Tuesday, November 6, 2018

شفق المغيب: دمشق آخر عهد المماليك



الصورة الملحقة موجودة في عديد من المواقع على الشبكة ومشهورة. قمت مع ذلك بمسح اللوحة من كتاب الدكتور عفيف بهنسي عن الجامع الأموي ومن هنا التشويه في المنتصف وعلى الأطراف وأمّا عمّا تمثّله فقد اخترت ترجمة ما كتبه العالم الأوسترالي Ross Burns في الصفحتين ٢٢١-٢٢٢ من الطبعة الأولى لكتابه عن تاريخ دمشق عام ٢٠٠٥ وهو في رأيي أفضل كتاب شامل عنها في اللغة الإنجليزيّة -ولربّما في أي لغة- بالنسبة لحجمه وكمّ ونوع وشموليّة معلوماته وينتظر صدور طبعته الثانية في مطلع عام ٢٠١٩. 

نافذة من البندقيّة

وصل وجود البنادقة في دمشق الآن إلى ذروته وندين لبلاط أحد نوّاب دمشق في أواخر هذا العهد المملوكي بأوّل لمحة موثوقة عن حياة المدينة كما تمّ نقلها إلى التراث البصري لأوروبا الغربيّة ألا وهي لوحة من مقتنيات متحف اللوفر (يجد أيضاً نسختان مختلفتان في محموعات خاصّة) تعرض علينا مشهداً من الحياة في بلاط دمشق. كان الأكاديمي الفرنسي العظيم Jean Sauvaget أوّل من قال وبحقّ في أربعينات القرن العشرين أنّ اللوحة تمثيل مفصّل للجامع الأموي كما يرى من الجنوب وليس للقاهرة أو الاسكندريّة حسب الاعتقاد السائد وقتها. ينسب هذا العمل إلى مدرسة الفنّان الفينيسي Gentile Bellini وليس من المؤكّد أنّ Bellini بنفسه رسمها. لربّما قام الفنّان بزيارة دمشق فالمشهد دقيق في وصف العمارة والثياب إلى درجة تسمح بتأريخ اللوحة إذ نرى مئذنة قايتباي الجديدة (١٤٨٨) وبالتالي يمكن القول أنّ اللوحة أنجزت عام ١٤٩٩ على أبعد حدّ وهو التاريخ الأقصى الذي يمكن تقديره لتواجدها في البندقيّة.

المناسبة على الأغلب وصول وفد من البندقيّة للمثول بين يديّ نائب المدينة ويرتأي Sauvaget أنّ المشهد مأخوذ من منظور الفندق fondaco الفينيسي (المقصود المعمل) ويضيف أنّ بقايا هذه البنية الفينيسيّة النمطيّة عاشت حتّى عهد الانتداب وكانت على الطرف الجنوبي للشارع المستقيم شرق تقاطعه مع سوق البزوريّة. الأكثر احتمالاً أن نفترض الموقع أبعد قليلاً باتّجاه الشمال في المكان الذي يشغله حاليّاً قصر العظم. أثار هذا حيرة Sauvaget وغيره من الكتّاب وتحديداً عن السبب الذي دعا البنادقة إلى الظهور هنا عوضاً عن القلعة ولربّما نجم هذا عن لجوء السلطنة في كثير من الأحوال إلى تعيين نائبين أحدهما للقلعة والثاني للمدينة وهذا الأخير كان يقيم أحياناً جنوب القلعة وهناك أيضاً إمكانيّة حدوث المشهد في قصر آخر من قصور المماليك. ترافق هذا الموقع مع حكّام دمشق منذ الآرامييّن وبني فيه في العهد العثماني لاحقاً قصر العطم. تمثّل اللوحة لقطة رائعة لطقوس البلاط المعقّدة وأزياء العصر الزاهية في وقت بدأ فيه فنّانو أوروبا في استكشاف الثراء المرئي للعالم العربي وقبل حمّى استشراق القرن التاسع عشر بعدّة قرون. قلّد كثيرون هذا الوصف الغني للثياب والعمارة الشرقيّتان والمجرّد عن أي مضامين سياسيّة أو دينيّة. هذا التركيب المنمّق أوّل ناقذة على أسرار الشرق نفّذت بطريقة واقعيّة بدا فيها البنادقة حيارى في هذا المحيط الغريب من الأزياء النابضة بالحياة وأغطية الرؤوس المعقّدة المترجمة بعناية من خلال النمط واللون والمادّة علاوة على الحيوانات العجيبة والنباتات مع خلفيّة المآذن والقباب التي تعانق سماء دمشق في تفصيل مملوء بالحياة.  



Afif Bahnassi
La Grande Mosquée Omeyyad à Damas

Publisher: Tlass 1990 

No comments:

Post a Comment