Wednesday, October 10, 2018

تربة أبي عبد الله الحسن ابن سلامة


الموقع: حيّ أبو جرش في الصالحيّة. 

لم تَرِد هذه التربة لدى العلموي وترجمة Sauvaire الفرنسيّة ، ويعتَمِدُ تحديدُ هويّتِها بالتالي حصراً على النقش الكتابي على ساكف شبّاك الواجهة الشماليّة. زوّدنا Herzfeld بالنصّ الذي كُتِبَ بأحرفٍ صغيرة على لوحةٍ ذات مقبضيّن؛ توزّعَ هذا النصّ، حسب المستشرق الألماني، على خمسة أسطرٍ كما يلي:

١-٢. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ. وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ. هذه تربة العبد الفقير الغريب الراجي

۳. رحمةَ ربِّهِ أبو عبد الله الحسن ابن سلامة الرقّي توفّي شهر المحرّم

٤. سنة عشر وستّمائة رَحِمَهُ اللهُ تعالى وبعدَهُ ولديهِ عليهما رحمة الله

٥. جدَّدَهُ العبدُ الفقير الراجي الرحمة من المولى المودود الحاجّ أحمد مسعود


يوافِقُ التاريخ ١٢١٣ للميلاد.

لم يرفِق Herzfeld صورةً للكتابة ولم يذكر أبعادَها. لدينا لحسن الحظّ صورةً متوسِّطة النوعيّة على موقع مديريّة أوقاف دمشق (١) يتبيّن منها أنّ عدد الأسطر أربعة فقط، بيد أنّ دِقَّتَها لا تسمح بمقارنة النصّ، وهناك خلافٌ على هذا الأخير كما ذكَرَ قتيبة الشهابي (٢) الذي أورَدَ ثلاث قراءات مُخْتَلِفة للنقش، لا يطابِقُ أيٌّ منها قراءة Herzfeld. 

ارتأى Herzfeld أنّ إضافة كلمة "المودود" هنا لم تكن فقط لضبط القافية وأنّ هذا التعبير دليل على صوفيّة الكاتب. ازدهر التصوّف في عهديّ نور الدين والأيّوبييّن، وعلى ما يبدو كان الشيخ حسن الرقّي (٣) متصوّفاً يجوب الديار حاملاً كشكوله (٤) وجَرَسَهُ؛ وهنا نقع في معضلةٍ تتعلّق بتفسير المصطلح الذي أعطى اسمه للحيّ وحتّى للتربة: هل هو "أبو جرش" أم "أبو جرس"؟ أمّا عن "غريب" فهو وصفٌ شائع يطلق على المتصوّفة الذين هاموا على وجوهِهِم في أصقاعِ الأرض قديماً.

التربة إذاً أيّوبيّة من مطلع القرن الثالث عشر. التُقِطَت الصورة المرفقة بعدسة Herzfeld بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠ للميلاد. 

١. صورة الكتابة: 


٢. النقوش الكتابيّة في أوابد دمشق، منشورات وزارة الثقافة ١٩٩٧ (صفحة ٥٧-٥٨). 


٣. أي من مدينة الرقّة.  
٤. وعاء جمع الصدقات. 

Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica XI-XII 1946 (p. 1-71).

Tuesday, October 9, 2018

كتابة التربة النجميّة المفقودة


النسبة إلى الملك الأفضل نجم الدين أيّوب، والد صلاح الدين، والموقع غرب المدرسة الشاميّة الكبرى والتربة العلائيّة وشارع الثورة حاليّاً. تظهر قبّة هذه التربة ورقبتاها على يمين الناظر ضائعةً بين الأبنية (١) في الصورة الملحقة عن Herzfeld المُلْتَقَطة بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠ للميلاد، ومِنْهُ الغموض المحيط بها وقلّة من يعرفونَها (٢)، خصوصاً وأنّها خالية من النقوش الكتابيّة باستثناء النصّ الآتي الذي رآه Herzfeld على الجدار الخارجي للبناء "فوق الباب الصغير":

"بسم الله الرحمن الرحيم
هذا قبر الملك 
المنصور حسن بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف
ابن أيّوب توفّي مستهلّ جمادى الآخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٣) رحمه الله"

الكتابةُ حسب المستشرق الألماني (٤) بالخطّ النسخي، توزّعت على سبعةِ أسطر شَغَلت شبه مربّع بطول ٤٩ وعرض ٤٦ من عشيرات المتر. 

