Friday, February 14, 2020

بيت جين ديغبي


اشترت الليدي جين قطعة أرض خارج سور المدينة وسط البساتين بعد فترة قصيرة من وصولها إلى دمشق عام ١٨٥٣. بنت السيّدة ديبغي بيتها في هذه الأرض في العمارة البرّانيّة وفصل جسر على بردى بينه وبين بيت الأمير عبد القادر الجزائري داخل السور. 

يتبع بيت ديغبي إجمالاً قواعد توزيع وترتيب الدور الدمشقيّة التقليديّة وأضافت Jane إليه لمسات إنجليزيّة وأوروبيّة كورق الجدران والستائر والأثاث المستورد ولكنّ اهتمامها تركّز على الحديقة التي جمعت بين الأشجار والنباتات الشاميّة والدروب المعشوشبة الأوروبيّة. أضف إلى هذه وتلك بيتاً صيفيّاً يكسوه الياسمين والورد وغرسات من كلّ الأنواع جلبت بذورها من هنا وهناك.

قرّرت الليدي جين بيع بيتها الذي أمضت ثمانية سنوات في إنشائه عام ١٨٦٢ واشترت قطعة أرض قريبة شمال جامع الأقصاب أو جامع الزينبيّة لبناء بيت أقلّ اتّساعاً.

كتبت Mary Lovell عام ١٩٩٥ سيرة Jane Digby التي أثارت فضول الكثيرين من زوّار دمشق لمعرفة المزيد عن مكان إقامتها ومع الأسف أصبحت المنطقة اليوم شديدة الازدحام يفصلها شارع الملك فيصل عن المدينة القديمة. مع ذلك نجحت Lovell مع دليلها السوري حسين حنّاوي في تقصّي البيت الأوّل الذي أصبح في حالة تعسة مقسّماً بين ثلاثين عائلة فقيرة وإن أمكن التعرّف عليه من سقفه المثمّن وبقايا ورق الجدران أمّا عن البيت الثاني فقد تعذّر تحديد مكانه ونعرفه من خلال وصف الليدي Isabel Burton قرينة القنصل البريطاني في دمشق وصديقة الليدي جين.  

ذكرت يوم أمس زواج جين دغبي من الشيخ مجول المصرب الذي قدّر له أن يكون رابع وآخر زيجاتها وأكثرهنّ نجاحاً. 



الصور الملحقة لبيت الليدي جين من الخارج والداخل بعدسة المستشرق الألماني البارون Oppenheim ولا علم لي إذا كانت للبيت الأوّل أو الثاني وإن كنت أرجّح الأوّل. 





Brigid Keenan & Tim Beddow. Damascus: Hidden Treasures of the Old City. Thames & Hudson 2001.

Mary S. Lovell, Jane Digby (Corm & Mamarbachi: Damascus, a Travel Guide 2010). 

Thursday, February 13, 2020

Jane Digby 1807-1881


حطّت البريطانيّة الليدي جين ديغبي الرحال في دمشق في أيّار عام ١٨٥٣ بعد سلسلة طويلة من العلاقات العاطفيّة الفاشلة بداية من زواجها عن عمر سبعة عشر ربيعاً من اللورد Ellenborough الذي بلغ عمره ضعفيّ عمرها (قدّر له لاحقاً أن يتبوأ منصف نائب الملك viceroy في الهند) ومروراً بعدد من المغامرات العابرة مع نفر من نبلاء أوروبا بما فيهم ملك بافاريا أدّت إلى طلاقها في فضيحة مدويّة. نذرت هذه السيّدة أن تنبذ الرجال إلى الأبد بعد أن خانها أحد عشّاقها مع خادمتها وقدّر لها أن تغيّر رأيها بعد أن قابلت حبّها الحقيقي في الشام في شخص الشيخ مجول المصرب من قبيلة عنزة. كان عمرها آنذاك ستّة وأربعين عاماً بينما لم يتجاوز عمر الشيخ المذكور سبعاً وعشرين وهو في ذلك الوقت نفس عمر ابنها من اللورد Ellenborough.

وقعت الليدي والزعيم البدوي في الغرام بعد أن اختار القنصل البريطاني مجول كدليل السيّدة إلى تدمر. كان الشيخ متزوّجاً ولكن جين أصرّت على طلاقه قبل أن تربط حياتها به في عقد قران إسلاميّ كلّفها بالنتيجة جنسيّتها البريطانيّة.

