Saturday, June 2, 2018

جامع بني أميّة وباب الزيادة


للجامع الأموي أربعةُ أبوابٍ رئيسة: الشمالي أو باب الكلّاسة (١)، الغربي أو باب البريد أو المسكيّة، الشرقي أو باب جيرون (٢)، والجنوبي أو باب الزيادة أو باب الساعات الأوّل. رأينا سابقاً كيف أُضيف أو "زِيد" باب الزيادة على الأرجح لدى بناء الجامع في عهد الوليد بن عبد الملك، عندما قام هذا الأخير بسدّ بوّابة الهيكل الروماني الجنوبيّة الثلاثيّة الفتحات، كما رأينا أنّ باب الزيادة هذا أُزيحَ قليلاً نحو الشرق في وقتٍ لاحق؛ السؤال هنا: أين وكيف ولماذا؟

بالتدقيق في الصورة الملحقة (٣) لجدار الجامع القبلي بين مئذنة قايتباي أو  المئذنة الجنوبيّة الغربيّة وباب الزيادة كما نعرفه حاليّاً، نشاهدُ بقايا مدخل مستطيل مسدود؛ توافقُ هذه البقايا امتدادَ الرواقِ المعمّد الجنوبي الذي وصفه المبشّر الإيرلندي Porter، ورسمه على خريطتِهِ الشهيرة للجامع والمنطقة المحيطة به عام ١٨٥٥. مع الأسف اندثرت معالم هذا الرواق مع نهاية القرن التاسع عشر. 

يعود النصّ الآتي (٤) عن النعيمي إلى مطلع القرن السادس عشر:
"قال في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة: وفي شهر ربيع الآخر نقض الترخيم الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة. فوجدوا الحائط متجافيا فخيف من أمره وحضر النائب تنكر ومعه القضاه وأرباب الخبرة فاتفق رأيهم على نقضه وإصلاحه وذلك يوم الجمعة سابع عشرين شهر ربيع الآخر". 

بعبارةٍ ثانية، أزيلت الكسوة الرخاميّة للقسم الغربي من الجدار القبلي للجامع في الحادي عشر من آذار مارس عام ١٣٢٨ عندما اكتشف المسؤولون سوءَ حالة هذا الجدار والتمسوا الإذن من السلطان المملوكي الناصر محمّد بهدمِهِ وإعادة بنائِهِ وهكذا كان؛ أُعيدَ إثر ذلك فتحُ باب الزيادة الذي كان مغلقاً لعدّة سنوات، مع إزاحته قليلاً إلى الشرق ليأخذ الموضع الذي نعرفُهُ حاليّاً. 


تركّزُ الصورةُ الثانية على المدماك السادس من الأسفل إلى الأعلى، ونرى في مركزِها آثارَ تمثالٍ نصفيّ لا ريب أنّه يعود إلى العهد الروماني أو البيزنطي، أعيد استعمالُهُ في سدّ باب الزيادة الأصلي. 

____________

١. يدعى أيضاً باب العمارة أو الناطفييّن أو الفراديس. 
٢. أو باب النوفرة أو القيمريّة أو باب الساعات الثاني. 
٣. عن Degeorge. 
٤. صفحة ٣٠٣ من كتاب "الدارس في تاريخ المدارس"، الجزء الثاني. كتب النعيمي في مطلع القرن السادس عشر وكرّر العلموي نفس المعطيات بعد بضع عشرات من السنوات؛ ترجم Sauvaire العلموي إلى الفرنسيّة مع التحقيق والتعليق والتفسير عام ١٨٩٦ (صفحة ٢١٤ من "وصف دمشق"). 