فُقِدَت الكتابة ولا أثر لها أو لغيرها اليوم (٥)، وشكّكَ Allen بوجودِها في المكان الذي أشار إليهِ Herzfeld، مرجِّحاً أنّها كانت بالأحرى على أحد الأضرحة داخل التربة. لاحظ Allen أيضاً غياب النصّ القرآني من كتابة Herzfeld. علّ الإشارة إلى الآيتين ٢٦ و ٢٧ من سورة الرحمن، وإذا كان الأمرُ كذلك فلا بدّ أنّهُما احتلّتا السطرين الثاني والثالث.  

هويّةُ التربةِ مع ذلك جليّةٌ لا لَبْس فيها بفضْلِ عددٍ من النصوص التاريخيّة ومنها النعيمي (٦): 

"التربة النجميّة

جوار الحساميّة والشاميّة البرانيّة فيها قبر شاهنشاه والد فّروخ شاه وتقيّ الدين عمر والست عذراء المنسوب إليها العذراويّة وهو أخو ست الشام، قاله أبو شامة في كتاب الروضتين: وقال في سنة إحدى وستين وخمسمائة وفيها توفّي فتح الدين ابن أسد الدين شيركوه أخو ناصر الدين وقبره بالمقبرة النجميّة إلى جانبِ قبر عمّهِ شاهنشاه ابن أيوب في قبّة فيها أربعة قبور هما الأوسطان منها، وفي هذين الأخوين ناصر الدين وفتح الدين. وقال في سنة خمس وسبعين وخمسمائة: وفي هذه السنة توفي الملك المنصور حسن بن السلطان صلاح الدين وقبره القبر القبلي من القبور الأربعة بالقبّة التي فيها شاهنشاه ابن أيوب بالمقبرة النجميّة بالعزيّة ظاهر دمشق انتهى."


نصُّ النعيمي مشوّشٌ إلى درجةٍ لا بأس بها، وإن زوّدنا بأسماء شاغليّ القبور من الأقدم إلى الأحدث كما يلي:


- شاهنشاه بن أيّوب وفيّات ١١٤٨ للميلاد، أخو صلاح الدين وستّ الشام، ووالد فرّوخشاه والمظفّر تقيّ الدين عمر والستّ عذراء صاحبة المدرسة العذراويّة.

- فتح الدين ابن أسد الدين شيركوه وفيّات ١١٦٥-١١٦٦ للميلاد (كتاب الروضتين، الجزء الثاني صفحة ٥). يُفْهَم من النعيمي عن أبي شامة أنّ ناصر الدين مدفونُ إلى جانِبِ أخيه في النجميّة؛ المشكلة هنا أنّه يرقُدُ في الشاميّة بدلالة الكتابة على أحد أضْرِحَتِها. 

- الملك المنصور حسن ابن صلاح الدين وفيّات ١١٧٩ للميلاد. دُفِنَ في التربة النجميّة في محلّة العونيّة (أي سوق ساروجا) حسب أبي شامة وكتاب الروضتين (الجزء الثالث صفحة ٥٠). 


باختصار، التربة النجميّة مثوى رفات ثلاثة أمراء أيّوبييّن على الأقلّ، أمّا عن نجم الدين فهو من وفيّات مصر ونَقِلَ جثمانُهُ لاحقاً إلى المدينة المنوّرة. 