بنت ديغبي داراً عامرة في دمشق (لنا عودة إليها) حيث أمضت ستّة أشهر من السنة هرباً من قيظ الصحراء في الصيف وقرّها في الشتاء وكان بيتها قبلة للزوّار الأجانب في دمشق منهم ولي عهد بريطانيا أمير ويلز Prince of Wales عام ١٨٦١ (ابن الملكة فيكتوريا وتوّج لاحقاً تحت اسم إدوارد السابع) والقنصل البريطاني في دمشق المستشرق Richard Burton (زوج Isabel Burton كاتبة "الحياة الداخليّة لسوريا وفلسطين والديار المقدّسة) والأمير عبد القادر الجزائري.

أصبحت الليدي جين مع مرور الوقت بمثابة أمّ لقبيلة زوجها وكانت في إحدى اجتماعات شيوخ العشائر المرأة الوحيدة الحاضرة. لعبت أيضاً دور الوسيط بين القبيلة وبين الجكومة العثمانيّة ويقال أنّها تكلّمت تسع لغات بطلاقة وألمّت باللهجة البدويّة كما برعت في ركوب الخيل.

ماتت جين ديغبي بالزحار في آب ١٨٨١ ودفنت في مقبرة البروتستانت خارج سور المدينة التي أحبّتها في موضع لا يبعد كثيراً عن الباب الشرقي. الصورة الملحق لضريحها في هذه المقبرة كما بدا قبل حوالي المائة عام واللقطتان بعدسة المستشرق الألماني البارون Oppenheim. 




Mary S. Lovell, Jane Digby (Corm & Mamarbachi: Damascus, a Travel Guide 2010). 

Wednesday, February 12, 2020

مجمع اللغة العربيّة


تأسّس هذا المجمع أو الأكاديميّة العربيّة كما رأينا في العهد الفيصلي واتّخذ المدرسة العادليّة الكبرى داخل سور المدينة مقرّاً له لعشرات من السنوات قبل أن ينتقل إلى مكانه الحالي في غرب المالكي. 

للمدرسة العادليّة تاريخ حافل كملاذ للعلماء عبر القرون ومنهم أبو شامة (١٢٠٣-١٢٦٧ م) صاحب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين الصلاحيّة والنوريّة" وابن خلّكان (١٢١١-١٢٨٢) مؤلّف "وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" وابن مالك (١٢٠٤-١٢٧٤) المشهور بألفيّته والذي درّس فيها وابن خلدون (١٣٣٢-١٤٠٦) كاتب المقدّمة أو "العبر وديوان المبتدأ والخبر.." الذي نزل في العادليّة خلال زيارته دمشق وقابل تيمورلنك و"مسح الجوخ" له قبل أن يطلق هذا الأخير العنان لأجلافه ويستبيح المدينة.

ترأّس العلّامة وصاحب خطط الشام محمّد كرد علي المجمع ١٩١٩-1953 (أي حتّى وفاته) وتلاه الشاعر وكاتب نشيد سوريا الوطني خليل مردم بك ١٩٥٣-١٩٥٩ ومن ثمّ الأمير مصطفى الشهابي ١٩٥٩-١٩٦٨ فالدكتور حسني سبح ١٩٦٨-١٩٨٦ فالدكتور شاكر الفحّام ١٩٨٦-٢٠٠٨ (الرابط أدناه) ليضفوا إلى مجد العادليّة الغابر مساهمتهم المشكورة في العصور الحديثة.

انتقل المجمع العلمي بالنتيجة من العادليّة ولكنّه أبقاها مخزناً لمخلّفاته وكان ترميمها سائراً على قدمٍ وساق عندما وصفها العلبي في أواخر ثمانينات القرن الماضي.

ألحق ضمن الروابط موقعاً لتحميل أعداد مجلّة المجمع ١٩٢١-٢٠٠٢.



الصور الملحقة بعدسة المستشرق الألماني Oppenheim التقطت منذ حوالي القرن. تبدوا قاعة المحاضرات في الصورة السفليّة من اللوحة الأولى.