____________

Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Friday, June 1, 2018

جامع دمشق الأموي والنموذج البيزنطي لواجهة الحرم الشماليّة


انطلقَ الموكبُ الإمبراطوري من القصر إلى كاتدرائيّة آيا صوفيا في القسطنطينيّة من بوّابةٍ برونزيّة ضخمة أو ما يُسَمّى Chalke. أُعيدَ بناءُ هذه البوّابة بعد عام ٥٣٢ للميلاد، ضمن برنامجٍ معماريٍّ شمل الكنيسة، بمبادرةٍ من Justinian. قُدِّر لآيا صوفيا البقاء، أمّا القصر وبوّابته فقد اندثرا منذ قرون، بيد أنّنا نملكُ فكرةً معقولةً عن هيئة هذه البوّابة بفضل فسيفساء كنيسة Sant'Apollinare Nuovo في Ravenna، حيث تمثّل هذه الفسيفساء واجهة قصر Theodoric العظيم ملك القوط الشرقييّن Ostrogoths، الذي أمضى سنواتٍ مُحْتَجَزاً كرهينةٍ في القسطنطينيّة في النصف الثاني للقرن الخامس الميلادي، وبنى لاحقاً قَصْرَهُ في إيطاليا على غرار النموذج الذي شاهده في العاصمة البيزنطيّة، بما في ذلك واجهة القصر - البوّابة. 

الصورةُ الملحقة عن Degeorge مقارنةٌ بين الفسيفساء الإيطاليّة المذكورة أعلاه من جهة، والواجهة الشماليّة المطلّة على الصحن لحرم صلاة الجامع الأموي من جهةٍ ثانية. ليس التشابه بينهما في رأي الدكتور Flood محض صدفة، سواءً في الواجهة الجملونيّة للمجاز المعترض أم في العقود الكبيرة على طرفي المجاز والأقواس الأصغر فوقَها. قد يعترضُ البعض أنّ البوّابة Chalke، التي شاهدها Theodoric أثناء إقامته في القسطنطينيّة بين ٤٦٤ و ٤٧٢ للميلاد، دُمِّرَت خلال قلاقل ٥٣٢؛ مع ذلك هناك ما يدعو للاعتقاد أنّ البوّابة القديمة لم تختلف كثيراً عن البوّابة التي بناها Justinian في القرن السادس إلّا بالقبّة التي تعلوها. هذه القبّة غير موجودة في فسيفساء Ravenna بينما لا يزال الأموي محتفظاً بقبّة النسر، أو بالأحرى آخر حفيدة لها بعد حريق ١٨٩٣. اقتباسُ الوليد ومهندسيهِ من القوط و Theodoric ليس وارداً، والأقرب للصواب حسب Flood أنّ كليهما استندا إلى النموذج البيزنطي. 

الفرق في دمشق أنّ موضوع الحديث واجهة حرم الصلاة وليس واجهة القصر، ولكن وجود الخضراء على مسافةٍ قليلةٍ نسبيّاً جنوب الجدار القبلي للجامع يعزّزُ الفرضيّةَ القائلة أنّ مدخل الحرم الشمالي الفخم كان بمثابة واجهة للمجمّع، أي  الجامع + القصر.  


Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Thursday, May 31, 2018

معاوية والخضراء


موقعُ قصر حاكم دمشق قبل الإسلام مجهولُ، وإن اعتقد البعض، ومنهم Sauvaget، أنّه تواجَدَ في العصر الهلنستي حوالي ٣٠٠ متر جنوب شرق الهيكل، على الطرف القبلي من الشارع المستقيم كما نرى في الخارطة المُلْحَقَة. 

لربّما كان قصر الخضراء أقرب بكثير إلى حرم المعبد ومسجد الصحابة، أمّا عن تسميتِهِ فهي نسبةً إلى لونِ قبّتِهِ، وعلّها رمزت للقبّة السماويّة. دُعِيَ الحيُّ غرب قصر معاوية بحارة القباب، نظراً لتواجدِ عددٍ من القصور الأمويّة فيه؛ ضَمَّت هذه المنطقة أيضاً داراً للخيل الملكيّة جنوب باب الزيادة، وسجناً، وداراً لسكّ النقد، وديواناً، أو هكذا على الأقلّ ذَكَرَ ابن عساكر (١). بغضّ النظر عن المسافة بين دار العبادة وقصر الإمارة، هناك ما يدعوا للاعتقاد أنّ هذا القصر كان دوماّ جنوب الجدار القبلي للهيكل، من العصر الهلنستي مروراً بالروماني والبيزنطي ووصولاً إلى الإسلامي. لا يقتَصِرُ هذا النموذج على دمشق، بل كان شائعاً في العمائر الأمويّة كما وصفها المؤرّخون. 