____________


١. النجميّة حاليّاً مكشوفة. 
٢. أوْرَدَها Sauvaget في "أوابد دمشق التاريخيّة" تحت الرقم ٢٥ وعنوان "تربة مجهولة، سلطان حسن، لا شكّ أنّها النجميّة". 
٣. الموافق الرابع من تشرين أوّل ١١٧٩ للميلاد. 
٤. صفحة ٤٣-٤٤ من المرجع أدناه. 
٥. ذَكَرَ صلاح الدين المنجّد في الصفحة ٦٧ من "خطط دمشق" لوحاً كتابيّاً عُثِرَ عليهِ في التربة يحمل النصّ الآتي: "هذا قبر زوجة الأمير عماد الدين أبو الفتح". لا عام لي بمصير هذا اللوح. 
٦. الدارس، الجزء الثاني، صفحة ٢٣٠-٢٣١. انظر أيضاً Sauvaire (عن العلموي) صفحة ٢٦٨. 

____________
  

Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica XI-XII 1946 (p. 1-71).
Terry Allen. Ayyubid Architecture. Solipsist Press, Occidental, California, 1999.


Sunday, October 7, 2018

البيمارستان القيمري


أتى القيمريّون الأكراد مع صلاح الدين الأيّوبي إلى بلاد الشام، وقاموا لاحقاً بتسليم دمشق لجيش المماليك المصري بعد انهيار الدولة الأيّوبيّة المفاجئ تحت ضربات المغول. مثَّلَ هؤلاء الأمراء إذاً، أو بعضُهم على الأقلّ، مرحلةً انتقاليّةً بين العهد الأيّوبي وخَلَفِهِ المملوكي، ولا ضَيْرَ في القول أنّ الانتقالَ السياسي تُرْجِمَ بشكلٍ أو بآخر إلى انتقالٍ في العمارةِ وفنونِها، كما يتجلّى في بوّابة البيمارستان القيمري في صالحيّة دمشق. 

مداميكُ البوّابةِ أبلقيّةٌ، تتوّجُها قبوةٌ مقرنصة، ويحيطُها على الجانِبَيْنِ زوجٌ من السويريّات بقي واحدٌ من تيجانِها الأربعة. لربّما كانت هذه الأعمدة الصغيرة عناصراً معماريّةً عتيقة أُعيدَ استخْدامُها في البيمارستان، ومن المُحْتَمَل أنّ تاجَها من عَمَلِ معمارييّن صليبييّن. هناك مقعدان حجريّان على جانبيّ الباب، لاحظ Allen في أواخر القرن الماضي استعمالَهُما لنَشْرِ الخبز بَعْدَ ابتياعِهِ من أحد الأفران القريبة. عَقْدُ إيوان المدخل أمامَ القبوةِ عميقٌ، على غرارِ النماذج الحلبيّة؛ أضِف إلى ذلك أنّه واسِعٌ وأميل إلى الانخفاض. بالمقابِل، الفقرات المعشّقة أو المزرّرة تحت القبوة، واستعمال الأبلق في فقرات العقد المُدَبّب المُعَشَّقة، والنقش الكتابي على الساكف المعمول من حَجَرٍ وحيد، وسويريّات الجانِبَيْن، دمشقيّةُ الطِراز. 

بوّابة البيمارستان القيمري هي الأولى الأبلقيّة بالكامل، تتناوبُ فيها المداميكُ السوداء مع الصفراء، مع استعمال الفقرات الوهميّة لغايةٍ جماليّةٍ صرفة ودون أي فائدة من الناحية البنيويّة. هذه الفقرات الكاذبة pseudovoussoirs محاولةٌ لتقليد التعشيق الذي سَبَقَ استعمالُهُ في السواكف والعقود الأميل للتسطّح. 

من الواضح أنّ طرازَ هذه البّوابة يبشِّرُ بالنماذج المملوكيّة المبكّرة، كما في مدرسة وتربة بيبرس. باختصار لدينا هنا مَزيجٌ من الفنّ الحلبي وصنوِهِ الدمشقي، وجسرٌ يربطُ الفنّ الأيّوبي مع المملوكي. 

