Thursday, March 12, 2020

فنادق دمشق مطلع الاستقلال‎


عدّد دليل دمشق الصادر عام ١٩٤٩ أربعاً وعشرين فندقاً جميعها واقعة خارج سور المدينة إلى الغرب والشمال. لا أعتقد أنّ القائمة شاملةً وعسى المقصود الفنادق المريحة الموائمة للمعايير العصريّة والموجّهة بالدرجة الأولى للسيّاح العرب والأجانب. جميع هذه الفنادق مزوّدة بأرقام هاتف ولم يكن هذا بالأمر المفروغ منه في ذلك الزمن. فلنستعرض بسرعة توزيع هذه الفنادق. 

توّج السنجقدار القائمة بثمانية فنادق وهنا يتوجّب التنويه أنّ حريق السنجقدار عام ١٩٢٨ أتى على جميعها عمليّاً وبالتالي الكلام هنا عن فنادق بنيت بعد هذا الحريق. 

احتلّت جوزة الحدباء (الطريق شرق ساحة المرجة وجامع يلبغا وسوق علي باشا والمؤدّي جنوباً إلى السنجقدار) المرتبة الثانية بثلاث فنادق.

البحصة: فندقان.

شارع رامي: فندقان.

شارع فؤاد الأوّل (بور سعيد حاليّاً) فندقان.

ساحة الشهداء أو المرجة: فندقان أحدهما أميّة (عمر الخيّام لاحقاً) وهو -مع فندق الشرق- أفخم الموجود في المدينة وقتها ولا يزال قائماً.

شارع سعد الله الجابري (بين محطّة الحجاز وجسر فيكتوريا)  فندقان أحدهما الشرق المذكور أعلاه (مقابل محطّة الحجاز) ولا يزال على قيد الحياة. 

فندق واحد في كلّ من: شارع السلطان سليم (جادّة الشرابي حاليّاً تقع خلف السرايا وتصل بين ساحة المرجة وشارع سعد الله الجابري) وضفّة بردى (الكلام طبعاً بعد هدم فندق فيكتوريا الكبير الغير مذكور في الدليل) والقرماني.

تغيّرت أسماء الكثير من الشوارع كما رأينا ومعها أسماء بعض الفنادق على الأقلّ. من الأحياء أعلاه ما هدم لاحقاً (البحصة البرّانيّة مثلاً) ومع هدمها ذهب الجمل بما حمل. 





الصورتان الملحقتان لفندقيّ أميّة والشرق باعتبارهما أفضل أوتيلات ذلك الزمن ولا تزال آثار النعم ظاهرة عليهما حتّى اليوم. 




Wednesday, March 11, 2020

صيدنايا والقلمون


صورة دير صيدنايا مأخوذة من دليل دمشق عام ١٩٤٩ أمّا الصورة الثانية فهي لشاهينيان من دليل سياحيّ ثانٍ صدر في منصف السبعينات. معظم المعلومات التالية تعريب عن دراسة Thoumin لجغرافية سوريا المركزيّة عام ١٩٣٦ مع إضافة من كتاب Weulersse ١٩٤٦ عن قرويّي سوريا والشرق الأدنى (الرابط أدناه) وكلا العملين بالفرنسيّة.

بقي سكّان الهضاب أوفياء للعادات البيزنطيّة حتّى القرن الثامن عشر في الوقت الذي اعتنق فيه ثمانون بالمائة من سكّان حمص شمالاً ودمشق جنوباً وبعلبك غرباً الإسلام. لدينا حتّى اليوم (أي ثلاثينات القرن العشرين) نواة هامّة من المسيحييّن تقطن يبرود ولا تحتوي قرى معلولا وصيدنايا والمعرّة الكبيرة إلّا على بضعة عائلات مسلمة. 