عُرِفَ عن معاوية بدعةُ بناء مقصورة إلى جانب محراب الصحابة، ودخولُهُ إليها عَبْرَ بابٍ في الجدار القبلي للمسجد دعاه المقدسي باب الخضراء، وكان بمثابةِ بابٍ خاصّ للخليفةِ وحده، يدخل منه من قصره إلى المسجد الواقع في القسم الشرقي للمعبد القديم مروراً برواق وَصَلَ بينهما من الجنوب إلى الشمال. يتّضِحُ من المخطّطِ الثاني وجودُ مدخلَيْن في الجدار القبلي للهيكل، الأوّل شرقي وخاصّ هو باب الخضراء، والثاني غربي وهو باب الزيادة أو باب الساعات الأوّل، وهذا الأخير عامّ وإت استعملَهُ الخليفةُ في المناسباتِ، عندما وَفَدَ الحرمَ مع مواكبيهِ بصورةٍ رسميّةِ مهيبة، مُقْتفياً طريقاً بدأ من قصر الخضراء متّجهاً إلى الغرب حتّى النصب الرباعي الوجوه tetrapylon، ثمّ مُنعَطِفاً إلى الشمال ٩٠ درجة قبل الدخول من باب الزيادة - الساعات. يعود الفضل في وصف بقايا هذا الطريق - الرواق المعمّد إلى المبشّر الإيرلندي Porter، ويمكن هنا التساؤل عمّا إذا أعاد الوليد بناء الخضراء أو أجرى تعديلاتٍ عليه، بيدَ أنّنا لا نملك جواباً شافياً في هذا الصدد. 


المقارنةُ بين علاقة قصر الخضراء مع الجامع من جهة، والقصر الإمبراطوري في القسطنطينيّة مع كاتدرائيّة آيا صوفيا من جهةٍ ثانية مثيرةٌ للاهنمام؛ كلا القصرين تواجد جنوب المعبد، وكلاهما اتّصلَ مع ممرٍّ شرقي خاصّ بالحاكم اتّجهَ شمالاً ليصل بين القصر والمعبد، وآخر غربي عامّ اتّجهَ من القصر إلى الغرب ثمّ انعطف شمالاً ليدخل المعبد عن طريق باب الزيادة - الساعات في النموذج الإسلامي، وما يسمّى Horologion نسبةً للساعةِ في النموذج البيزنطي. من المعقول، والحالُ كذلك، أن نستنتج أنّ الأمويّين اقتبسوا عن الروم، ليس عناصراً معيّنةً من الزخارف والبناء فحسب، وأنّما أيضاً التخطيط العامّ لمركز المدينة، وتوجّه أهمّ أوابدها الزمنيّة والدينيّة، وعلاقة هذه الأوابد بعضها بالبعض الآخر، اللهمّ إلّا إذا اعتقدنا بوجودِ ضَرْبٍ من تواردِ الخواطر. يمكن تفسير هذا النسخ بإعجاب الأموييّن بالحضارة البيزنطيّة واحترامهم لإنجازاتِها رغم العداوةِ بين الطرفين، أو بمحاولتِهِم التفّوق على بيزنطة ثقافيّاً وجماليّاً وفنيّاً كما هزموها عسكريّاً في أكثر من مناسبة (٢)، أو بطموحِهِم إلى فتح القسطنطينيّة التي جذبتهم كالمغناطيس كما جذبت الأوروپييّن (٣) بَعْدَهم. 

يتبع. 

____________

١. على سبيل المثال صفحة ٢٥ و ١٣٨ من تحقيق صلاح الدين المنجّد. 
الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا. 
٢.  الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا. 
٣. أخذَ الصليبيّون القسطنطينيّة في مَطْلِع القرن الثالث عشر، وفَتَحَها العثمانيّون في منتصف القرن الخامس عشر، واستَهدَفَها الروس دون نجاح اعتباراً من القرن الثامن عشر. 
____________

Jean Sauvaget. Le plan antique de Damas. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1949 (26-3-4)  pp. 314-358. 

Wednesday, May 30, 2018

من هيكل آرام دمشق إلى جامع بني أميّة


تعرَّضَ الدكتور Flood كما رأينا إلى فسيفساء وكرمة وساعات الجامع الأموي. قَبْلَ متابعةِ استنتاجات المؤلِّف عن محيط الجامع، وعلاقَتِهِ بقصر معاوية، ومقارنتِهِ مع كاتدرائيّة آيا صوفيا في القسطنطينيّة، يحسنُ أن نستَعْرِضَ تاريخَ الجامع باختصار. 