التقطت الصورةُ أعلاه بعدسة Herzfeld بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠.


Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica XI-XII 1946 (p. 1-71).

Terry Allen. Ayyubid Arhitecture. Solipsist Press, Occidental, California, 1999.

Bīmāristān al-Qaymarī: the Portal

Saturday, October 6, 2018

ربيعة خاتون


كَتَبَ النعيمي، اعتباراً من الصفحة ٦٢ من الجزء الثاني من كتاب "الدارس في تاريخ المدارس" ما يلي: 



المدرسة الصاحبيّة


بسفح قاسيون من الشرق قال ابن شدّاد (١) رَحِمَهُ اللهُ، إنشاء ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب، بجبلِ الصالحية انتهى. قال الذهبي (٢) رَحِمَهُ اللهُ تعالى في العِبَر في سنة ثلاث وأربعين: اتّصل مُظفّر الدين بخدمةِ السلطان صلاح الدين، وتمكّنَ مِنْهُ وتزوّج بأختِهِ ربيعة، واقفة المدرسة الصاحبة وأخت العادل أيضاً وقد نيّفَت على الثمانين، ودُفِنَت بمدرستِهِا بالجبل توفّيت رَحِمَها اللهُ تعالى في شعبان منها انتهى. وقال ابن كثير (٣) رَحِمَهُ اللهُ تعالى في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة: الأمير الكبير سعد الدين مسعود بن معين الدين أنر كان من الأمراء الكبار أيّام نور الدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى وصلاح الدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضا وهو أخو الستّ خاتون وحين تزوّجها صلاح الدين، زَوَّجَهُ بأختِهِ ستّ ربيعة بنت أيوّب التي تُنْسَبُ إليها المدرسةُ الصاحبيّة بالسفح على الحنابلة، وقد تأخّرَت وفاتُها فتوفّيَت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكانت آخرَ من بقي من أولاد أيوّب لصلبِهِ انتهى. وقال في سنة ثلاث وأربعين وستمائة المذكورة: الخاتون ربيعة خاتون واقفة الصاحبة بقاسيون بنت أيوّب أخت السلطان صلاح الدين زوّجَها أخوها أوّلاً بالأمير سعد الدين مسعود بن معين الدين أنر وتزوّج هو بأخِتِه عصمة الدين خاتون التي كانت زوجة الملك نور الدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى لها الخاتونيّة الجوانيّة (٤) والخانقاه، ثمّ لما مات الأمير سعد الدين زوّجَهَا من الملك مظفّر الدين (٥) صاحب إربل فأقامت عنده بإريل أزيَد من أربعين سنة حتّى مات، ثم قدمت دمشق فسَكَنَت في دار العقيقي (٦)، وهي دارُ أبيهِ أيوّب، حتى كانت وفاتُها في هذه السنة وقد جاوزَت الثمانين، ودُفِنَت بقاسيون، وكان في خدمتِها الشيخة الصالحة العالمة أمَة اللطيف بنت الصالح الحنبلي، وكانت فاضلة لها تصانيف، وهي التي أرشَدتَها إلى وَقْفِ المدرسة الصاحبة بقاسيون على الحنابلة انتهى.


وقال ابن خلّكان (٧) رَحِمَهُ اللهُ تعالى: كانت وفاتُها بدمشق، وغالب ظني أنها جاوزت ثمانين سنة، وأدْرَكَت من محارِمِها الملوكَ من إخوتِها وأولادِهِم أكثر من خمسين رجلاً، فإنّ إربل كانت لزوجِها مظفّر الدين... 


١. الأعلاق الخطيرة صفحة ٢٥٧ من تحقيق سامي الدهّان. 

٢. شمس الدين الذهبي (١٢٧٤-١٣٤٨) في الجزء الخامس من كتاب: "العِبَر في خَبَر مَنْ عَبَر" صفحة ١٧٦. 