تشغل قرية صيدنايا مكان حصن ويبلغ عدد سكّانها (منتصف الأربعينات) ٢٢٥٠ نسمة جميعهم من الروم الأورثوذوكس أو الكاثوليك. يقع الدير في ذروتها على ارتفاع يقارب ألفاً وخمسمائة متر ويعود لعهد جستينيان (القرن السادس الميلادي) وكان مقصداً للحجّ في زمن الصليبييّن تحت اسم سيّدة ساردينايا. 

هناك نقطة ثانية تستحقّ التنويه وهي احتفاظ سكّان معلولا إلى اليوم بلكنة سريانيّة أضف إلى ذلك أنّ أهل صيدنايا ينطقون العربيّة بلهجة تذكّر بالسريانيّة وهذا في وقت يتكلّم فيه جميع السورييّن العربيّة بغضّ النظر عن أصولهم. إذا تأمّلنا الخارطة لا نملك إلّا أن نربط بين هذه الدلائل اللغويّة وبين المنحدرات الفاصلة بين الهضبة الثانية والثالثة حيث تقع هذه التجمّعات اليشريّة. نلاحظ فوراً أنّ هذه التجمّعات أشبه ما تكون بالقرى-القلاع: معلولا مكان محصّن منذ العهد البيزنطي ويهيمن دير العذراء في صيدنايا على الجوار من ارتفاع ستّين متراً وهذا الحرز الأخير من المناعة إلى درجة أنّ أيّاً من العصابات لم تتجاسر على مهاجمته خلال عصيان ١٩٢٥-١٩٢٦ (الإشارة إلى الثورة السوريّة بالطبع ومحاولة البعض من الثوّار مهاجمة الأقليّات المسيحيّة حسب المصادر الفرنسيّة). 

استغرق امتداد النفوذ الإسلامي إلى المرتفعات قروناً رغم الدروب وخاناتها المملوكيّة والعثمانيّة من حمص إلى دمشق عبر قارة والنبك والقطيفة ومن القطيفة إلى القريتين عبر عطنة.  هناك دلائل على استمراريّة العادات المسيحيّة لدى الشعوب المتأسلمة تشهد عليها الحركات الغريبة للمرأة المسلمة عندما تقوم برسم الصليب على العجين قبل خبزه. 










Richard Thoumin. Géographie humaine de la Syrie centrale 1936.

jacques weulersse. paysans de syrie et du proche-orient







Tuesday, March 10, 2020

Sednaya et le Kalamoun


Jusqu’au XVIIIe siècle, la population des plateaux resta fidèle au rite byzantin, alors que les huit dixièmes de la population de Homs au Nord, de Damas au Sud, de Baalbek à l’Ouest, s’étaient déjà convertis à l’Islam. Aujourd’hui encore, un important noyau de chrétiens habite Yabroud et les gros villages de Maaloula, de Sednaya (1) et de Maarra no comptent que quelques familles musulmanes.

Autre fait: alors que tous les Syriens, quelle que soit leur origine, parlent l’arabe, les habitants de Maaloula conservent encore aujourd’hui un dialecte syriaque, et les villageois de Sednaya prononcent l’arabe avec un accent qui rappelle le syriaque. Sur la carte on ne peut s’empêcher d’associer ces indications au site de ces agglomérations: elles jalonnent les escarpements qui séparent le deuxième du troisième plateau. Sur place on s’aperçoit que ce sont des villages-citadelles: Sednaya, dominé par le couvent de la Vierge qui se dresse à quelques 60 mètres au-dessus du pays avoisinant (2), et Maaloula qui, dès la période byzantine, était une place forte. 

En dépit des routes et de leurs khans mamelouks et ottomans, de Homs à Damas par Kara, Nebek et Kutéifé, et de ce dernier point à Kariatine par Otné, l’influence islamique mit des siècles à se repandre sur les plateaux. Le geste incompris de la musulmane quit fait le signe de la croix sur la pâte du pain avant de le faire cuire témoigne de la vitalité des coutumes chrétiennes parmi les populations islamisées. 