لم يبق من العهد الآرامي الشيء الكثير، ويمكن تعميمُ ذلك على العهدين الفارسي والهلنستي. لدينا بالمقابل معلوماتٌ لا بأس بها عن هيكل المشتري الروماني الذي يمكن للتبسيط أن نقسمه إلى فضاءٍ مسوّرٍ خارجي مساحته حوالي ١١٧٠٠٠ متر مربّع، ومعبد داخلي غطّى قرابةَ ١٦٠٠٠ متر مربّع، أي مساحة الجامع الأموي حاليّاً على وجهِ التقريب. ارتَفَعَ المعبد الداخلي حوالي خمسة أمتار عن محيطِهِ، وتواجَدَ مَدْخَلُهُ الرئيس في الشرق: باب جيرون والرواق المعمّد المؤدّي إليه.  

تحوّل المعبد الداخلي إلى كنيسةٍ ملكيّةٍ نحو نهاية القرن الرابع للميلاد تحت الإمبراطور ثيودوسيوس، وانتهى الأمرُ بالفضاء بين سورَيّ المعبد إلى فقدانِ وظيفتِهِ الدينيّة وتغلُّب الطابع التجاري إذ غَزَتْهُ الأسواقُ والمباني. بإمكاننا مع ذلك إلى اليوم رؤية بقايا البوّابة الخارجيّة وأعمدتها الشامخة غرب باب البريد. لربّما كان مدخلُ الكنيسةِ الرئيس في الجنوب. 

نأتي الآن إلى قصّةِ اقتسام الكنيسة بين المسلمين والمسيحييّن بعد الفتح الإسلامي. ارتأى Creswell أنّ ما تمّ اقتسامه فعلاً لم يكن الكنيسة التي شَغَلَت حيّزاً في القسم الغربي للمعبد الداخلي فحسب وليس كامل المعبد، وأنّ ما حصل أنّ المسلمين بنوا مسجد الصحابة في القسم الشرقي للهيكل الروماني دون المساس بالكنيسة، إلى أن قام الوليد بن عبد الملك بِهَدمْهِا في مطلع القرن الثامن الميلادي ليبني الجامع الأموي كما نعرفه حاليّاً. حافظ الجامعُ على هيئتِهِ بشَكْلٍ أو بآخر رغم الكوارث العديدة التي انتابته عبر القرون.

اعتقد بعض الرحّالة الأوروبييّن أنّ الوليد لم يبن شيئاً سيتحقّ الذكر، وأنّ مأثِرَتَهُ اقتصرت على تحويل الكنيسة كما هي إلى جامع، ذهب Barsky مثلاً إلى حدِّ رسم الجامع مع صلبانٍ توّجت قبّة النسر والمآذن. ليس هذا بالمستغرب في زمن كان دخول الجامع فيه محرّماً على غير المسلمين، وظلّ هذا الوضع سائداً حتّى حرب القرم في مطلع النصف الثاني للقرن التاسع عشر. 

الرسم التخيّلي ومسقط الكنيسة وخريطة الجامع عن Creswell. اقتَبَسَ Flood المقطع الشمالي الجنوبي لحرم الصلاة عن Spears. 

يتبع. 



Richard Phené Spiers. Archctecture East and West. B. T. Batsford, London 1905. 
René Dussaud. Le temple de Jupiter Damascénien et ses transformations aux époques chrétienne et musulmane. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1922  (3-3)  pp. 219-250. 
K.A.C Creswell. A Short Account of Early Muslim Architecture 1958 (p. 43-81). 
Ross Burns. Damascus, a History. Routledge 2005.