٣. ابن كثير الدمشقي (١٣٠٢-١٣٧٣) في الجزء الثاني عشر من "البداية والنهاية" صفحة ٣١٧. 

٤. الخاتونيّة الجوّانيّة مدرسة حنفيّة (الأعلاق الخطيرة صفحة ٢٠٥) مندثرة.   

٥. مظفّر الدين كوكبوري. 

٦. لاحقاً المدرسة والمكتبة الظاهريّة. 

٧. قاضي القضاة شمس الدين ابن خلّكان (١٢١١-١٢٨٢) في الجزء الرابع من "وفيّات الأعيان" صفحة ١١٥. 


باختصار، ربيعة خاتون أخت صلاح الدين والأخت غير الشقيقة لعصْمَةِ الدين خاتون المعروفة بستّ الشام. كانت ربيعة، لكَرَمِ نَسَبِها وعراقةِ أصلِها وفَصْلِها، مُحْرَماً على خمسين من الأمراء والحكّام.  زوّج صلاح الدين أختَه ربيعة خاتون إلى سعد الدين مسعود ابن معين الدين أنر حاكم دمشق في أواخر العهد البوري، وتزوّج باني الإمبراطوريّة الأيّوبيّة ابنة أنر، عصمة الدين خاتون التي كانت قرينةَ نور الدين قَبْلَهُ. لا يحتاجُ الطابع السياسي لهذه الزيجات إلى تعليقٍ أو إفاضة، ولم يكُنْ بالتأكيد حُكْراً على الشرق الأدنى أو الإسلام. توفّي سعد الدين وزوّجَ صلاح الدين ربيعة خاتون مُجَدَّداً إلى مظفّر الدين كوكبوري صاحب إربيل وجامع الحنابلة المظفّري. عاشت الخاتون مع هذا الأخير أكثر من أربعين سنة، وعادَت بعد موتِهِ إلى دمشق لتعتَكِفَ في بيت أبيها نجم الدين أيّوب المعروف وقتها بدار العقيقي. ضمّت حاشية ربيعة خاتون سيّدةً فاضلة اسمها أمَة اللطيف، أوعزت إليها ببناء المدرسة ووَقْفِها على الحنابلة وهكذا كان. توفّيت ربيعة عن عمرٍ ناهَزَ الثمانين في كانون أوّل عام ١٢٤٥ أو كانون ثاني ١٢٤٦ للميلاد (شعبان ٦٤٣) قبل إنجاز مَدْرَسَتِها. 


التُقِطَت صورة المدرسة المُلْحَقة عن Herzfeld بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠.



Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica XI-XII 1946 (p. 1-71).

Rabīʿā H̱ātūn






Wednesday, October 3, 2018

مخطّط المدرسة القليجيّة


تقعُ هذه المدرسة الأيّوبيّة الحنفيّة داخلَ سورِ المدينة، لصيق قصر العظم إلى الجنوب الشرقي. بانيها كما رأينا الأمير سيف الدين ابن قلج النوري وفيّات كانون أوّل ١٢٤٥ أو كانون ثاني ١٢٤٦، في بيتهِ الذي قَطَنَهُ، حسب العلموي، خالد ابن الوليد في مطلع العهد الإسلامي. بُنِيَت المدرسةُ وتربَتُها شمال هذا البيت، وأُنْجِزَت حوالي عام ١٢٥٣ أي بعد وفاة ابن قلج بعدّة سنوات كما هو مكتوب على ساكف الباب الداخلي. دُمّرت المدرسة عندما استباح تيمورلنك المدينة عام ١٤٠١، وأُعيد بناؤها عام ١٥١٨ ثمّ ١٥٦٢.

لم يبقَ من المبنى القديم بعد نَكْبَةِ التتار إلّا المدخل والتربة وقسم من المصلّى؛ أمّا عن ترميمها في القرن العاشر الهجري، أي السادس عشر الميلادي، فبالكاد نجد له أثراً. شَغَلَ المكانَ مساكنٌ للفقراء عندما زاره Herzfeld بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠، ووجَدَهُ آيلاً للتداعي.  

