بَلَغَ الفنُّ الأيّوبي في دمشق أوجَهُ في عهد الملك العادل (١١٩٦-١٢١٨ للميلاد)، وإليهِ يعودُ الفضلُ في توسيعِ وتحصينِ وإعادةِ بناء قلعة دمشق إلى أن أخَذت الشكل الذي نعرفُهُ اليوم؛ مع ذلك لم يبدأ إنشاءُ المدرسةِ العادليّة التي حَمَلَت لَقَبَهُ في عَهْدِهِ ولم تُنْجَز قَبْلَ وفاتِهِ.
تَقَعُ المدرسةُ العادليّة داخل سور دمشق، شمال غَرْب الجامع الأموي، ومقابل المدرسة أو المكتبة الظاهريّة. أصبحت مَدْرَسَةُ الفقه الشافعي هذه مقرّاً لمجمع اللغة العربيّة ومتحف دمشق اعتباراً من العهد الفيصلي وحتّى بناء المتحف الوطني الحالي غرب التكيّة السليمانيّة في ثلاثينات القرن العشرين، عندما نُقِلَت محتوياتُها إلى البناء الجديد، كما نُقِلَت مخطوطاتُ جارتِها الظاهريّة بعد نصف قرن إلى مكتبةِ الأسد الوطنيّة.
النصُّ الآتي مختاراتٌ من ذِكْرِ المدرسة في "الدارس في تاريخ المدارس" لعبد القادر النعيمي:
داخل دمشق شمالي الجامع بغرب وشرقي الخانقاه الشهابيّة وقِبْلي الجاروخيّة بغرب وتجاه باب الظاهريّة يفصلُ بينهما الطريق. وقال ابن شداد: أوّل من أنشأها نور الدين محمود بن زنكي وتوفّي ولم تتمّ فاستمرّت كذلك ثمّ بنى بعضَها الملكُ العادل سيف الدين ثمّ توفّي ولم تتمّ أيضا فتمّمها ولدُهُ الملك المعظّم وأوقف عليها الأوقاف ... ودَفَنَ فيها والدَهُ ونَسَبَها إليهِ انتهى. وقالَ الذهبي في تاريخِهِ العِبَر في سنة خمس عشرة وستمائة: والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمّد ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادي ... توفّي في سابع جمادى الآخرة وله بضع وسبعون سنة ... . وقال ابن كثير في سنة اثنتي عشرة وستمائة: وفيها شرع في بناء المدرسة العادليّة الكبيرة بدمشق المقابلة لدار العقيقي ... وقال في سنة تسع عشرة وستمائة: فيها نُقِلَ تابوتُ الملك العادل من القلعةِ إلى تربتِهِ بالعادليّة الكبرى فصُلّي عليه أوّلاً تحت النسرِ بالجامع الأموي، ثم جاؤوا بِهِ إلى التربةِ المذكورة فَدُفِنَ بِها ولم تَكُن المدرسةُ كملَت بعد، وقد تكاملَ بناؤها في السنةِ الآتية.
إذاً بوشرَ بناءُ العادليّة في عهد الأتابك نور الدين زنكي (١١٥٤-١١٧٤ للميلاد) الذي وافَتَهُ المنيّةُ قَبْلَ إتمامِها. استؤنِفَ العملُ في عهد الملك العادل الذي مات في الحادي والثلاثين من آب ١٢١٨، وتعيّن على إنجاز المدرسة الانتظارَ حتّى عام ١٢٢٣ وعهد المعظّم عيسى (١٢١٨-١٢٢٧) الذي خصَّصَ لها وقفاً وأعطاها اسمَ أبيهِ. تاريخُ الإنجازِ وموقع المدرسة مذكوران في النعيمي، بيد أنّنا لا نملِكُ نقوشاً كتابيّة تؤكِّدُ هويّةَ البناء؛ هناك ألواحٌ مؤطّرةٌ أُعِدَّت للكتابة وعلى ما يبدوا ماتَ المؤسّس قبل تعبئة فراغاتِها. يمكننا، على الرُغْمِ من هذه الفجوة، التوكيد دون تحفّظ أنّ الصَرْحَ قيد الحديث هو العادليّة دون أدنى شكّ، نظراً لموقِعِها "شمالي الجامع - الأموي - وتِجاه باب الظاهريّة".
يُشْبِهُ توزيعُ البناء نِظامَ المدرسةِ النوريّةِ إلى درجة كبيرةٍ، ويرتأي Herzfeld أنّ يكونَ عائداً لنَفْسِ مهندس العمارة.
تعود الصورة المُلْحَقة بعدسة هرتسفلد إلى الفترة بين ١٩٠٨ و ١٩٣٠ للميلاد.
يَتْبَع.
Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture I. Ars islamica v. 9, University of Michigan Press, 1942.
Henri Sauvaire, Description de Damas p. 423.

No comments:
Post a Comment