Wednesday, October 31, 2018

موكب جنائزي في دمشق


تقتضي أمانة الترجمة نقل النصّ الأصلي كما هو قدر الإمكان ضمن حدود الاعتبارات اللغويّة، ويقتضي استقراء أي نصّ -أصليّاً كان أم مترجماً- التمييز بين الحقيقة والرأي. على سبيل المثال لا أحد يجادل في الحقيقة التاريخيّة ألا وهي أنّ جامع ابن العربي في حيّ الصالحيّة بني في عهد السلطان العثماني سليم الأوّل وبمبادرة منه أمّا عن كون السلطان المذكور فاتحاً عظيماً أو محتلّاً غاشماً فهذا رأي يختلف حسب المصدر. الهدف من هذا التنويه إيضاح أننّي أحاول جهدي نقل آراء الكاتب-المصدر كما هي وتقتصر الحاشية أو الحواشي على توضيح بعض النقاط المبهمة أو ذكر المصدر أو تصحيح الأخطاء إذا وجدت فقط لا غير ودون أدنى محاولة للتعليق على آراء المؤلّف أو الإدلاء برأيي فيها. 

نتابع الآن جولتنا في دمشق القرن التاسع عشر بمعيّة المبشّر الأمريكي W.M.Thomson متّجهين من الغرب إلى الشرق على طول السور الجنوبي للمدينة. 

وكأنّنا نلج تيهاً متعرّجاً من الدروب الملتوية المحفوفة بالبيوت البائسة وأكوام النفايات مع شواهد القبور الآيلة للتداعي في كلّ حدب وصوب. تختلط الأمور على العابر الذي لا يعرف أين يتّجه ومن المؤكّد أنّنا كنّا سنضيع لولا الدليل الذي قادنا في أمان عبر الطريق. على يسارنا الباب الصغير وهو أحد أبواب دمشق العديدة وقد مرّ خلاله عبر القرون مواكب جنائزيّة لا عدّ لها ولا حصر متّجهة إلى القبور والأضرحة التي تغطّي هذه المنطقة بكاملها على امتداد البصر. هذه المواكب -شأنها في ذلك شأن كلّ ما هو شرقي- تسير دون مراعاة تستحقّ الذكر للنظام والأعراف وهي عبارة عن خليط من الرجال والصبية المتنوّعي الأصول والأزياء يتبعون محمل النعش الذي يسبقه اثنان أو أكثر من الدراويش يرفعون أعلام طريقتهم وثلاث أو أربع من الفتية يحملون نسخة مفتوحة من القرآن وستّة أو ثمانية من العميان ينشدون "الحقيقة السرمديّة" أي الشهادة في صوت وحيد النبرة "لا إله إلّا الله" يتبعها "الأسطورة اللازمة" -حسب تعبير Gibbon *- "محمّد رسول الله". هذه الترنيمة هي الوحيدة المسموعة في هذه الجنائز ويستمرّ المشيّعون في ترديدها حتّى الوصول إلى الضريح.   

نلمح على اليسار بين الفينة والفينة سور المدينة وهو تقريباً على نفس درجة خراب وتداعي الضاحية التي يحاذيها.

من المحتمل أنّ الباب الصغير رومانيّ الأصل إذ نرى في بعض المواضع على طول السور أحجاراً كبيرة مقطوعة بعناية لربّما كانت موغلة في القدم ولكن السور الحالي مرقّع بناه المسلمون والعرب أو الأتراك وهو بالكاد يكفي لصدّ هجمات البدو المتكرّرة. 

* الإشارة إلى المؤرّخ الإنجليزي الشهير Edward Gibbon ١٧٣٧-١٧٩٤ وكتابه الكلاسيكي "انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة". 




https://archive.org/stream/landbookorbiblic00thom#page/n7/mode/2up

No comments:

Post a Comment