يتبعُ تنظيمُ المدرسة، إلى الدرجة التي تسمح لنا بقاياه بالاستقراءِ والاستنتاج، الخطوطَ العريضةَ لقباب المدافن السوريّة التي ننتقل في تربَتِها من المجسّم نصف الكروي في الأعلى، إلى الغرف المربّعة في الأسفل بواسطة رقبة drum متعدّدة النوافذ (في القليجيّة ١٢)،  تليها مثّلثاتٌ كرويّةٌ pendentives. واجهة البناء القبليّة أبلقيّة، وكما لاحَظَ Sauvaget، يمثِّلُ هذا الجدار النموذجَ الأوّل في دمشق الذي امتدّت فيه مداميكٌ ثنائيّة الألوان على طول الواجهة. 

المخطّط المُلْحَق عن Herzfeld، أضَفْتُ إليهِ الأرقام للتوضيح:

١. البوّابة portal التي يعلوها العقد المدلّى suspended keystone وكتابة شهادة أن لا إلهَ إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله. يبلغ عرض البوّابة ٣٬٣٦ متراً، وكانت أصلاً مسقوفةً بأربع قبوات. ينصّف المفتاح المعلّق عقدين مدبّبين بشكل حدوتيّ حصان outrepassé نراهما بوضوح على رسم Herzfeld (مع مقطع معترض في قبوات إيوان المَدْخَل الأربع):
٢. الباب الداخلي entry وعليه كما رأينا الساكف الذي يحمل النقش الكتابي التأسيسي تحت ثلاثة وردات زخرفيّة ضمن ثلاثة مربّعات كما يتّضِح في الرسم التالي عن Herzfeld:
٣. الكتابتان على ساكف شبّاكيّ التربة. 
٤. التربة. الرسم الأعلى على يسار الناظر يوضح أسلوبَ الانتقال من المربّع إلى نصف الكروي بواسطة المثلّثات الكرويّة. احتوت التربة على ستّة أضْرِحَة عندما عاينها Wulzinger و Watzinger عام ١٩١٧ (صفحة ٧٣-٧٤ من الأصل الألماني وصفحة ١٤٤-١٤٧ من تعريب قاسم طوير). جدران التربة الداخليّة حجريّة ملساء ليس فيها ما يسترعي النظر أمّا القبّة (الرقبة + الطاسة) فآجريّة. 
٥. المصلّى بدلالة المحراب الذي ينصِّفُ جدارَهُ القبلي. فَقَدَ الحرمُ سَقْفَهُ مع مرور الزمن، إذ وَجَدَهُ الألمانيّان "تحت سماءٍ طليقة". 
 ٦. "الشاذروان" المستطيل في امتداد المصلّى إلى الشمال. المقصود على الأرجح الميضأة. 

أخيراً افترض Wulzinger و Watzinger أنّ البناء الأصلي شَمَلَ قبّةً غرب البوّابة أصبحت لاحقاً بيتاً سكنيّاً. ليس هذا بالمستحيل، ومن المعروف أنّ طِرازَ الأبنيَةِ التي أحيطَ مَدْخَلُها بقبّتين مُتَناظِرَتَيْن انتشرَ في العهد المملوكي، كما في أمثِلَة التربة العادليّة البرّانيّة خلف ساحة عدنان المالكي وتربة مختار على طريق الميدان وجامع التينبيّة. يحسن مع ذلك أن نأخذَ بعين الاعتبار ضيق الفضاء داخل سور المدينة، ممّا قيّدَ حريّة المعمارييّن في التوسّع والتناظُر. 


Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture III. Ars Islamica XI-XII 1946 (p. 1-71).

