعود لعام ١٢٧٠ للهجرة (١٨٥٤ للميلاد) ويضيف أنّ علي بك (كتاب رحلات علي بك بين الأعوام ١٨٠٣ و ١٨٠٧ صدر عام ١٨١٥ وأعيدت طباعته ١٩٩٣ وعلي بك اسم مستعار) ذكر وجود مقهى يعجّ بالناس في هذا المكان عام ١٨٠٧ ينجبس الماء من نافورة أمامه لارتفاع عشرين قدماً (ستّة أمتار). 








Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 



Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 

Thursday, July 4, 2019

جامع تنكز


يمكن اعتبار نيابة الأمير سيف الدين تنكز الحسامي ١٣١٢-١٣٤٠ أحد العهود الذهبيّة التي مرّت على دمشق والتي تركت لنا عدّة أوابد (*) جرى التعرّض إليها سابقاً. تغيّر جامع تنكز ومحيطه كثيراً منذ بنائه عام ١٣١٧ وهو اليوم أبعد ما يكون عن جوّه الأصلي الأقرب إلى الريف منه إلى المدينة.

قام هذا الجامع غرب المدينة في حكر السمّاق (شارع النصر حاليّاً) على موضع كنيسة القدّيس نقولا البيزنطيّة وسط المروج ومرّ في صحنه قناة بانياس حيث يتوضّأ المصلّون وعليها اثنتان من النواعير الخشبيّة التي صبّت مياهها في حوضين فيهما أشجار من مختلف الأنواع وأزهار ونباتات زكيّة الرائحة فجمع بذلك بين فضائل دور العبادة ومحاسن المنتزهات. زاره الرحّالة الفرنسي  de Thévenot عام ١٦٦٤ ووصف صحنه الفسيح المحاط بصومعة تستند أقواسها على أعمدة رخاميّة كبيرة وبلاطه الحجري الذي تمّ جلبه من الكنيسة. علاوة على ذلك جرت الاستفادة من المكان كنقطة تحميل للجمّال بالماء لقوافل الحجّ. 

للجامع بوّابتين على شارع النصر بينهما واجهات لمحلّات تجاريّة. احترقت المئذنة عام ١٣٩١ في مواجهة بين السلطان برقوق والمملوك منتاش وأعيد بناؤها حسب النماذج القاهريّة وقتها أمّا عن الصحن فقد تغيّر في القرن التاسع عشر عندما جعل مقرّاً لمدرسة عسكريّة (المدرسة النظاميّة عام  ١٨٣١ في عهد ابراهيم باشا ثمّ أصبحت مكتب الإعداديّة العسكريّة والمدرسة الحربيّة). استمرّ استعمال البناء لهذا الغرض خلال العهد الفيصلي والانتداب الفرنسي حتّى ١٩٣٢ واحترق عام ١٩٤٥. أعيد بناؤه بعدها وجرى تغيير واجهته من قبل الأوقاف ١٩٥١-١٩٥٢ ليعود بالنتيجة إلى وظيفته الأصليّة. جرت الاستعاضة عن الصرح ببناء جديد عام  ٢٠٠٠ باستثناء بعض العناصر التاريخيّة كالمئذنة والتربة. 

تزيّن المقرنصات بوّابتيّ الجامع وهما مع المئذنة بقايا أصليّة من المبنى. المئذنة مملوكيّة نمطيّة ذات قاعدة مربّعة وجذع مثمّن تتخلّله محاريب على جوانبها أعمدة صغيرة حلزونيّة أو محزّزة. نرى على الجذع أيضاً عصابات من النقوش الكتابيّة وفوقها شرفة ذات درابزين مخرّم محمولة على المقرنصات.  



تلاصق التربة البوّابة الشرقيّة ودفن فيها الأمير تنكز بعد أن أتي برفاته من الاسكندريّة عام ١٣٤٤ وهي أقرب ما تكون إلى نماذج الأضرحة الأيّوبيّة بقبّتها البصليّة المرتكزة على رقبتين مضلّعتين وصالتها المربّعة . 







Ross Burns. Damascus: A History. Routledge 2005. 

Gérard Degeorge. Damas: des origines aux Mamluks. L'Harmattan, 1997. 

Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 

Henri Sauvaire. Description de Damas

Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 

Wednesday, July 3, 2019

شارع جمال باشا


عيّن الباب العالي أحمد جمال باشا (١٨٧٢-١٩٢٢) حاكماً مطلق الصلاحيات في بلاد الشام في فترة خاضت فيها الإمبراطوريّة العثمانيّة آخر صراع على وجودها انتهى بخسارتها الحرب العظمى وتقسيم أقاليمها المترامية الأطراف بين الحلفاء الظافرين. نعت جمال باشا منذ ذلك الوقت بالسّفاح وهذا اللقب ليس بالضرورة سلبيّاً لدى الجميع إذا أخذنا بعين الاعتبار مثال أبي العبّاس في منتصف القرن الثامن للميلاد وليس البرّ والخير والإحسان من سمات بناة الإمبراطوريّات عموماً. في كلّ الأحوال "عندما تقع البقرة بيكترو دبّاحينها" وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنّه لو كتب للعثمانييّن النصر لكانت سيرة جمال باشا عطرة كأحد الروّاد في تحديث وتجميل دمشق على غرار ناظم باشا ومدحت باشا واربّما حتّى أسعد باشا العظم ويمكن هنا تشبيهه بآخر نوّاب دمشق المملوكيّة الأمير سبياي الذي ترك لنا المدرسة السيبائيّة (أو جامع الخرّاطين أو جامع الجوامع) قبل أن يقضي نحبه مع سيّده قانصوه الغوري عام ١٥١٦ في مواجهة يائسة لدى مرج دابق ضدّ جيش سليم الأوّل الانكشاري الرهيب ودولة عثمانيّة صاعدة في عنفوان شبابها وقوّتها.  

باختصار ولع جمال باشا بالتخطيط العمراني وقام باستدعاء خبير سويسري Max Zürcher بهدف وضع مخطّطات تفصيليّة تعبّر عن عظمة الطموحات العثمانيّة في دمشق أدّت بالنتيجة إلى شقّ شارع عريض بطول ٦٥٠ متر يصل بين باب النصر شرقاً (تواجد في موقع يوافق البداية الغربيّة لسوق الحميديّة وهدم في القرن التاسع عشر قبل أن يجشّم أحد نفسه عناء تصويره أو حتّى رسمه) ومحطّة الحجاز غرباً. شكّل هذا الشارع محوراً شيّدت المباني الرسميّة على طرفيه وكان مثاليّاً للعروض العسكريّة والاستعراضات ويمكن دون مبالغة القول أنّه في عزّه (أي قبل الإجهاز على الجزيرة المشجّرة التي نصّفته) كان أقرب للمنتزه منه إلى الشارع المختنق بازدحام السير ودخان العربات الذي نعرفه اليوم. 

شقّ هذا الشريان الحيوي في دمشق الحديثة المتوسّعة أبداً باتّجاه الغرب بين الأعوام ١٩١٥-١٩١٦ وأشرف عليه المهندس Wilbuschewitsch. حلّ شارع جمال باشا (النصر في عهد الاستقلال) محلّ درب المرج خلال البساتين (حكر السمّاق) الذي تواجدت عليه وقتها أبنية قديمة كالمشيريّة وملحقاتها (موقع قصر العدل حاليّاً) وجامع تنكز المملوكي وغيرها. استلزم تعريض الشارع هدم أو تعديل عدد من المنشئات ومنها سوق القميلة وجوامع عيسى باشا ولطفي باشا وسيدي خليل. 

التقطت الصورة الملحقة (عن Sack) منذ حوالي أربعين عاماً وهي تظهر بناء الصيدلي صبحي الساطي المشيّد عام ١٩٣٤ (مع الشكر للأساتذة نبهان زادة وبدر الزعبي والدكتور عبد الرزّاق معاذ) والملاصق لقصر العدل (بني ١٩٤٧-١٩٤٨) من جهة الغرب.






Ross Burns. Damascus: A History. Routledge 2005. 
Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 

Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 


Tuesday, July 2, 2019

مبنى مؤسّسة مياه عين الفيجة


موقع هذا البناء العريق على شارع النصر معروف والصورة أعلاه ملتقطة منذ حوالي أربعين عاماً ومأخوذة من دراسة الدكتورة Sack أمّا المعلومات التالية فهي منقولة كما هي عن الطبعة الثانية لكتاب الدكتور قتيبة الشهابي رحمه الله "دمشق تاريخ وصور" صفحة ١٤٢-١٤٣:

قبالة مبنى البريد والبرق والهاتف (مبنى الهاتف الآلي حاليّاً)، صمّم البناء المهندس عبد الرزّاق ملص (مع الشكر للأستاذ بدر الزعبي على المعلومة) وشيّد بين الأعوام ١٩٣٧-١٩٤٢ على الطراز العربي الإسلامي المحض لفنّ العمارة كما قام الفنّان محمّد علي الخيّاط (أبو سليمان) بزخرفته من الداخل والخارج. جاء في "الريف السوري" لأحمد وصفي زكريّا: كانت دمشق محرومة من المياه الصالحة للشرب وكانت تشرب من مياه الأنهر الملوّثة الأمر الذي كان يتسبّب بآلاف إصابات التيفوئيد (الحمّى المعويّة أو التيفيّة) والزحار والكوليرا (الهيضة) وما شابه ممّا دعى الوالي حسين ناظم باشا إلى جرّ مياه عين الفيجة النظيفة إلى دمشق كما أنشأ السبلان ومفردها سبيل (مأخذ للماء كالحنفيّة وما شابه) ووزّعها على الأحياء والأزقّة إلى أن أزالتها لجنة عين الفيجة في أواخر الأربعينات من هذا القرن (المقصود القرن العشرين) وجعل خزّانه الشهير في منطقة العفيف والذي يعرف بخزّان ناظم باشا أو العفيف مركزاً لتجميع المياه وتوزيعها على البيوت -الخزّان حاليّاً مقرّ لنقابة الفنون الجميلة- وتمّ بناؤه سنة ١٣٢٤ للهجرة الموافق ١٩٠٦ للميلاد.