Tuesday, May 29, 2018

ساعات جامع دمشق الأموي‎


المخطّط الملحق للجامع الأموي ومحيطِهِ عام ١٨٥٥ مُقْتَبَسٌ عن المبشّر الإيرلندي Porter، وهو بالإجماع أدقّ الخرائط لهذِهِ المنطقة حتّى ذلك الحين. نرى شمال الجامع من الشرق إلى الغرب المدرسة أو الخانقاه السميساطيّة، القنصليّة الإنجليزيّة (١)، تربة صلاح الدين، وأخيراً المدرسة الظاهريّة. سوق الكتب في الغرب هو المسكيّة طبعاً، وإلى الجنوب منه سوق العبيد (٢). ما يهمّنا في سياقِ حديثِ اليوم بالدرجة الأولى هو جدار الجامع القبلي وباب الزيادة قرب نهايته الغربيّة، حيث شاهد Porter بقايا رواق معمّد يتّجه من باب الزيادة متعامداً عليه إلى الجنوب، لينعطف إلى الشرق لدى نصب رباعي الوجوه Tetrapylon، ويتابع مسيرَهُ موازياً لسور الجامع الجنوبي. كان هذا الرواق لا يزال موجوداً عام ١٨٧٦ استناداً إلى دليل Baedeker واندثر قبل نهاية القرن التاسع عشر. 


لنا عودةٌ إلى باب الزيادة، وبانتظار ذلك، لنحاول البحث في أمر ساعة باب جيرون الشهيرة التي بناها محمّد بن علي بن رستم الخراساني الساعاتي في عهد نور الدين، على الأغلب بين ١١٥٤ و ١١٦٧ للميلاد. وصف ابن جبير الأندلسي هذه الساعة وصفاً دقيقاً، ودون الدخول في التفاصيل يكفي القول أنّ المرئي منها تشكّلَ من غرفةٍ ذات اثني عشر باباً، يُقاسُ الوقتُ فيها نهاراً بواسطةِ أوزانٍ تسقطُ من منقارِ طيرٍ في وعاءٍ في الأسفل لدى انصرامِ ساعةٍ من الزمن مُحْدِثَةً صوتاً، أمّا ليلاً فالقياسُ عن طريقِ أضواءٍ يُسْتَعاضُ بها عن الأصوات في قرصٍ كبيرٍ فوقَ الأبواب كما نري في الرسم. نستدلّ من وصف ابن جبير (٣) أنّ هذه الساعةِ آليّةٌ، بيد أنّ ابن بطوطة (٤) وصفها باليدويّة، ومن المُحْتَمَل بالتالي أنّ خللاً ما أصابَها بين أواخرِ القرن الثاني عشر ومطلع الرابع عشر. ساعةٌ معقّدةٌ كهذهِ مكلفةٌ للغاية في عصرٍ توافرت بدائلٌ أرخص لقياس الوقت، كالساعة الشمسيّة التي ابتكَرَها ابن الشاطر لمئذنة العروس، ممّا يدلُّ أنّ الهدفَ من ساعةِ باب جيرون كان نفسيّاً وجماليّاً، لإبهار الزائر والأهالي على حدٍّ سواء، بتقدّمِ وغنى دمشق. أعطت هذه الساعة لباب جيرون اسم باب الساعات، أمّا عن قبّة الساعات في شرق صحن الجامع فقد استمدّت اسمَها من استعمالِها في الماضي لتخزين قطع هذه الساعات. دُمِّرَت ساعةُ باب جيرون على الأرجح خلال حريق شبَّ عام ١٣٩٢ إذ لا ذكر لها في المصادر اللاحقة لهذا التاريخ، باستثناءِ ما نَقَلَ منها عن السَلَف.  


هناك الكثير من الالتباس في المصادر التاريخيّة بين ساعة باب جيرون والباب الذي أعطته اسمَها من جهة، وبين الساعة الأصليّة التي اندثرت قبل تدوين الغالبيّة العظمى من المصادر التي وصلتنا عن تاريخ ووصف الجامع وباب الساعات الأصلي كما ذكر المقدسي في القرن العاشر وأشار لاحقاً ابن عساكر (٥) وابن شدّاد (٦) والنعيمي والعلموي (٧) من جهةٍ ثانية؛ لا شكَّ أنّ كلام هؤلاء متعلّقٌ بجدارِ الجامع القبلي وليس جدارِهِ الشرقي؛ أمّا عن كيفيّةِ عَمَلِ الساعة الأصليّة فهي غناء عصافير وظهور ثعبان ونعيب غراب وسقوط حصوة في إناءٍ صغير بعد انصرامِ ساعة. نستنتج ممّا سبق أنّ باب الساعات الأصلي هو ما يُعْرَفُ حاليّاً باسم باب الزيادة، الذي تشيرُ الأدلّةُ أنّه بُنْيَ بين مطلع القرن الثامن، أي لدى بناء الجامع، وأوائل القرن العاشر للميلاد. مال الدكتور Flood  إلى التاريخ الأبكر عندما أمَرَ الوليد بسدِّ البوّابةِ الثلاثيّةِ الباذخة في جدار المعبد الجنوبي كما نرى في الرسم عن Spiers (٨). 