أكرم حسن العلبي خطط دمشق دار الطبّاع ١٩٨٩





Tuesday, February 11, 2020

متحف دمشق الوطني ١٩١٩-١٩٣٦


الصورتان بالطبع من المدرسة العادليّة الكبرى التي كانت مقرّاً للمتحف الوطني ولمجمع اللغة العربيّة (الأكاديميّة العربيّة) عندما دشّنت هاتان المؤسّستان في العهد الفيصلي وألحقتا بالجامعة السوريّة في عهد الانتداب وإلى أن انتقل المتحف في منتصف ثلاثينات القرن الماضي إلى موضعه الحالي في البناء غرب التكيّة السليمانيّة من تصميم العالم الفرنسي Michel Écochard (انتقل المجمع أيضاً فيما بعد).

بوشر في بناء المدرسة العادلية -وهي من مدارس الشافعيّة- في عهد الأتابك نور الدين زنكي وأنجزت في عهد الأيّوبي المعظّم عيسى ابن الملك العادل وهناك المزيد من المعلومات عن تاريخها وتصميمها في الروابط والمراجع أدناه. تعرّضت للدمار أكثر من مرّة على يد المغول من غازان إلى تيمورلنك وأعيد بناؤها. تدهور وضعها في العهد العثماني وكانت معظم غرفها مؤجّرة للسكن عندما زارها الألمانيّان Wulzinger و Watzinger خلال الحرب العالميّة الأولى. 



المزيد عنها وعن المجمع في منشور مقبل أمّا عن الصور الملحقة فهي بعدسة المستشرق الألماني البارون Oppenheim التقطت في عشرينات القرن الماضي عنوان الأولى "رأس تمثال سوري من مشرفيّة؟! Meschreffije النصف الأوّل للقرن الثاني قبل الميلاد" والثانية "المبنى الجديد للمتحف العربي".




أكرم حسن العلبي خطط دمشق دار الطبّاع ١٩٨٩










Karl Wulzinger & Carl Watzinger. Damaskus, die Islamische Stadt. Walter de Gruyter 1924. 



Monday, February 10, 2020

بحرة البيت الشامي


تتمتّع دور دمشق الموسرة بنوعين من البحرات. النوع الأوّل (أو البحرة الخارجيّة) موجود في صحن البيت المركزيّ ويتمحور مع الإيوان. من البيوت ما يحتوي على أكثر من صحن لكلّ منه بحرته وندر أن يكون للصحن الواحد أكثر من بحرة (قصر العظم استثناء لهذه القاعدة إذ نرى في صحن الجوّاني بحرتين الغربيّة منهما متعدّدة الأضلاع يخالها المرء للوهلة الأولى دائريّة والشرقيّة بشكل مستطيل كبير). البحرة الخارجيّة في الأصل بسيطة التصميم تكاد تخلوا من الزخرفة وتستمدّ سحرها بالدرجة الأولى من المياه التي تخدق من نافورتها والأزهار والنباتات الوارفة الظلال في محيطها. زادت العناية بزينة البحرة الخارجيّة مع حلول القرن التاسع عشر وأصبحت في عدد من البيوت آية من آيات الفنّ. البحرة الخارجيّة والصحن من عناصر البيت الشامي الأساسيّة متواضعاً كان أم باذخاً.

بالمقابل البحرة الداخليّة أقلّ انتشاراً من الخارجيّة وأصغر حجماً وهي بشكل أو بآخر حكر على البيوت الكبيرة الغنيّة وبالتالي فحجارتها (الرخام) أغلى ثمناً والعناية بزخرفتها (الفسيفساء والنحت والترصيع) أكبر. تتواجد البحرة الداخليّة عموماً في قسم القاعة المنخفض أو العتبة.



نودّع مع الصورتين الملحقتين بعدسة المستشرق الألماني البارون Oppenheim بيت جبري -أو كما أسماه بيت وزير-. اللقطتان لبحرتين خارجيّتين في هذا البيت العريق كما كانتا قبل حوالي القرن. 







 Brigid Keenan & Tim Beddow. Damascus: Hidden Treasures of the Old City. Thames & Hudson 2001. 


Sunday, February 9, 2020

لقطات من بيت جبري قبل حوالي القرن‎


صورتان من بيت جبري إحداهما لقوس يفصل بين عتبة وطزر القاعة أو بالأحرى أحد طزراتها كما رأينا والثانية لدرج في الصحن يختفي أو يكاد خلف النباتات الخضراء ويذكّر بأغنية هدى حدّاد الجميلة "درج الياسمين". اللقطتان بعدسة المستشرق الألماني البارون Oppenheim الذي يسمّي هذه الدار دوماً "بيت وزير".