لتأمين المال اللازم عمد الوالي حسين ناظم باشا إلى فرض ضريبة مقدارها ربع مجيدي فضّة على كل سحّارة خشبيّة كانت تحوي صفيحتين من زيت الكاز المستورد إلى سورية وله عدّة أنواع: ماركة كاز الغزالة، كاز دوّار الشمس وغير ذلك وبما تجمّع لديه من الأموال استطاع تنفيذ هذا المشروع وجرّ المياه من بلدة عين الفيجة إلى مدينة دمشق.

عام ١٩٢٢ تأسّست اللجنة الوطنيّة لمياه عين الفيجة وبدأ العمل بمدّ قناة مياه الشرب من نبع الفيجة سنة ١٩٢٥ ولكنّه تأخّر إبّان الثورة السوريّة وبالنتيجة تمّ الإنجاز سنة ١٩٣٢. 




قتيبة الشهابي. دمشق تاريخ وصور. الطبعة الثانية ١٩٩٠ مؤسّسة النوري للطباعة والنشر والتوزيع. 




Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 

Monday, July 1, 2019

محطّة القنوات


والتسمية الأشهر بالطبع محطّة الحجاز. التقطت الصورة الملحقة منذ حوالي أربعين عاماً وهي مأخوذة من دراسة Sack أمّا عن المعلومات أدناه فهي من مصدرين كما يلي:

يقول Weber أنّ محطّة الحجاز في القنوات حلّت محلّ محطّة القدم جنوب دمشق. بدأ العمل في بنائها عام ١٩٠٩ مع شقّ شارع سعد الله الجابري (من نافل القول أنّ التسمية لاحقة) وافتتحت محطّة مؤقّتة في موقعها مع حلول ١٩١٠-١٩١١ جرى من أجلها هدم أجزاء من ترسانة بستان الأعاجم (المقتبس). المحطّة غير مذكورة في دليل الرحّالة Baedeker عام ١٩١٢ ولا دليل Meyers لعام ١٩١٣. أنجز البناء عام ١٩١٧ حسب مخطّطات الاسباني Fernando de Aranda الموضوعة عام ١٩١٢-١٩١٣ بعد أن فاز تصميمه في منافسة نظمتها سلطات المدينة. يبدوا أنّ فكرة المحطّة قديمة إذ يذكر Cook عام ١٩٠٧: "قريباً ستفتتح محطّة جديدة في مكان محطّة العربات مقابل فندق فيكتوريا". من الممكن أنّ اسطنبول حدّدت مواصفات المنافسة بالتفصيل على اعتبار أنّ محطّة قطار المدينة (أي المدينة المنوّرة في الحجاز) تشبه محطّة دمشق إلى درجة كبيرة من ناحية الطراز. 

نأتي الآن إلى ما قاله Burns في هذا الصدد مع تجنّب التكرار: يغادر القطار دمشق من محطّة القدم في جنوب الميدان وهو مكان انطلاق الحجّ. اقتضى إنجاز محطّة في المدينة عدّة سنوات وكان هذا بمثابة إزهار نهائي لأكثر المشاريع العثمانيّة المتأخّرة رمزيّة كبوّابة دمشق الجديدة إلى الحجاز التي يدخل دور دمشق في الحجّ عن طريقها عصراً جديداً. تقع محطّة الحجاز (١٩١٧) في النهاية الغربيّة للمحور المنطلق من المدينة القديمة (يدعى اليوم شارع النصر). والبناء أحد أغرب وأجمل منشئات المدينة ويمثّل دورة ٣٦٠ درجة ينتصر فيها الطراز المحلّي في صرح أوروبي مستشرق يستعير إلى درجة كبيرة من النماذج الدمشقيّة التراثيّة. لا تزال قاعة التذاكر قائمة بتفاصيلها الشرقيّة رغم عشرات السنوات من الإهمال والترميم الاعتباطي أمّا عن المحطّة الرئيسة فقد عادت منذ زمن إلى جنوب المدينة في القدم.

أراد جمال باشا بناء سبيل فخم في منتصف الساحة أمام المحطّة مع شلّالات وتماثيل أسود يحمل أحدها في قائمته علم الامبراطوريّة العثمانيّة وعهد في تصميمه إلى الألماني Wulzinger ولكن المشروع بقي حبراً على ورق. لم يحالف التوفيق جهود جمال باشا الحربيّة ولكنّه ترك معالماً في دمشق منها الشارع المعروف باسمه الذي امتدّ ٦٥٠ متراً من أقصاه إلى أقصاه (شارع جمال باشا أو شارع النصر المعروف سابقاً بدرب المرج أو حكر السمّاق) كما أنّه وسّع شارع باب توما وشارع الأمين ورمّم التكيّة السليمانيّة.   





Ross Burns. Damascus: A History. Routledge 2005. 
 
Dorothée Sack. Damaskus. Entwicklung und Struktur einer orientalisch-islamischen Stadt. von Zabern, Mainz 1989. 

Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009.