Friday, November 23, 2018

مهمّة فؤاد باشا في دمشق ولبنان

دمار الحيّ المسيحي في دمشق


واجهت القسطنطينيّة وضعاً لا تحسد عليه غداة مجزرة ١٨٦٠: آلاف من القتلى والجرحى والأيتام والثكالى وعشرات الآلاف من النازحين ودمار في كلّ حدب وصوب وكلّ هذا خلال أسابيع معدودة. أضف إلى ذلك الخطر الماثل أبداً للتدخّل الأوروبي -خصوصاً فرنسا ونابوليون الثالث- بحجّة حماية الأقليّات وهدف الاستيلاء على أملاك الدولة العثمانيّة في غرب آسيا. لربّما كان من الممكن تجنّب هذا التدخّل لو اقتصر الموضوع على جبل لبنان ولكن امتداده إلى دمشق أدّى إلى سخط الرأي العامّ (أي الصحافة) في أوروبا حتّى في البلاد التي ربطت حكومتها بالباب العالي علاقات ودّية للغاية كبريطانيا العظمى. 

نعيّن على السلطان إذاً أن يعمل بسرعة ليستبق التحرّك الديبلوماسي-العسكري الغربي ولحسن الحظّ وقع الخيار على فؤاد باشا  -سياسي من الطراز الأوّل- كمبعوث استثنائي للمناطق المنكوبة أعطي صلاحيّات مطلقة مع ١٥-١٦ ألف جندي تحت تصرّفه ليحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تلخّصت مهمّة فؤاد باشا بإغاثة ضحايا الحرب وإعادة بناء المناطق المدمّرة ومعاقبة المذنبين وأخيراً -خصوصاً- عدم ترك أي عذر للغرب للتدخّل. نجح الرجل في مهمّته إلى حدّ كبير خصوصاً في دمشق التي لم يدّخر وسعاً لإبقاء الفرنسييّن أبعد ما يمكن عنها وعن سوريا الداخليّة بينما كان أقلّ نجاحاً في جبل لبنان ولا عجب فقبضة الدولة على الداخل أقوى بكثير من الساحل تاريخيّاً ولعدّة أسباب (جغرافيّة بالدرجة الأولى) قديمة قدم التاريخ.    

ساعد الباشا والباب العالي إلى درجة كبيرة تناحر القوى الأوروبيّة خصوصاً فرنسا وبريطانيا فالأولى كانت تنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور والتدخّل السريع لحماية المسيحييّن بينما الثانية تحاول جهدها الدفاع عن الدروز وتميل إلى تحميل الموارنة قسماً من المسؤوليّة في لبنان أمّا عن فؤاد باشا فقد مال إلى الصرامة في عقاب دمشق -التي كانت حريّة حركة اسطنبول فيها أكثر والحفاظ عليها تحت السبطرة المباشرة للحكومة المركزيّة لا يزال في حيّز الإمكان- واللين مع الدروز في جبل لبنان لاعتبارات عمليّة كثيرة منها نقص موارد الدولة ووعورة الأرض وقرب الأساطيل الأوروبيّة. 

وصل فؤاد باشا إلى بيروت في ١٧ تمّوز ١٨٦٠ ومن ثمّ دخل دمشق بصورة رسميّة مهيبة في ٢٩ منه معلناً استعداده لقصفها في سبيل استتباب الأمن عند الضرورة. أصاب الذعر مسلمي دمشق وتمّ اعتقال المئات من المشبوهين تلاه إعدامات بالجملة في الميدان الأخضر مع أحكام بالنفي والسخرة. بشكل علم عومل أعيان المدينة برفق وأمّا الوالي أحمد باشا فقد حكم عليه بالإعدام وأعدم ولربّما كان هذا لضرورة إيجاد كبش فداء على مستوى رفيع لإحداث انطباع إيجابي لدى الأوروبييّن. فرضت على مسلمي دمشق -باستثناء من ساعد أو حاول مساعدة المسيحييّن خلال المجزرة- غرامة ماليّة وأخليت بيوت في الأحياء الإسلاميّة لوضعها تحت تصرّف المسيحييّن وقطعت ١٣٠٠٠٠ شجرة بهدف إعادة إعمار الحيّ المسيحي. أمر العثمانيّون الجناة بردّ السبايا اللواتي أجبرن على اعتناق الإسلام. 

صدر على سعيد جنبلاط في لبنان الحكم بالإعدام ومات بالنتيجة مريضاً بالسلّ في السجن ولكن أحداً لم يعدم في نهاية المطاف بين الدروز وإن تمّ وضع منازلهم تحت تصرّف المسيحييّن. أرسل الفرنسيّون في آب ١٨٦٠ بعثة عسكريّة بقيادة الجنرال المركيز Charles de Beaufort d'Hautpoul ولكنّه لم يكن ندّاً لفؤاد باشا الذي نجح بأسلوبه التفاوضي الكيّس واللعب على الظروف الإقليميّة والدوليّة في "اقناع" الفرنسييّن بعدم الاقتراب من دمشق وقام هؤلاء بسحب جنودهم من لبنان في حزيران من العام التالي دون إنجازات تستحقّ الذكر رغم تطبيل وتزمبر سياسييّهم ومتسيّسيهم. 

من تداعيات الأزمة على المدى الطويل نزوح كثير من المسيحييّن من دمشق وجبل لبنان إلى الساحل وما ورائه (مصر مثلاً) بينما نزح كثير من دروز جبل لبنان إلى حوران. بالنسبة للبنان بالذات كان خلق المتصرفيّة عام ١٨٦١ أهمّ تبعات الفتنة الطائفيّة وقدّر لها الاستمرار حتّى الحرب العالميّة الأولى إلى أن أتى الفرنسيّون بدولة لبنان الكبير في مطلع عهد الانتداب ولكن لهذا حديث آخر. 


https://books.google.com/books?id=nE7RjS91_E4C&printsec=frontcover&source=gbs_ge_summary_r&cad=0#v=onepage&q&f=false

http://bornindamascus.blogspot.com/2018/11/blog-post_19.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2018/11/blog-post_20.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2018/11/blog-post_21.html

http://bornindamascus.blogspot.com/2018/11/blog-post_22.html

No comments:

Post a Comment