ترتّبَ على سدّ البوّابة الجنوبيّة ضرورةُ استحداثِ مدخلٍ يحلّ محلَّها، ومن هنا باب الزيادة الذي "زيدَ" أي أضيف إلى أبواب الجامع الثلاث الباقية قي الشرق والغرب والشمال التي وصفها ابن جبير. أزيحَ بابُ الزيادة فيما بعد قليلاً إلى الشرق، بدلالة خريطة Porter التي تُظْهِرُ بوضوح بقايا الرواق المعمّد الجنوبي على مسافةٍ قصيرةٍ إلى الغرب من باب الزيادة الحالي. سُدَّ باب الأصلي عام ١٣٢٨، بيد أنّ تحديدَ مكانِهِ ليس بالعسير كما في الصورة الملوّنة الملحقة عن Degeorge. 

الخلاصة يعودُ باب الساعات الأصلي أو الأوّل المنسوب إلى الساعةِ الأولى على الأغلب إلى عهد الوليد بن عبد الملك، ويقع في الجدار القبلي للجامع ونعرفُهُ اليوم، بعد إزاحتِهِ قليلاً إلى الشرق، تحت اسم باب الزيادة، بينما يطابِقُ باب الساعات الثاتي باب جيرون في جدار الجامع الشرقي، ويعود إلى عهد الأتابك نور الدين.  اندثرت الساعتان الأولى والساعة الثانية منذ مئات السنين. 

للحديث بقيّة.  

____________

١. شَغَلَت القنصليّة الإنجليزيّة آنذاك بيت سعيد القوّتلي.
٢. سوق العبيد = خان الجوار أو خان الحرمين.
٣. زار ابن جبير دمشق عام ١١٨٤ للميلاد. 
٤. زار ابن بطوطة دمشق عام ١٣٢٦ للميلاد (انظر صفحة ١٠٨ من "الرحلة"). 
٥. صفحة ٤٧ من تحقيق صلاح الدين المنجّد. 
٦. صفحة ٧٣ من تحقيق سامي الدهّان. 
٧. تَرْجَمَهُ Sauvaire إلى الفرنسيّة (صفحة ٢٠٦). 
٨. احتلَّ المحرابُ الرئيس لاحقاً الفتحةَ الغربيّةَ لهذهِ البوّابة. 

____________


Richard Phené Spiers. Archctecture East and West. B. T. Batsford, London 1905. 
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Monday, May 28, 2018

كرمة الجامع الأموي



ركّز رواةُ القرونِ الوسطى على عنصرينِ من عناصرِ زخرفة الجامع الأموي: الأوّل هو الفسيفساء والثاني الكرمة (١). هناك عدد لا بأس به من الدراسات التي تصفُ تفاصيلَ الفسيفساء وتفسّرُ معانيها، بيد أنّ نصيبَ الكرمةِ من الاهتمام أقلّ بكثير والسبب بسيط: لا زلنا نملك كمّاً كبيراً من الفسيفساء رغم نوائب الدهر وجهل الإنسان، أمّا الكرمة فقد اندثرت في أعقاب حريق عام ١٨٩٣ إلى غير رجعة؛ مع ذلك الأدلّة الكتابيّة والصوريّة على وجودِها قاطعةٌ لا تقبل الدحض، وتعطي فكرةً معقولةً عن شكلِها وأبعادِها ومكانِ تواجدِها، مكّنت الدكتور Flood أن يعطيها مشكوراً بعضَ حقِّها. 