Photo Chahinian 1975? 

1. Weulersse spécifie: le village de Sednaya occupe un site de fortresse: (2.250 habitants, tous de rite grec, orthodoxe ou catholique), avec son couvent-acropole, à près de 1.500 mètres d’altitude, dont la fondation remonteraient à Justinien (pèlerninage très couru au temps des croisades sous le nom de Notre-Dame de Sardenaye.

2. Donjon si formidable qu’aucune bande n’osa l’attaquer pendant l’insurrection de 1925-1926.



Richard Thoumin. Géographie humaine de la Syrie centrale 1936.

jacques weulersse. paysans de syrie et du proche-orient

Guide de Damas (arabe)

التعليم في دمشق منتصف القرن العشرين‎


الصور الملحقة للجامعة السوريّة (الثكنة أو القشلة الحميديّة سابقاً) ومدرسة التجهيز الأولى مأخوذة من دليل دمشق عام ١٩٤٩. يورد هذا الكتيّب بعض الأرقام والجداول المفيدة قمت بتبسيطها وتقريبها على النحو الآتي:

المدارس عموماً ثلاثة أنواع رسميّة (حكوميّة) وأهليّة (خاصّة) وأجنبيّة. تستوعب المدارس الرسميّة عدداً أكبر من الطلّاب ثمّ الخاصّة وأخيراً الأجنبيّة. عدد الطلّاب يتناقص مع الانتقال من مرحلة إلى المرحلة الأعلى والعدد الأكير بالطبع في المدارس الابتدائيّة التي نجد فيه قرابة ١٣٠٠٠ ذكراً و ١٠٠٠٠ أنثى في المدارس الرسميّة و ٨٠٠٠ ذكراً و ٤٠٠٠ أنثى في الخاصّة و ١١٢١ ذكراً و ١١٦٨ أنثى في الأجنبيّة (المدارس الأجنبيّة في المرحلة الابتدائيّة هي الوحيدة التي يتجاوز فيها عدد الإناث الذكور ولذا أوردت الأرقام الدقيقة وليس التقريبيّة).

ينقص عدد الطلّاب كثيراً في المرحلة الثانويّة إذ لا يتجاوز ٣٠٠٠ ذكراً و ١٤٠٠ أنثى في المدارس الرسميّة و ١٤٠٠ ذكراً و ٤٠٠ أنثى في الأهليّة و ٣٠٠ ذكراً و ١٧٠ أنثى في الأجنبيّة (أرقام تقريبيّة).

الأرقام أعلاه تمثّل تلاميذ وتلميذات دمشق (على مستوى المدينة) دون ريب أمّا عن التعليم العالي فالكلام هنا عن الجامعة السوريّة (على مستوى القطر) وإن لم يذكر الدليل ذلك والأرقام المدرجة لجميع الطلبة دون معطيات مستقلّة لكلّ من الجنسين ولكن كقاعدة عامّة ومقارنة مع توزيع المدارس الابتدائيّة ثمّ الثانويّة كلّما ارتفع مستوى التعليم وقتها كلّما قلّ عدد الإناث نسبة للذكور.

بلغ عدد طلّاب الجامعة الإجمالي ٢٢٢١ الحقوقيّون منهم ١٢٨٠ أي أكثر من النصف أمّا طلبة الطبّ فعددهم (سدس المحامين) ٢٢١ و الصيدلة ٦٢ و الأسنان ٣١ و القبالة مع التمريض ٣٠ (نسبة عدد الممرّضين والممرّضات للأطبّاء قليلة للغاية ولربّما عاد ذلك للاعتماد على الأجانب) و العلوم ١٩٤ و الآداب ٥٣ و الهندسة ٣٤ (كليّة الهندسة كانت وقتها في حلب فقط والطبّ في دمشق فقط) و المعلّمين ٢٠٨. 