Tuesday, October 2, 2018

المدرسة العادليّة الكبرى


بَلَغَ الفنُّ الأيّوبي في دمشق أوجَهُ في عهد الملك العادل (١١٩٦-١٢١٨ للميلاد)، وإليهِ يعودُ الفضلُ في توسيعِ وتحصينِ وإعادةِ بناء قلعة دمشق إلى أن أخَذت الشكل الذي نعرفُهُ اليوم؛ مع ذلك لم يبدأ إنشاءُ المدرسةِ العادليّة التي حَمَلَت لَقَبَهُ في عَهْدِهِ ولم تُنْجَز قَبْلَ وفاتِهِ. 

تَقَعُ المدرسةُ العادليّة داخل سور دمشق، شمال غَرْب الجامع الأموي، ومقابل المدرسة أو المكتبة الظاهريّة. أصبحت مَدْرَسَةُ الفقه الشافعي هذه مقرّاً لمجمع اللغة العربيّة ومتحف دمشق اعتباراً من العهد الفيصلي وحتّى بناء المتحف الوطني الحالي غرب التكيّة السليمانيّة في ثلاثينات القرن العشرين، عندما نُقِلَت محتوياتُها إلى البناء الجديد، كما نُقِلَت مخطوطاتُ جارتِها الظاهريّة بعد نصف قرن إلى مكتبةِ الأسد الوطنيّة.

النصُّ الآتي مختاراتٌ من ذِكْرِ المدرسة في "الدارس في تاريخ المدارس" لعبد القادر النعيمي: 

داخل دمشق شمالي الجامع بغرب وشرقي الخانقاه الشهابيّة وقِبْلي الجاروخيّة بغرب وتجاه باب الظاهريّة يفصلُ بينهما الطريق. وقال ابن شداد: أوّل من أنشأها نور الدين محمود بن زنكي وتوفّي ولم تتمّ فاستمرّت كذلك ثمّ بنى بعضَها الملكُ العادل سيف الدين ثمّ توفّي ولم تتمّ أيضا فتمّمها ولدُهُ الملك المعظّم وأوقف عليها الأوقاف ... ودَفَنَ فيها والدَهُ ونَسَبَها إليهِ انتهى. وقالَ الذهبي في تاريخِهِ العِبَر في سنة خمس عشرة وستمائة: والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمّد ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادي ... توفّي في سابع جمادى الآخرة وله بضع وسبعون سنة ...  . وقال ابن كثير في سنة اثنتي عشرة وستمائة: وفيها شرع في بناء المدرسة العادليّة الكبيرة بدمشق المقابلة لدار العقيقي ... وقال في سنة تسع عشرة وستمائة: فيها نُقِلَ تابوتُ الملك العادل من القلعةِ إلى تربتِهِ بالعادليّة الكبرى فصُلّي عليه أوّلاً تحت النسرِ بالجامع الأموي، ثم جاؤوا بِهِ إلى التربةِ المذكورة فَدُفِنَ بِها ولم تَكُن المدرسةُ كملَت بعد، وقد تكاملَ بناؤها في السنةِ الآتية. 

إذاً بوشرَ بناءُ العادليّة في عهد الأتابك نور الدين زنكي (١١٥٤-١١٧٤ للميلاد) الذي وافَتَهُ المنيّةُ قَبْلَ إتمامِها. استؤنِفَ العملُ في عهد الملك العادل الذي مات في الحادي والثلاثين من آب ١٢١٨، وتعيّن على إنجاز المدرسة الانتظارَ حتّى عام ١٢٢٣ وعهد المعظّم عيسى (١٢١٨-١٢٢٧) الذي خصَّصَ لها وقفاً وأعطاها اسمَ أبيهِ. تاريخُ الإنجازِ وموقع المدرسة مذكوران في النعيمي، بيد أنّنا لا نملِكُ نقوشاً كتابيّة تؤكِّدُ هويّةَ البناء؛ هناك ألواحٌ مؤطّرةٌ أُعِدَّت للكتابة وعلى ما يبدوا ماتَ المؤسّس قبل تعبئة فراغاتِها. يمكننا، على الرُغْمِ من هذه الفجوة، التوكيد دون تحفّظ أنّ الصَرْحَ قيد الحديث هو العادليّة دون أدنى شكّ، نظراً لموقِعِها "شمالي الجامع - الأموي - وتِجاه باب الظاهريّة".