يتفاوت عدد صحون البيت الشامي وتتفاوت مساحة وبذخ الصحن حسب إمكانيّات أصحاب الدار. من الصحون ما هو غاية في البساطة ولا يخلوا مع ذلك من لمسة من السحر الشرقيّ تضفيها تعريشات الدوالي والأزهار وأشجار النارنج والكبّاد والليمون التي يعبق عطرها في ربوعه وحول بحرته. أضف إلى هذا وذاك السلاحف المختبئة بين النباتات (سمعت أنّه "يللّي عندو زلحفة ما بيعلق عليه سحر") وزقزقة العصافير على الأغصان وهديل الحمام على السطح. أذكر حديث أبي رحمه الله أنّ "كشّاش الحمام" لا تقبل شهادته في المحكمة وعلّ السبب "البصبصة" على نساء الجيران بذريعة كشّ الحمام. أذكر أيضاً في هذا الصدد حلقة من مسلسل حكم العدالة الشهير في مطلع الثمانينات عندما قتل النسونجي وكشّاش الحمام "جاسم" رجلاً اتّهمه بسرقة "الطير الأبلق". طبعاً باء جاسم بالخيبة وبئس المصير بفضل نفاذ ذهن الرائد هشام واستنطاق المساعد جميل المشهور بفعاليّته (لا أذكر إذا كان مع أو دون "الفلقة") والقضاء السوري الذائع الصيت وكان في ذلك عبرة لذوي الألباب ولكلّ من تسوّل له نفسه القتل واستراق النظر وكشّ الطيور. 






 Brigid Keenan & Tim Beddow. Damascus: Hidden Treasures of the Old City. Thames & Hudson 2001. 

Saturday, February 8, 2020

أسقف الدور الشاميّة


القاعة أكثر غرف البيت الشامي بهاءً ورأينا أنّها مؤلّفة من قسم منخفض يدعى العتبة تتوسّطه عادة بحرة صغيرة وآخر يرتفع عنه حوالي نصف المتر يدعى الطزر وهو مكان الجلوس والاستقبال. جميع القاعات لها عتبة واحدة ولمعظمها طزر واحد ويمكن أن تحتوي البيوت الباذخة على قاعة ذات طزرين أو حتّى ثلاثة تتوزّع على أطراف العتبة كما في بيت جبري أو ما أسماه البارون Oppenheim بيت وزير. أخذت الصور الملحقة بعدسة المستشرق الألماني قبل حوالي المائة عام.

تبدي الصورة الأولى ثلاثة أسقف -أو بالأحرى أجزاءً من ثلاثة أسقف- متتالية يتوسّط فيها سقف العتبة الأكثر ارتفاعاً سقفيّ طزرين كما نرى فيها ثلاثة أقواس مدبّبة تفصل سقف العتبة عن أسقف الطزرات الثلاثة (لا يظهر سقف الطزر الثالث على يمين الناظر). 

يعتبر القوس الفاصل بين توزيعات القاعة أحد العناصر العماريّة الأساسيّة سواءً من ناحية زخرفيّة أو بنيويّة وكثيراً ما يكون مصنوعاً من الحجر المرصّع بالمعجون الحجري ويمكن أيضاً أن يكون خشبيّاً لا يقلّ جمالاً وغنىً عن نظيره الحجريّ. يتألّف القوس من فضائين مثلّثييّ الشكل (spandrel بالإنجليزيّة يقابلها بالفرنسيّة écoinçon ولم أنجح بالعثور على تعبير عربي مكافىء) في الزاويتين بين السقف والجدار يمكن أن يتّصلا مباشرة في الوسط أو يمكن أن يفصل بينهما عنصر أفقيّ. 


الصورة الثانية لسقف إحدى الطزرات الثلاث بجذوعه الجميلة المؤطّرة والمقرنصات الموزّعة على محيطها. 







 Brigid Keenan & Tim Beddow. Damascus: Hidden Treasures of the Old City. Thames & Hudson 2001. 


Anke Scharrahs. Damascene Ajami Rooms: Forgotten Jewels of Interior Design. Archetype Books 2013.