Monday, March 9, 2020

مفوّضيّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة‎


الصورة من "دليل دمشق" الصادر عام ١٩٤٩ والموقع شمال مدرسة الإخوة المريمييّن  (معهد قلب يسوع الأقدس) بين ساحة الروضة شرقاً وساحة عدنان المالكي غرباً.

شاب العلاقات الأمريكيّة-السوريّة مدّ وجزر خلال المائة عام الماضية ويمكن القول أنّ بداياتها كانت عموماً ودّيّة لعدّة عوامل منها بعد الشقّة والقيم الأمريكيّة المعلنة التي حدت الكثيرين إلى النظر للولايات المتّحدة كدولة خيّرة أو على الأقلّ حياديّة لا مصالح مباشرة لها في الشرق الأدنى. لم يكن النفط عاملاً في المنظور السوقي (الاستراتيجي) الأمريكي لدى نهاية الحرب العظمى (لاحقاً الحرب العالميّة الأولى) أمّا عن المشروع الصهيوني فكان وقتها تحت الرعاية المباشرة لبريطانيا العظمى ولم يكن للسورييّن علم بدور السياسات الداخليّة الأمريكيّة فيه منذ البداية ناهيك عن تبنّي الرئيس Woodrow Wilson  صاحب النقاط الأربع عشرة له (هزىء Clémenceau رئيس وزراء فرنسا بنقاط Wilson الداعية إلى حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بالقول أنّ "الله له عشر وصايا فقط") .  

علّ تقرير الأمريكييّن King و Crane الصادر في الثامن والعشرين من آب ١٩١٩ أفضل ما يمثّل نبل وتجرّد السياسات الأمريكيّة في بلاد الشام وبالطبع لم يعجب هذا التقرير الجميع وكان مصيره الإهمال وحتّى الإدانة وعلى سبيل المثال وصف فؤاد عجمي في كتاب "قصر أحلام العرب" Crane  "أحد أرباب المال والصناعة في شيكاغو شخص غريب الأطوار ومعادي للساميّة". في كلّ الأحوال تعرّض جورج أنطونيوس بالتفصيل لهذا التقرير (النصّ الكامل في الرابط أدناه) وتوصياته بناءً على استطلاع رأي أهل البلاد في الشكل الذي يرونه ويرغبون فيه لمستقبلهم. 

توصّل King و Crane إلى عدّة نتائج أهمّها ما يلي:

أوّلاً: الغالبيّة العظمى من السورييّن تريد سوريا موحّدة بما فيها كيليكيا والبادية وفلسطين. 

ثانياً: معظم السورييّن يريدون الاستقلال الكامل. 

ثالثاً: أغلب السورييّن يرفضون المشروع الصهيوني.

رابعاً: السوريّون مستعدّون لقبول مساعدة الغرب ولكنّهم ضدّ الانتداب من ناحية المبدأ ويعتبرونه قناعاً للاستعمار. إذا كان لا بدّ من الانتداب فالأفضليّة للولايات المتّحدة ثمّ إنجلترا إذا رفضت أمريكا. الانتداب الفرنسي مرفوض في كلّ مكان ومن الجميع  عمليّاً باستثناء جبل لبنان والناطقين فيه باسم الموارنة. 

كان الاستعمار الأوروبي المباشر الهمّ الشاغل لكيانات الشرق الأدنى في فترة بين الحربين وحتّى إعلان دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وكانت الانتفاضة الأخيرة لهذا الاستعمار في أزمة السويس عام ١٩٥٦. النصف الثاني من القرن العشرين وحتّى اليوم عهد أمريكيّ بامتياز وإن استغرق إدراك أهل المنطقة للواقع الجديد بضع من عشرات السنوات. 









Sunday, March 8, 2020

مفوّضيّة المملكة العراقيّة ‎


الصورة بالطبع لقصر مصطفى باشا العابد قبيل آخر خطّ المهاجرين (ساحة خورشيد أو ساحة ذي قار) وغرب قصر ناظم باشا وهي من دليل دمشق الصادر عام ١٩٤٩.

