Wednesday, November 21, 2018

مجزرة ١٨٦٠

كلّما قلّ العدد كلّما زادت العصبيّة. صادفت مثالاً على هذه القاعدة في معسكر التدريب الجامعي في الديماس في أواخر السبعينات عندما قامت حفنة من الطلّاب الشوام بضرب طالب من دير الزور بعد تلاسن لا أدري من بدأه ولا مبلغ تفاهته من جدّيّته. خلال فترة قصيرة تجمّع كلّ الطلّاب من أهل الدير في المعسكر وتسلّح بعضهم بالعصي و"زحفوا" للثأر من المعتدين. في المجابهة القصيرة التي تلت كان المذنبون (؟) وحيدين وأكل على الأقلّ أحدهم ضربة بالعصا دون أن يخفّ أيّ من الطلّاب الشوام الكثر في المعسكر إلى نجدتهم (من نافل القول أنّ عدد الشوام في المعسكر يتجاوز بمراحل عدد الديريّة) والله أعلم بمصيرهم لولا تدخّل قيادة المعسكر التي قامت "بتهريب" الدمشقييّن المقصودين في سيّارة ضبّاط فراراً من نقمة أهل الدير. 



استعر النزاع المسلّح بين الدروز والموارنة في جبل لبنان بين ٢٧ و ٢٩ أيّار ١٨٦٠ بداية بالمتن جنوب كسروان واستمرّ حتّى أواخر حزيران. ساد الاحتقان العلاقات الدرزيّة-المارونيّة لسنوات قبل الحرب وتحديد البادىء بالعدوان من الصعوبة بمكان نظراً لارتكاب الطرفين العديد من أعمال العنف الفرديّة -وإن كانت طائفيّة وعشائريّة الطابع في ثقافة تتميّز بارتباط وثيق بين مفاهيم الشرف والعرض والثأر - في الأشهر السابقة للكارثة. ما هو مؤكّد أنّ الموارنة كانوا بالتأكيد أكثر عدداً (حسب أحد التقديرات وإن كانت على الأغلب مبالغة ٥٠٠٠٠ مسلّح لقاء ١٢٠٠٠ درزي) ولا يقلّون عدّة عن الدروز ولكنّ قيادة الدروز وعصبيّتهم وتنظيمهم كانت أكثر من كافية للتعويض عن نقصهم العددي. بالنسبة للحلفاء تمتّع الموارنة والكاثوليك بعطف فرنسا بينما التمس الدروز عون أو على الأقلّ حياد بريطانيا التي كانت وقتها حامية الدولة العثمانيّة عملاً من أطماع الروس والفرنسييّن. 

ساهم "شيخ الشباب" طانيوس شاهين في تأجيج الفتنة عندما تقدّم على رأس ٢٥٠-٣٠٠ مسلّح إلى بعبدا من كسروان وفسّر الدروز هذا كاستفزاز لهم بينما اعتبر المسيحيّون استفزازاً مجيء القوّات العثمانيّة ومحاولة مكشوفة لمساعدة الدروز وتأليبهم ضدّهم. إذاً هرع مارونيّو كسروان لنصرة أبناء طائفتهم وقابل هذا زحف دروز حوران بقيادة اسماعيل الأطرش (رأس التمرّد الدرزي ضدّ ابراهيم باشا المصري عام ١٨٣٨) إلى وادي التيم لمؤازرة أقرانهم في لبنان. 

تحديد "متى" و"أين" أسهل بكثير من "كيف" و "لماذا" و "من" بفتح الميم. نحن لا نعلم من أطلق الرصاصة الأولى وما نعرفه بالقطع أنّ الموارنة -والمسيحييّن عموماً- منيوا بهزيمة شنعاء وأنّ الدروز -وحلفائهم من المتاولة/الشيعة والبدو والأكراد- نكّلوا بالمغلوبين وأنّ عدد الضحايا كان بالآلاف. يمكن استثناء الساحل من المناطق المنكوبة بفضل قرب الأساطيل الأوروبيّة بينما كانت القوّات العثمانيّة عاجزة عن احتواء الأزمة في الداخل وهناك ما يشير إلى تعاطف إن لم نقل تواطؤ بعض ضبّاطها وعسكرها ضدّ المسيحييّن. في كلّ الأحوال تصوير المأساة على كونها "اعتداء درزي ضدّ ضحايا مسيحييّن" مبالغة في التبسيط وعلّ الصواب أنّ الحرب بدأت كصراع بين خصمين على نفس الدرجة من التصميم والتشنّج وانتهى بتدمير كثير من القرى والمدن المسيحيّة ومقتل العديد من الأبرياء وليس بإمكاننا التكهّن بمصير المدنييّن من الدروز لو انتصر الموارنة وأنصارهم. 

سقطت دير القمر في مطلع حزيران واستباحها الدروز المنتصرون لعدّة أيّام. سلّم مسيحيّو حاصبيّا أسلحتهم والتجأوا للسرايا عملاً بنصيحة عثمان بك قائد الحامية العثمانيّة في وادي التيم الذي وعدهم بالأمان قبل أن يجهز الدروز عليهم بالمئات (حوالي الألف حسب أحد التقديرات) في مذبحة قتل فيها عدد من الأمراء الشهابييّن. لم يكن مصير راشيّا أفضل من سابقتها تحت وطأة هجوم من دروز لبنان مع حلفائهم الحورانة بقيادة اسماعيل الأطرش. هوجمت زحلة في ١٨ حزيران من قبل الدروز والبدو والشيعة ودمّر معظمها رغم مقاومة أهلها العنيدة ثمّ أتى دور بعلبك في البقاع وبعدها دير القمر (للمرّة الثانية). لا داعي لذكر العديد من القرى الأصغر التي ذهبت ضحيّة فورة الكراهية والعنف من الطرفين ولا تفاصيل المعارك المثيرة للغمّ.  

تقاطرت أنباء مذابح جبل لبنان إلى بلاد الشام شيئاً فشيئاً وعندما بلغ دمشق أخيراً خبر سقوط زحلة أشعل سكّانها الفوانيس وزيّنوا بيوتهم احتفالاً إذا قبلنا رواية السيّد محمّد أبو السعود الحسيبي (أحد أعيان المدينة) كما نقلها المؤرّخ كمال صليبي.

للحديث بقيّة.  


https://books.google.com/books?id=nE7RjS91_E4C&printsec=frontcover&source=gbs_ge_summary_r&cad=0#v=onepage&q&f=false





No comments:

Post a Comment