استعمال الكرمة والفسيفساء كعناصرٍ زخرفيّة سابقٌ للإسلام والمسيحيّة، وكلاهما يحملُ معانٍ دينيّةً (٢) وزمنيّة (٣) وجماليّة. استُخْدِمّت الكرمة في زخرفةِ كنيسةِ آيا صوفيا في القسطنطينيّة، وبعض المعابد الوثنيّة (٤) التي ارتبطَ فيها اسم الإله اليوناني Dionysus (٥) بالخمرِ والكروم. هناك فرق بين موضع الكرمة في المعابد الوثنيّة حيث تؤطّر الأبواب وتعلوا سواكِفَها، ومكانها في الجامع الأموي داخل حرم الصلاة. 

لربّما كانت لوحة الفنّان Frederic Leighton ١٨٧٣ - ١٨٧٥ أفضل وصف بصري للكرمة المذهّبة كما بدت في جدار قاعة الصلاة القبلي بشكل شريط بين الوزرة (٦) والفسيفساء في الأعلى. لا يوجد طريقة مضمونة اليوم لتحديد عرض الشريط بدقّة إذ قدّره Creswell بحوالي ٦٠ عشير المتر بينما ارتأى Flood أنّ ٤٥ من عشيرات المتر أقرب إلى الصواب. في كلّ الأحوال يمكن الاستدلال من الصور الفوتوغرافيّة الملتقطة قبل حريق ١٨٩٣ (٧) أنّ هذا الشريط دارَ على جدران حرم الصلاة الأربعة على ارتفاع تراوحَ بين ٣ - ٤ أمتار عن أرضيّة الجامع، وأنّ تقنيّته تلخّصت في تطبيقِ عجينةٍ داكنة اللون للخلفيّة، مع تذهيب النحت البارز، وأنّه تمَّمَ نقوشاً كتابيّة زيّنت الجدار القبلي لحرم الصلاة. 

أجْهَزَ حريقُ ١٣١١ للهجرة (٨) على الكثير، بما في ذلك الكرمة؛ مع ذلك هناك صورٌ ضوئيّةٌ لأجزاءٍ كبيرةٍ منها بعد الحريق عندما جُمِعَت بقايا إفريز الكرمة (٩) المذهّب التي وفّرتها ألسنة اللهب، وسهرَ المسؤولون على تخزينِها بهدف إعادة استعمالها في الترميم، وإن لم يقدّر لها بالنتيجة أن تعود إلى مكانها الأصلي. لم يكن الشريط  الزخرفي "كرمةً" ١٠٠٪، وبالأحرى تناوب معها فيهِ العنبُ والرمّان فيه كما نرى في الصورة والرسم أدناه.



 للحديث بقيّة.

____________

١. أقدم ذكر للكرمة في اين عساكر (صفحة ٣٥ من تحقيق صلاح الدين المنجّد).
٢. الجنّة التي وَعَدَ اللهُ بها المؤمنين، وهناك أيضاً ربطٌ بين الكرمة التي تظلّل العرش الإلهي وتمثيلَها في هيكل سليمان حسب الرواة، الذي نقل عنه المسلمون رمزيّاً في كرمة قبّة الصخرة.
٣. كما في استعمالها من قِبَل ملوك إيران الأخمينيّين. 
٤. كما في عددٍ من الآثار النبطيّة جنوب سوريّا.
٥. الروماني Bacchus. 
٦.  الوزرة = dado أي الجزء السفلي المزخرف من الجدار. 
٧. الصورة لصيق لوحة Leighton منشورة في كتاب Oppeheim عام ١٨٩٩، وتعكس الوضع قبل الحريق. هناك أيضاً صورة مُلْتَقَطة لحرم الصلاة من الغرب إلى الشرق قبل الحريق نرى في خلفيّها شريطَ الكرمةِ بوضوح وإن تعذّرَ تمييز التفاصيل.


٨. الموافق 
١٨٩٣ للميلاد. 
٩. الصورة التالية للكرمة على قطع زخارف رخاميّة من الجامع:
 


____________


Sunday, May 27, 2018

ترجمة فسيفساء الجامع الأموي


من المؤكّد أنّ فسيفساء جامع دمشق الأموي الحاليّة تقلّ عن نظيرتها في عهد الوليد بن عبد الملك كمّاً ولربّما أيضاً نوعاً. ليس هذا بمستغربٍ في جامعٍ يتجاوز عمره ١٣٠٠ سنة، مرّ عليهِ خلالها أكثر من الكفاية من الكوارث، منها الطبيعيّة ومنها نتيجة إهمال البشر وتخريبهم. قصّةُ الفسيفساء التي غُطّيَت بالكلس قبل أن يكشفها de Lorey في عهد الانتداب الفرنسي معروفةٌ، وكذلك الدمار في أعقابِ حريقِ ١٨٩٣.