كلا القصرين كان في مرحلة من المراحل سفارة للعراق (دار ناظم باشا في عهد الانتداب وبيت مصطفى باشا اعتباراً من الأربعينات)  ومقرّاً لرئاسة الجمهوريّة (قصر مصطفى باشا أوّلاً ثمّ قصر ناظم باشا) وذكر لي أبي رحمه الله أنّ انتقال الرئاسة إلى قصر ناظم باشا كان بمبادرة من الرئيس شكري القوّتلي الذي تشائم من قصر مصطفى باشا بعد أن توفّي فيه الشيخ تاج الدين الحسني عام ١٩٤٣. لا أعلم مصدره لهذه الرواية.

بني قصر مصطفى باشا الذي يتبع طرز العمارة الأوروبيّة عام  ١٩٠٧ أي أنّه أحدث بثلاثة أعوام على الأقلّ من توأمه قصر ناظم باشا الذي لا يزال -بما يشبه المعجزة- قائماً إلى اليوم بينما امتدّت يد الهدم التي لا ترحم لقصر مصطفى باشا عام ١٩٧٤ فذهب إلى غير رجعة ليحلّ محلّه بناء حديث تفه المذاق إن لم نقل قبيح. قد يقول البعض أنّ هذا القصر ليس بالجامع الأموي وأنّ ترميمه والحفاظ عليه مكلف من الناحية الاقتصاديّة والمشكلة في هذا المنطق أنّنا لو هدمنا ما يوائم مزاج الساعة من أوابدنا لأنّها "ليست الجامع الأموي" قلن يتبقّى لنا الشيء الكثير. شهد هذا القصر خلال عمر قلّ عن سبعين عاماً أحداثاً جساماً وكان توفيره خيراً وأبقى.

الصورة الثانية أدناه مع مخطّط القصر من مجموعة أطرقجي والتعليق عليها من Weber. يضيف الدكتور قتيبة الشهابي أنّ ملكيّة القصر انتقلت عام ١٩٢٩ بعد وفاة مصطفى باشا إلى أولاده الذين أهدوه لابن عمّهم محمّد علي العابد أوّل رؤساء الجمهوريّة السوريّة عام ١٩٣٢ فأصبح مقرّاً له ثمّ قصراً جمهوريّاً حتّى ١٩٤٣ عندما انتقل شكري بك لقصر ناظم باشا واستأجرت المفوّضيّة العراقيّة القصر القديم أي باختصار تبادلت المفوّضيّة المذكورة ورئاسة الجمهوريّة مقرّيهما. 





قتيبة الشهابي. دمشق تاريخ وصور الطبعة الثانية ١٩٩٠ عن مؤسّسة النوري ومطبعة محمّد هاشم الكتبي.





Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 

Saturday, March 7, 2020

مفوّضيّة المملكة المصريّة في عهد الصراع على سوريا


الصورة أعلاه عن دليل دمشق الصادر عام ١٩٤٩ ويبقى أفضل ما كتب عن الصراع على سوريا دراسة العالم والصحفي البريطاني الإيرلنديّ المولد Patrick Seale الصادرة عام ١٩٦٥.  

اعتبر Seale سوريا الحديثة الاستقلال بمثابة الجائزة والفوز بها يعني الهيمنة على سياسات الشرق الأدنى الإقليميّة أمّا عن أطراف النزاع فكانت محور القاهرة-الرياض من جهة ومحور بغداد-عمّان من جهة ثانية. انتهى الصراع عام ١٩٥٨ بفوز المحور الأوّل.  