يُشْبِهُ توزيعُ البناء نِظامَ المدرسةِ النوريّةِ إلى درجة كبيرةٍ، ويرتأي Herzfeld أنّ يكونَ عائداً لنَفْسِ مهندس العمارة. 

تعود الصورة المُلْحَقة بعدسة هرتسفلد إلى الفترة بين ١٩٠٨ و ١٩٣٠ للميلاد. 

يَتْبَع. 


Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture I. Ars islamica v. 9, University of Michigan Press, 1942. 

Monday, October 1, 2018

مقصورة متحف دمشق السلجوقيّة


لا يتعدّى ما بقي من العهدِ السلجوقي في دمشق بعضَ مكوّناتِ قلعتِها الأيّوبيّة. اندَثَرَ بيمارستان دقاق منذ مئات السنين، وهُدِمَت أطلالُ تربة صفوة الملك (١) في ثلاثينات القرن العشرين وحلّت محلَّها أبنيةٌ حديثةٌ لا طعم لها ولا لون غرب شارع بور سعيد.

لربّما كان الأثر الوحيد الذي لا زال كما هو من ذلك العهد (٢) ما أسماه Herzfeld بالمقصورة؛ وهي كنايةٌ عن حاجزٍ من خشبِ الحور، نُحِتَ بعنايةٍ فائقة، أبعادُهُ ٢٬٤٦ x ٢٫٩٠ متر. نُقِلَت هذه المقصورة من جامع باب مصلّى (٣) إلى متحف دمشق الوطني (٤). اسْتُعْمِلَ هذا النمط من "المقاصير" في تصوينِ الأضرحة، أمّا عن تاريخِ صنعِهِ فهو مذكورٌ في الكتابة الكوفيّة على حافّتِهِ العلويّة:

"أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي صفي أمير المؤمنين تقبّل الله منه وذلك في شهور سنة سبع وتسعين وأربعمائة"

يوافق التاريخ أعلاه عام ١١٠٣-١١٠٤ للميلاد. المَعْني محمّد بن الحسن بن علي نظام الملك؛ ومن المعروفِ أنّ هذا الأخير كان وزير ألپ أرسلان وملكشاه وساعدهما الأيمن، والحاكم الفعلي للإمبراطوريّة السلجوقيّة المترامية الأطراف بَعْدَ اغتيالِ مؤسِّسِها (٥). توحي صياغةُ الكتابة أنّها أقربُ إلى الهبة أو الوقف، منها إلى المراثي التي تُنْقَشُ على شواهدِ القبور. لا يوجد ما يدعوا إلى الاعتقاد أنّ "المقصورة" أتت من مدفن الفقيد. 

تتناوبُ العناصِرُ الزخرفيّةُ المتكرّرة في هذه القِطْعة بين براعم اللوتس والأزهار، وتشكِّلُ فراغاتٍ عموديّةٍ أشْبَه بالكؤوس، على غرار نماذج القرن الثالث للهجرة. آمل العودةَ إلى وَصْفِها بمزيدٍ من التفصيل، مع سائرِ كتاباتِها، في سياق الحديث عن مقتنيات متحف دمشق الإسلاميّة. 

____________

١. أمّ دقاق وقرينة تتش أخو ملكشاه ثمّ الأتابك طغتكين؛ زَعَمَ ابن خلكان (وفيّات الأعيان الجزء الأوّل صفحة ٢٩٦) أنّها سمَّمَت ابنَها. 
٢. العقد الأوّل من القرن الثاني عشر الميلادي تحديداً. 
٣. مصلّى العيدين قديماً. 
٤. تواجد المتحف الوطني آنذاك في المدرسة العادليّة. 
٥. إليه تُنْسَبُ المدارس النظاميّة. 
____________