Tuesday, October 16, 2018

جامع الحنابلة في روايات المؤرّخين



التزمت كافّة المدن الإسلاميّة حتّى القرن الثاني عشر للميلاد بقاعدةٍ لم تَحِد عنها، تتمثّلُ بوجود جامع وحيد لتأدية صلاة الجمعة والاستماع إلى الخطبة. هناك بالطبع العديد من مساجد الأحياء الصغيرة إضافةً إلى مسجد المدينة الجامع.
تبدو بغداد وسامرّاء والقاهرة للوهلةِ الأولى استثناءاتٍ لهذه القاعدة، بيد أنّها كانت مدناً اندماجيّة؛ على سبيل المثال بدأت عاصمةُ مصر بالفسطاط، ثمّ أضيفت القطائع في عهد ابن طولون، وأخيراً قاهرة المعزّ لدين الله الفاطمي وعامله جوهر. على نفس المنوال كانت الصالحيّة بلدةً مستقلّةً عن دمشق منذ تأسيسها في القرن الثاني عشر وحتّى القرن التاسع عشر للميلاد.

نأتي الآن إلى ملحمة بناء جامع الحنابلة نقلاً عن النعيمي (١):

"جامع الجبل

المشهور بجامع الحنابلة وبالمظفّري بسفح قاسيون. قال ابن كثير (۲) في تاريخِهِ وتبعه الأسدي (۳) في سنة ثماني وتسعين وخمسمائة (٤): وفيهِ شرعَ الشيخ أبو عمر محمّد بن أحمد بن قدامة المقدسي في بناء المسجد الجامع بالجبل، فأنفق عليه رجلٌ يقال له الشيخ أبو داود محاسن الفامي (٥) حتى بلغ البناءُ مقدارَ قامةٍ فنفد ما كان مَعَهُ، فأرسل الملك المظفّر كوكبوري (٦) بن زين الدين علي كجك صاحب إربل مالاً جزيلاً لتتميمهِ فكملَ، وأرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من قرية برزة، فلم يمكِّنَهُ من ذلك الملك المعظّم (۷) صاحب دمشق، واعتذر بأنّ هذا فرشُ قبور كثيرة للمسلمين، وصنع له بئر وبغل يدور ووقف عليه وقفاً لذلك انتهى. وقال الأسدي في تاريخِهِ في سنة ثلاث وستمائة (۸): في ترجمة كوكبوري المذكور هو بضمّ الكافين بينهما واو ساكنة ثم باء موحّدة مضمومة ثم واو ساكنة بعدها راء، وهو اسم تركي ومعناه بالعربي دبّ أزرق، هو ابن علي بن بكتكين ابن كجك التركماني، وبكتكين بفتح الموحّدة وسكون الكاف وكسر التاء المثنّاة من فوق الكاف وسكون مثنّاة من تحت وبعدها نون، وهو اسم تركي وكجك لفظ عجمي ومعناه بالعربي صغير أي صغير لقد انتهى. ملخّصاً وقال ابن شدّاد (٩): أوّل من خَطَبَ الحاجّ علي الفامي من محلّة مسجد القصب خارج باب السلامة، ثم بلغ مظفّر الدين كوكبوري صاحب إربل أنّ الحنابلة بدمشق شرعوا في عمل جامع بسفح قاسيون، وأنّهم عاجزون عن العمل، فسيّر مع حاجبٍ من حجّابِهِ يسمّى شجاع الدين الإربلي ثلاثة الآف دينار أتابكيّة لتتميم العمارة، ومهما فضل من ذلك يشتري له وقف ويوقف عليه، وأوّل من ولّي خطابَتَهُ الشيخ أبو عمر المقدسي (١٠) انتهى."



باختصار بدأ أبو عمر محمّد ابن قدامة المقدسي في بناء جامع الجبل على سفح قاسيون على نفقة الشيخ أبي داود محاسن ابن الفامي حتّى نفذت وسائله، وعلى إثر ذلك أخذ مظفّر الدين كوكبوري على عاتِقِهِ إكمالَ الجامع والمصاريف اللازمة لهذا الغرض. 

تعود الصورة المُلْحَقَة عن Herzfeld إلى الفترة بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠.


١. الدارس في تاريخ المدارس، الجزء الثاني، صفحة ٣٣٥. انظر أيضاً ثمار المقاصد صفحة١٥٢ و Sauvaire صفحة ٢٤١-٢٤٣. 
۲. البداية والنهاية، الجزء الثالث عشر صفحة ٣٢. 
٤. الموافق ١٢٠١-١٢٠٢ للميلاد. 
٥. نسبةً إلى مدينة أفاميا. 
٦. صاحب إربيل، وزوج أخت صلاح الدين ربيعة خاتون مؤسّسة مدرسة الصاحبة. 
۷. المعظّم عيسى ابن العادل. 
۸. الموافق ١٢٠٦-١٢٠٧ للميلاد. 
٩. الأعلاق الخطيرة صفحة ٨٦. 
١٠. أبو عمر محمّد بن أحمد بن محمّد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي الحنبلي. 



Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture IV. Ars Islamica XIII-XIV 1948 (p. 118-138). 

No comments:

Post a Comment