يرى الكثيرون أنّ فسيفساء الأموي بقصوِرها وأنهارِها وأشجارِها ترمز إلى جنّتين، إحداهما سماويّة وَعَدَ اللهُ بها المؤمنين، والثانية أرضيّة تمثِّلُ دمشق وغوطتها ومبانيها ونهرها. ليس الهدفُ من دراسة الدكتور Flood تغطية فسيفساء الجامع بالتفصيل، وإنّما بالأحرى التركّيز على عنصر محدّد فيها: "اللآلىء المعلّقة" التي نراها بوضوح في الصورة أعلاه عن Degeorge. استعمالُ اللؤلؤة المعلّقة في الزخارف والفسيفساء سابقٌ للإسلام، بدلالةِ نماذجٍ في الشرق المسيحي لدى الأقباط والبيزنطييّن، ويرمز إلى صفاء وإشعاع المسيح ناهيك عن الاعتبارات الجماليّة. تمثِّلُ الدرّةُ أيضاً المصباح، والنجوم في القبّة السماويّة، ومنازل المؤمنين في الجنّة، كما فصّل عبد الملك ابن حبيب الأندلسي (١) في كتاب وصف الفردوس :

"وحدّثني بعضُهم أنّ في كلِّ خيمةٍ من خيامِ الجنّةِ التي هي من لؤلؤةٍ مجوّفة طولُها أربع فراسخ في أربع فراسخ، وفي الارتفاع مثل ذلك سرد عليها من الدرِّ، والياقوتِ، وعلى كلِّ سريرٍ فرشٌ منضودةٌ ملوّنةٌ بعضها فوق بعض، وأمام كلِّ سريرٍ طنفسةٌ قد طبقت الخيمة منسوجة بالدرّ والياقوت والزبرجد في قضبان الذهب، والفضّة، وعلى كلِّ سريرٍ زوجةٌ من الحورِ العين يطفىء نورُها نورَ الشمسِ مع كلِّ زوجةٍ سبعون جارية وسبعون غلاماً كما قالَ الله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ".

روى إبن عساكر أنّ الوليد طالب مساعدة "طاغية" الروم (٢) في بناء الجامع الأموي في دمشق تحت طائلة غزو أراضي الروم وتدمير الكنائس المسيحيّة تحت حكم الأموييّن، بما فيها كنيسة بيت المقدس، إذا امتنع الإمبراطور عن التلبية. لا ريب أنّ نصَّ هذه الرسالة المزعومة خَضَعَ إلى الكثير من "التبهير" بين موت الوليد في مطلع القرن الثامن وإبن عساكر في القرن الثاني عشر، ولكن من الملفت للنظر أنّه يعزو للوليد طلبَ مساعدة الروم في بناء جامع دمشق وإعادة بناء جامع المدينة (٣)، وليس هناك ذكر مماثل لمساهمةٍ بيزنطيّة،  طوعيّةً كانت أم قسريّة، في الجامع الأقصى وقبّة الصخرة، وكلاهما خالٍ من الدرر المعلّقة؛ بناءً على ذلك من المحتمل أنّ هذه اللآلىء نموذجٌ ترجَمَهُ الأمويّون عن مصادرٍ سابقة عن طريقِ القسطنطينيّة.

اللوحة المائيّة لحَرَم الجامع عن Phené Spiers. 

للحديث بقيّة. 

____________

١. وفيّات ٨٥٣ للميلاد. 
٢. صفحة ٢٦ من تحقيق صلاح الدين المنجّد. 
٣. هناك أيضاً رواياتٌ مفادُها أنّ أمويّي الأندلس التمسوا مساعدة بيزنطة في بناء جامع قرطبة.

Finbarr Barry Flood. The Great Mosque of Damascus : Studies on the Makings of an Ummayyad Visual Culture. Brill 2001. 
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010.