شكّلت مصر الملكيّة في عهد فاروق ثمّ "الضبّاط الأحرار" بزعامة عبد الناصر مع السعوديّة محور القاهرة-الرياض الذي تصدّع في النصف الثاني للخمسينات وقدّر له أن يتحوّل إلى عداء صريح بين الطرفين في الستّينات على مسرح حرب اليمن أمّا محور بغداد-عمّان الهاشمي فقد تنازع فيه مشروعان الأوّل "الهلال الخصيب" الذي نادى به الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله والثاني "سوريا الكبرى" كما رآها ملك الأردن عبد الله الأوّل. المشروعان متماثلان عمليّاً والخلاف على الزعامة ليس إلّا. بالنتيجة وحّد الهاشميّون جهودهم في محاولة للردّ على الوحدة المصريّة-السوريّة عام ١٩٥٨ وولد الاتّحاد العربي الهاشمي في شباط من هذا العام (أي نفس الشهر الذي أعلنت فيه الوحدة) ولكنّ حياته لم تتجاوز الخمسة أشهر إذ انتهى في حمّام دموي في تمّوز من نفس العام عندما قام أشباه البشر بسحل جثّتيّ نوري السعيد وعبد الإله العاريتين في شوارع بغداد. ظلّ العرش الأردنيّ مهتزّاً لعدّة سنوات بعدها ومن الصعب لمن عاصر هذه الأحداث أن يتصوّر أنّ الملكيّة الأردنيّة ستستمرّ حتّى يومنا هذا. 

علّ حسني الزعيم أفضل من يمثّل تذبذب سوريا بين المحورين الهاشمي والمصري وأقول المصري لأنّ مصر كانت مركز ثقل محور القاهرة-الرياض وبقيت حتّى منتصف القرن العشرين رغم جميع مشاكلها الداخليّة والخارجيّة أغنى الدول العربيّة وأكثرها تقدّماً قبل أن تغيّر عائدات النفط هذه المعادلة في العقود اللاحقة.  مال الزعيم نحو الهاشمييّن في البداية ثمّ غيّر اتّجاهه بسرعة صاروخيّة إلى القاهرة بعد أن استقبله الملك فاروق استقبالاً رائعاً في أنشاص عاد منه "معجباً بكلّ ما هو مصريّ". 

انتهى الصراع على سوريا إذاً بانتصار مصر والوحدة التي دامت ثلاث سنوات ونصف قبل أن يسقطها انقلاب عبد الكريم النحلاوي في أيلول ١٩٦١. شهد عقد الستّينات صراعاً على السلطة في سوريا حسمه حافظ الأسد عام  ١٩٧٠ وبدأت بعده مرحلة "الصراع على الشرق الأوسط" حسب Patrick Seale الذي كانت سوريا أحد أقطابه بعد أن كانت ميدانه. 

تبدّلت الأمور جذريّاً فيما بعد مع معاهدة السلام المصريّة-الإسرائيليّة ١٩٧٩ وحرب العراق-إيران ١٩٨٠-١٩٨٨ ومن ثمّ مغامرة صدّام حسين في الكويت عام ١٩٩٠. تعدّدت العوامل ولكن ما على النتيجة من خلاف: تحوّل مركز ثقل العالم العربي المالي وبالتالي السياسي إلى الخليج ودول النفط تحت الحماية الأمريكيّة وبالتفاهم السرّي أو العلني مع إسرائيل بينما أصبحت المشاكل الداخليّة والتصدّي للغزو الخارجي الهمّ الشاغل لعواصم الشرق الأدنى التقليديّة من القاهرة إلى بغداد إلى دمشق. 

هذا لا يعني عدم وجود تيّارات متنافسة إن لا نقل متعادية في العالم العربي والشرق الأدنى اليوم فلدينا مثلاً المحور  السعودي-الإماراتي في مجابهة مع المحور القطري-التركي أمّا عن عوامل التناحر بينهما فهي لا تختلف كثيراً عن أسباب المهاترات القبليّة التقليديّة وحروب داحس والغبراء. شتّان بين العهدين.